حكاية نورا السودانية تشبه آلاف الحكايا لنساء يقمن في سجون القهر الجسدي والنفسي
كتابات السجن رافد مهم من روافد الأدب العربي الحديث- تعبيرية

يُعرف "أدب السجون" بأنه نوع من الأدب، ينتجه الروائي أو الكاتب أو الشاعر أثناء وجوده في السجن أو الإقامة الجبرية. أو عندما يستذكر تجربته عقب إطلاق سراحه. في كتاب "أدب السجون"، تحدثت الروائية المصرية رضوى عاشور عن هذا النوع من الأدب فقالت: "كتابات السجن رافد مهم من روافد الأدب العربي الحديث، أسهم فيه بدرجات متفاوتة رجال ونساء ليبراليون وشيوعيون وإسلاميون وأفراد لم ينتموا لأي من هذه الاتجاهات السياسية...". أشارت عاشور إلى تعدد أشكال هذا النوع الأدبي فهي "تشمل فضلاً عن اليوميات والسيّر الذاتية والروايات والقصائد والمسرحيات شهادات لا حصر لها ومقابلات وشذرات...". نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم الروايات العربية التي تنتمي إلى ذلك النوع الأدبي، ونرصد كيف تسببت المعاناة والآلام التي تعرض لها المبدعون العرب في إنتاج العديد من النصوص الأدبية الرائعة.

 

"العصفور الأحدب"

 

مؤلّف هذه المسرحية هو الشاعر والأديب والكاتب المسرحي السوري المعروف محمد الماغوط. ولد الماغوط في مدينة السلمية في سنة 1934م. وتوفي في دمشق في سنة 2006م. ويُعد واحداً من أهم شعراء قصيدة النثر العرب. في شبابه، انتمى الماغوط إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.  وفي سنة 1955م، لوحق أعضاء الحزب من قِبل السلطات السورية. وتم اعتقال الكثيرين منهم، وكان الماغوط ضمنهم. سُجن الماغوط في سجن المزّة. وهناك بدأت حياته الأدبية الحقيقية.

في سنة 1963م، نُشرت مسرحية "العصفور الأحدب" للمرة الأولى عن "دار المدى". وعبّر فيها الماغوط عن تجربة سجنه بشكل ساخر من خلال قصة مُتخيلة لحبس مجموعة من المساجين في زنزانة واحدة. يتحدث المساجين عن أسباب اعتقالهم، لتدب الخلافات والصراعات بينهم. قبل أن يتفقوا في نهاية المطاف على الاتحاد لمواجهة حارس السجن.

 

"القلعة الخامسة"

 

مؤلف تلك الرواية هو فاضل العزاوي. وهو شاعر وروائي ومترجم عراقي ولد في كركوك في سنة 1940م. حصل على بكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة بغداد في سنة 1966م. ثم سافر إلى ألمانيا ليحصل على الدكتوراه. وصدرت له العديد من الروايات المهمة.

 

نشر العزاوي رواية "القلعة الخامسة" للمرة الأولى في سنة 1972م. وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي في سنة 1979م. وهي أول رواية عراقية تدور أحداثها داخل السجون والمعتقلات في العراق. جاء في تعريف الناشر بالرواية "في هذه الرواية يجسد الكاتب فكرته عن الدائرة الفلسفية للجنون السياسي، حيث ترتبط النهاية بالبداية في مسار لا يفلت منه أحد، لكنها أيضاً رواية عن الحنين إلى الحب، عن الألم والأمل والوفاء والخيانة والصداقة في عالم مليء بالالتباسات والأوهام التي تفتك بأرواح وقلوب حالمي الثورات ومغيري العالم".

 

"شرق المتوسط"

يُعدّ الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف واحداً من أهم أدباء منطقة الخليج في القرن العشرين. في سنة 1975م، نُشرت روايته "شرق المتوسط". وتعتبر تلك الرواية أحد أهم العلامات في مسيرة أدب السجون في عالم الأدب العربي. قال بعض النقاد في مراجعتهم لتلك الرواية: "تظل هذه الرواية علامة بارزة في الأدب العربي توضح حالة السجين السياسي: موقفه ونفسيته وعائلته وماضيه ومستقبله، وتفضح الأنظمة العربية، تلك التي ما زالت تشيّد السجون والمعتقلات السياسية التي تمتلئ بآلاف المعتقلين الضحايا المعذبين، المقيدين على حافة حادة بين الحياة والموت، فلا هم أحرار أسوياء، ولا هم موتى مرحومون ومستراحون، فهم في حالة بين بين، حالة من العذاب المستمر والجحيم المستعر".

غلاف رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف
 

"مذكراتي في سجن النساء"

 

ولدت نوال السعداوي في قرية كفر طحلة إحدى قرى مركز بنها التابع لمحافظة القليوبية بمصر في سنة 1931م. التحقت السعداوي بالدراسة في كلية الطب بجامعة القاهرة. وتخرجت في سنة 1955م وعملت كطبيبة، ثم تخصصت في مجال الطب النفسي. لتبدأ بذلك نشاطها المكثف في حقل الدراسات النسوية وحقوق المرأة.

في سنة 1981م تم اعتقال السعداوي ضمن حملة واسعة طالت معارضي الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات. بعد اغتيال السادات، تم الإفراج عن نوال السعداوي. وعاشت لفترة في مصر تحت مراقبة لصيقة من الأجهزة الأمنية. كما رفعت ضدها العديد من الدعاوى القضائية، الأمر الذي اضطرها للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لفترة، قبل أن تعود إلى مصر مرة أخرى في سنة 1996م.

في سنة 1982م، نشرت السعداوي رواية "مذكراتي في سجن النساء". وتحدثت فيها عن الأحداث التي تعرضت لها أثناء فترة اعتقالها. كتبت السعداوي في روايتها معبرة عن معاناتها في تلك الفترة "إذا كانت أصعبُ لحظة في حياة المحكوم عليه بالإعدام هي اللحظة التي تَسبق سقوط المقصلة على عُنقه، فإن أصعبَ لحظة في حياتي هي التي سَبقَت دخولي الزنزانة... الأبواب ذات القضبان الحديدية تنعكس ظلالها على الجدران المرتفعة في الظلمة كالأشباح الخرافية. حديد يدور في الحديد ويصطك، الصوت يرتطم بالأسوار، ويرتدُّ الصدى فوق الجدران، كأن مئات الأبواب الحديدية توصد وتُغلق، وصفير حاد كالصمت، وأصوات تطن كالصفير، كريح من الدخان المكتوم ينفذ من ثقبٍ ضيق...".

 

"شرف"

 

مؤلف تلك الرواية هو الروائي المصري المعروف صنع الله إبراهيم، وهو واحد من أهم الروائيين العرب المعاصرين. سُجن إبراهيم لأكثر من خمس سنوات في الفترة من 1959م إلى 1964م وذلك في سياق حملة شنها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ضد اليساريين المصريين.

 

 

في سنة 1997م، أصدر إبراهيم رواية "شرف". وهي احدى أهم الروايات العربية التي تنتمي إلى أدب السجون. يحكي المؤلف في تلك الرواية عن بعض المحن التي تعرض لها في سجنه. تحكي الرواية قصة شاب عشريني يتورط في قتل أحد السيّاح الأجانب دفاعاً عن شرفه. ليُسجن بعدها حيث يكتشف عالم الفساد والرشاوى وأنواع انتهاك الحقوق البشرية.

 

"يوميات الواحات"

 

سلط صنع الله إبراهيم الضوء مرة أخرى على معاناته في سجون مصر في كتابه "يوميات الواحات". والذي تعرض فيه للتجربة الذاتية التي عايشها إبان فترة اعتقاله. جاء في مقدمة الناشر لهذا الكتاب أن صنع الله إبراهيم عاش في سجن الواحات الكثير من الأحداث، والتقى بالكثير من أعلام الفكر والأدب، كما كانت فترةً مهمة للتأمل والتفكير جعلته يحرص على أن يكون كاتباً.

يقول إبراهيم في الرواية موضحاً كيف أثرت فترة السجن في تشكيل شخصيته الأدبية: "...وأخذتُ نفسي بجديةٍ شديدة فأخضعتُ كلَّ دقيقة في اليوم لهدف الكتابة؛ التذكُّر، القراءة، العلاقات الشخصية والإصغاء إلى الآخَرين. كنتُ قد قرَّرتُ أن أصبح كاتباً، وكنتُ أنتهز فرصةَ الهدوء الذي يَسُود العنبرَ في الصباح عندما يغادره العاملون في المزرعة، فألجأ إلى فَرشتي، وأسند الورقة والقلم إلى رُكبتي، وأَنهمِك في تسجيلِ كل ما يَعِنّ لي من خواطر".

 

"300 يوم في إسرائيل"

 

صاحب تلك الرواية هو السوري خيري الذهبي. وهو روائي ومفكر وكاتب سيناريست. ولد في دمشق في سنة 1946م. وتوفي في باريس في سنة 2022م.

صدر كتاب "من دمشق إلى حيفا _ 300 يوم في إسرائيل" في سنة 2019م عن دار المتوسط. تناول الذهبي في هذا الكتاب قصة اعتقاله في حرب أكتوبر 1973م. عندما كان ضابطاً سورياً وحيداً في قوات الأمم المتحدة التي تراقب الهدنة القائمة بين سوريا وإسرائيل.

 

"تلك العتمة الباهرة"

 

مؤلف تلك الرواية هو الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون. ولد بن جلون في سنة 1944م. وله العديد من الإصدارات في الشعر والرواية والقصة. كما حصلت أعماله على العديد من الجوائز الأدبية المهمة.

أصدر بن جلون رواية "تلك العتمة الباهرة" في سنة 2000م باللغة الفرنسية وفازت بجائزة إمباك الأدبية. وبعدها بسنتين تُرجمت الرواية إلى اللغة العربية، ونشرها دار الساقي. تحكي الرواية عن اعتقال بعض الجنود بعد اتهامهم بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشل على ملك المغرب الحسن الثاني في سنة 1971م. يقول ابن جالون في روايته مبيناً الأوضاع السيئة التي عاش فيها المسجونون لسنوات طويلة: "...على مدى أشهر تم إعداد هذا السجن أو دعوني أقل هذه الحفرة لتكون قبراً لهؤلاء الجنود، لكن هذا القبر كان مختلفاً إذ أن الموت ممنوع عليك في هذا القبر، ولذا فإن السجناء الذي شاء الحظ ان يكونوا في هذا السجن بقوا 18 عاماً لا يرون الشمس ولا يعرفون ما هو النور أو الهواء النقي فضلاً عن باقي تلك الأمور الترفيهية كالماء النقي أو الطعام المفيد المشبع...".

 

"حرز مكمكم"

 

مؤلف هذا الكتاب هو الروائي والصحافي المصري أحمد ناجي. وهو من مواليد مدينة المنصورة سنة 1985م. في فبراير 2016م، أُدين ناجي بتهمة "خدش الحياء" إثر نشر فصل من إحدى رواياته في جريدة "أخبار الأدب" المصرية، وقضت المحكمة بسجنه عامين. بعد سنة، قررت محكمة النقض المصرية إلغاء حكم الحبس. وأمرت بإعادة محاكمته. قبل أن يطلق سراحه في ديسمبر 2016م.

في سنة 2022م، نشر ناجي كتابه "حرز مكمكم". وسجل فيه تجربته فيما يخص القراءة والكتابة داخل السجن أثناء فترة حبسه. يقول ناشر الكتاب: "طوال مدة سجنه، كان أحمد ممنوعاً من الكتابة والنشر، والكتب المسموح بقراءتها خاضعة لرقابة صارمة. لم يُسمح له إلا بدفتر أسود صغير كان يُسجل فيه سراً فصولاً من أحلامه ويومياته. في هذا الكتاب يستعيد أحمد ناجى لأول مرة تفاصيل من المحاكمة الأدبية الأشهر، ويوميات القراءة والكتابة في السجن. هو كتاب عن القراءة وخدش الحياء العام والأدب والنبي يوسف وقوة الأحلام ومخاطر شطح الحياة...".


 

"أوتار وراء القضبان"

 

مؤلف هذه الرواية هو أسعد شلاش. وهو كاتب وموسيقي وسياسي سوري من مواليد ريف إدلب في سنة 1955م. في 1987م، قامت السلطات السورية باعتقال شلاش بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي. ولم يتم الإفراج عنه إلا في سنة 1994م بعد أن أمضى ست سنوات وسبعة أشهر.

في روايته "أوتار وراء القضبان" الصادرة عن دار موزاييك للدراسات والنشر، يروي شلاش وقائع قصته من خلال "فرح" وهي شخصية مُتخيلة. يستعرض شلاش في الرواية المصاعب والآلام التي واجهها مع رفاقه في السجون السورية. يقول شلاش: "في زنزانة ضيقة، بالكاد تتسع لبعض الأشخاص، أمضى فرح ورفاقه أشهراً ينامون ويقعدون في أماكنهم، ويتزاحمون أمام حمام واحد، ويأكلون من قصعات البرغل والفاصولياء "التي تشبه تلك التي تُرمى للدجاج"، ولا يُسمح لهم بالخروج إلى الشمس أو استقبال الزيارات، علاوة على "حفلات التعذيب" التي كانوا يتعرضون لها يومياً، تعذيب يستمر حتى يفقد المُعتَقل وعيه".

مواضيع ذات صلة:

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.

 عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وقد تواجدت عشرات اللوحات على جدران الكنائس والقصور في شتى أنحاء القارة العجوز.

تماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية. على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية، فأعلنت أغلبية الآراء الفقهية عن معارضتها للتصوير والرسم والنحت.

نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من "الفتاوى المستنيرة" التي خالفت السياق الفقهي العام، لتجيز للمسلمين ممارسة تلك الفنون.

 

الرأي التقليدي

وردت الكثير من الأحاديث النبوية التي تظهر رفض الإسلام للرسم والتصوير. ينقل محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه بعضاً من تلك الأحاديث. منها أن النبي دخل بيت عائشة ذات مرة، فوجد ثوباً عليه صور، فغضب ومزق الثوب وقال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويُقال لهم: "أحيوا ما خلقتم". ويؤكد النبي المعنى نفسه في أحاديث أخرى، منها "إنَّ أشدَّ النَّاسِ عذاباً عندَ اللَّهِ المصَوِّرونَ".

وبناء على تلك الروايات، ذهب جمهور العلماء إلى حرمة رسم وتصوير ذوات الأرواح.

على النحو ذاته، رفض التقليد الفقهي الإسلامي نحت التماثيل. بُني هذا الرأي على ارتباط التماثيل بالأصنام التي كانت تُعبد قبل الإسلام، وعلى ما نُسب إلى النبي في صحيح مسلم:  "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل". ولذلك ذهب جمهور الفقهاء السنة لحرمة صناعة التماثيل أو وضعها في المنازل.

 

وجهة نظر مختلفة

يتعارض التحريم الفقهي القاطع للتصوير والرسم والنحت مع بعض الروايات التاريخية المُختلف على صحتها. من تلك الروايات ما ذكره أبو الوليد الأزرقي في كتابه "أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار"، من أن الكعبة في الجاهلية كانت تحتوي على الكثير من التماثيل والصور، ومنها صورة للنبي إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، وصورة أخرى للمسيح عيسى بن مريم مع أمه.

ويذكر الأزرقي أن الرسول لما فتح مكة في العام الثامن من الهجرة توجه إلى الكعبة "ودخل إلى البيت، فأمر بثوب فبلّ بماء، وأمر بطمس تلك الصور ووضع كفيه على صورة عيسى وأمه وقال: امحوا الجميع إلا ما تحت يدي".

نُقلت هذه الرواية في الكثير من المصادر المعتبرة في القرون التالية، ومنها تاريخ الإسلام لشمس الدين الذهبي، إذ أوردها ثم علق عليها ببعض الشواهد المثبتة لها، ومن ذلك ما ورد عن التابعي عطاء بن أبي رباح، من أنه لما سُئل عن هذه الصورة، قال: "أدركت تمثال مريم مزوقاً في حجرها عيسى قاعد. وكان في البيت -يقصد الكعبة- ستة أعمدة سوارٍ، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب". ولما سُئل عطاء عن توقيت إزالة هذا التمثال من الكعبة أجاب بأن ذلك قد وقع في الحريق الذي نشب بالكعبة في زمن عبد الله بن الزبير سنة 64 للهجرة.

 يشير ذلك إلى ما يبدو وكأنه نوع من أنواع التسامح مع الصور في حقبة الإسلام المبكرة.

ويوضح زكي محمد حسن في كتابه "التصوير وأعلام المصورين في الإسلام" أن المجتمعات الإسلامية قد عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت رغم الرفض الفقهي/ يقول: "لا نستطيع أن ننفي قطعيّاً وجود أي تصوير ديني في الإسلام، فإن بعض المصورين الإيرانيين عمد إلى حياة النبي وإلى بعض الحوادث الجسام في تاريخ الإسلام فاتخذ منها موضوعات لصور كانت تشمل في بعض الأحيان على رسما للنبي".

 

فتاوى معاصرة

ظهرت في العصر الحديث العديد من الفتاوى الدينية التي أجازت ممارسة الرسم والتصوير والنحت وغير ذلك من الفنون التشكيلية.

وقد بدأت تلك الفتاوى بالفتوى الشهيرة التي قال بها رجل الدين المصري محمد عبده في مطلع القرن العشرين. ففي سنة 1904، زار عبده جزيرة صقلية، وأبدى في إحدى مقالاته -التي نشرها في مجلة المنار- إعجابه بحفاظ أهل الجزيرة على ما لديهم من آثار وتماثيل. وفي مقاله تطرق عبده للحكم الفقهي للنحت فقال: "ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية؛ إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية أو أوضاعهم الجثمانية، هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب، أو واجب؟ فأقول لك: إن الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان؛ فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالاً إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة؛ فإذا أوردت عليه حديث: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن الحديث جاء في أيام الوثنية"- بحسب ما ذكر عباس محمود العقاد في كتابه "عبقري الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده".

في سنة 2001، عاد الجدل حول حكم التماثيل في الإسلام إلى الواجهة بعدما قامت حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان بتدمير تمثالي بوذا في منطقة باميان.

أثار الحادث غضب الكثير من رجال الدين المسلمين. فعلى سبيل المثال اعترض عليه مفتي مصر الأسبق، نصر فريد واصل، وقال: "إن الحفاظ على هذه الآثار أمر له تبريره لأن هذه الآثار تجلب منافع اقتصادية للدول الموجودة فيها عن طريق السياحة".

ودعا المفتي المسؤولين في طالبان إلى عرض التماثيل البوذية التي لا تأثير لها في المسلمين.

وفي سنة 2006م، انتقل الجدل حول التماثيل والنحت إلى مصر نفسها، وذلك بعدما أفتى مفتي مصر السابق، علي جمعة بأن تزيين البيوت بالتماثيل حرام ولا يجوز شرعاً، واعتبرها معصية لا يجوز الوقوع فيها.

وقتها، أثارت الفتوى غضب قطاع واسع من الفنانين المصريين، فقد انتقد وزير الثقافة المصري الأسبق، فاروق حسني، فتوى جمعة فقال: "هناك فرق بين العبادة وصناعة الآلهة كاللات والعزي ومناة، وبين الشعور بقيمة جمالية التأمل في الطبيعة والإنسان".

في السياق نفسه، ظهرت بعض الفتاوى التي ردت على فتوى علي جمعة، ومن من ذلك فتوى عبد الصبور شاهين، الأستاذ بكلية دار العلوم، والذي أكد فيها "أنه يجوز شرعاً استخدام التماثيل وغيرها لديكور المنازل، لأن زمن عبادة الأصنام والتماثيل قد انتهى"، وهو الرأي الذي اتفقت معه آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر.

في السنوات الأخيرة، تتابعت الفتاوى التي أجازت الرسم والنحت من جانب العديد من رجال الدين المسلمين، وتباينت الطرق في إثبات تلك الإجازة. وقد ذكر سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الفقهاء اتفقوا على تحريم التصوير الذى يتخذ إلهاً يُعبد من دون الله. أما التصوير لغير العبادة كعمل فني أو تجاري أو ثقافي أو تعليمي فقد اختلفوا في حكمه على ثلاثة مذاهب.

وأكد الهلالي أن من حق كل مسلم أن يختار من المذاهب الثلاثة ما يوافق ضميره ومعتقده.

في سنة 2009، أصدرت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر فتوى رسمية بإباحة ممارسة الرسم والنحت والتصوير. وقد  جاء في تلك الفتوى: "إن الإسلام لا يحارب الفن الهادف، بل يدعو إليه، ويحث عليه؛ لأن الفن في حقيقته إبداع جمالي لا يعاديه الإسلام، والنحت والتصوير من الفنون، فالإسلام لا يحرمه؛ ولكنه في الوقت نفسه لا يبيحه بإطلاق؛ بل يقيد إباحته بقيدين هما: ألا يقصد بالشيء المنحوت أو المصور عبادته من دون الله، والقيد الثاني: أن يخلو النحت والتصوير من المضاهاة لخلق الله التي يُقصد بها أن يتحدى صنعة الخالق ويفترى عليه بأنه يخلق مثل خلقه، فإذا انتفى هذان القيدان فالنحت والتصوير ونحوهما مباح، ولا شيء فيه.". في المعنى ذاته، قدم المفكر الإسلامي، عدنان إبراهيم، محاضرة عن حكم الرسم والنحت في الإسلام.

وذكر إبراهيم أن حرمة صناعة التماثيل كانت مربوطة بعبادتها، وأكد أن تلك الفنون غير محرمة بذاتها.

من جهة أخرى، ظهرت العديد من الفتاوى الشيعية التي أباحت التصوير والرسم والنحت، من ذلك فتوى المرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، بجواز تعليق صور النبي والأئمة في البيوت والمنازل.

وجاء في الموقع الرسمي للمرجع الشيعي العراقي، كمال الحيدري، تعليقا على روايات  كراهية تصوير ذوات الأرواح قوله إن تلك "الروايات لا تبلغ حد الحرمة أولاً ثم إنها محمولة على زمانها، حيث كانت تشيع عبادة التماثيل فورد النهي عن ذلك لئلا يروج لها أو يتأثر بها".

ويضيف الحيدري: "وأما اليوم، فقد أصبحت الصور ورسمها فناً من الفنون وجزء من الاهتمام بالآثار الحضارية، ولها اعتبارات علمية ومالية، فلا إشكال عندنا في وجود الصور أو الألعاب في داخل الغرف والبيوت، وكذا لا إشكال في تصويرها ونحتها ما لم يكن الغرض منها عبادتها".