يُعرف "أدب السجون" بأنه نوع من الأدب، ينتجه الروائي أو الكاتب أو الشاعر أثناء وجوده في السجن أو الإقامة الجبرية. أو عندما يستذكر تجربته عقب إطلاق سراحه. في كتاب "أدب السجون"، تحدثت الروائية المصرية رضوى عاشور عن هذا النوع من الأدب فقالت: "كتابات السجن رافد مهم من روافد الأدب العربي الحديث، أسهم فيه بدرجات متفاوتة رجال ونساء ليبراليون وشيوعيون وإسلاميون وأفراد لم ينتموا لأي من هذه الاتجاهات السياسية...". أشارت عاشور إلى تعدد أشكال هذا النوع الأدبي فهي "تشمل فضلاً عن اليوميات والسيّر الذاتية والروايات والقصائد والمسرحيات شهادات لا حصر لها ومقابلات وشذرات...". نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم الروايات العربية التي تنتمي إلى ذلك النوع الأدبي، ونرصد كيف تسببت المعاناة والآلام التي تعرض لها المبدعون العرب في إنتاج العديد من النصوص الأدبية الرائعة.
"العصفور الأحدب"
مؤلّف هذه المسرحية هو الشاعر والأديب والكاتب المسرحي السوري المعروف محمد الماغوط. ولد الماغوط في مدينة السلمية في سنة 1934م. وتوفي في دمشق في سنة 2006م. ويُعد واحداً من أهم شعراء قصيدة النثر العرب. في شبابه، انتمى الماغوط إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. وفي سنة 1955م، لوحق أعضاء الحزب من قِبل السلطات السورية. وتم اعتقال الكثيرين منهم، وكان الماغوط ضمنهم. سُجن الماغوط في سجن المزّة. وهناك بدأت حياته الأدبية الحقيقية.
العصفور الأحدب لمحمد الماغوطhttp://t.co/Cj6qQIeNqH pic.twitter.com/afpoAtL6jA
— عطر الياسمين (@Yasmeen0Yaso) October 9, 2015
في سنة 1963م، نُشرت مسرحية "العصفور الأحدب" للمرة الأولى عن "دار المدى". وعبّر فيها الماغوط عن تجربة سجنه بشكل ساخر من خلال قصة مُتخيلة لحبس مجموعة من المساجين في زنزانة واحدة. يتحدث المساجين عن أسباب اعتقالهم، لتدب الخلافات والصراعات بينهم. قبل أن يتفقوا في نهاية المطاف على الاتحاد لمواجهة حارس السجن.
"القلعة الخامسة"
مؤلف تلك الرواية هو فاضل العزاوي. وهو شاعر وروائي ومترجم عراقي ولد في كركوك في سنة 1940م. حصل على بكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة بغداد في سنة 1966م. ثم سافر إلى ألمانيا ليحصل على الدكتوراه. وصدرت له العديد من الروايات المهمة.
نشر العزاوي رواية "القلعة الخامسة" للمرة الأولى في سنة 1972م. وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي في سنة 1979م. وهي أول رواية عراقية تدور أحداثها داخل السجون والمعتقلات في العراق. جاء في تعريف الناشر بالرواية "في هذه الرواية يجسد الكاتب فكرته عن الدائرة الفلسفية للجنون السياسي، حيث ترتبط النهاية بالبداية في مسار لا يفلت منه أحد، لكنها أيضاً رواية عن الحنين إلى الحب، عن الألم والأمل والوفاء والخيانة والصداقة في عالم مليء بالالتباسات والأوهام التي تفتك بأرواح وقلوب حالمي الثورات ومغيري العالم".
"شرق المتوسط"
يُعدّ الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف واحداً من أهم أدباء منطقة الخليج في القرن العشرين. في سنة 1975م، نُشرت روايته "شرق المتوسط". وتعتبر تلك الرواية أحد أهم العلامات في مسيرة أدب السجون في عالم الأدب العربي. قال بعض النقاد في مراجعتهم لتلك الرواية: "تظل هذه الرواية علامة بارزة في الأدب العربي توضح حالة السجين السياسي: موقفه ونفسيته وعائلته وماضيه ومستقبله، وتفضح الأنظمة العربية، تلك التي ما زالت تشيّد السجون والمعتقلات السياسية التي تمتلئ بآلاف المعتقلين الضحايا المعذبين، المقيدين على حافة حادة بين الحياة والموت، فلا هم أحرار أسوياء، ولا هم موتى مرحومون ومستراحون، فهم في حالة بين بين، حالة من العذاب المستمر والجحيم المستعر".
"مذكراتي في سجن النساء"
ولدت نوال السعداوي في قرية كفر طحلة إحدى قرى مركز بنها التابع لمحافظة القليوبية بمصر في سنة 1931م. التحقت السعداوي بالدراسة في كلية الطب بجامعة القاهرة. وتخرجت في سنة 1955م وعملت كطبيبة، ثم تخصصت في مجال الطب النفسي. لتبدأ بذلك نشاطها المكثف في حقل الدراسات النسوية وحقوق المرأة.
في سنة 1981م تم اعتقال السعداوي ضمن حملة واسعة طالت معارضي الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات. بعد اغتيال السادات، تم الإفراج عن نوال السعداوي. وعاشت لفترة في مصر تحت مراقبة لصيقة من الأجهزة الأمنية. كما رفعت ضدها العديد من الدعاوى القضائية، الأمر الذي اضطرها للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لفترة، قبل أن تعود إلى مصر مرة أخرى في سنة 1996م.
٢٦- مذكراتي في سجن النساء / نوال السعداوي..
— نواف القديمي (@Alqudaimi) September 23, 2012
تحكي فيها تجربة اعتقالها لمدة شهرين آخر أيام السادات pic.twitter.com/ZN03nCrO
في سنة 1982م، نشرت السعداوي رواية "مذكراتي في سجن النساء". وتحدثت فيها عن الأحداث التي تعرضت لها أثناء فترة اعتقالها. كتبت السعداوي في روايتها معبرة عن معاناتها في تلك الفترة "إذا كانت أصعبُ لحظة في حياة المحكوم عليه بالإعدام هي اللحظة التي تَسبق سقوط المقصلة على عُنقه، فإن أصعبَ لحظة في حياتي هي التي سَبقَت دخولي الزنزانة... الأبواب ذات القضبان الحديدية تنعكس ظلالها على الجدران المرتفعة في الظلمة كالأشباح الخرافية. حديد يدور في الحديد ويصطك، الصوت يرتطم بالأسوار، ويرتدُّ الصدى فوق الجدران، كأن مئات الأبواب الحديدية توصد وتُغلق، وصفير حاد كالصمت، وأصوات تطن كالصفير، كريح من الدخان المكتوم ينفذ من ثقبٍ ضيق...".
"شرف"
مؤلف تلك الرواية هو الروائي المصري المعروف صنع الله إبراهيم، وهو واحد من أهم الروائيين العرب المعاصرين. سُجن إبراهيم لأكثر من خمس سنوات في الفترة من 1959م إلى 1964م وذلك في سياق حملة شنها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ضد اليساريين المصريين.
من رواية شرف صنع الله إبراهيم pic.twitter.com/aHAUDgXsrF
— Libertaire (@abdoul_ali) July 15, 2021
في سنة 1997م، أصدر إبراهيم رواية "شرف". وهي احدى أهم الروايات العربية التي تنتمي إلى أدب السجون. يحكي المؤلف في تلك الرواية عن بعض المحن التي تعرض لها في سجنه. تحكي الرواية قصة شاب عشريني يتورط في قتل أحد السيّاح الأجانب دفاعاً عن شرفه. ليُسجن بعدها حيث يكتشف عالم الفساد والرشاوى وأنواع انتهاك الحقوق البشرية.
"يوميات الواحات"
سلط صنع الله إبراهيم الضوء مرة أخرى على معاناته في سجون مصر في كتابه "يوميات الواحات". والذي تعرض فيه للتجربة الذاتية التي عايشها إبان فترة اعتقاله. جاء في مقدمة الناشر لهذا الكتاب أن صنع الله إبراهيم عاش في سجن الواحات الكثير من الأحداث، والتقى بالكثير من أعلام الفكر والأدب، كما كانت فترةً مهمة للتأمل والتفكير جعلته يحرص على أن يكون كاتباً.
يقول إبراهيم في الرواية موضحاً كيف أثرت فترة السجن في تشكيل شخصيته الأدبية: "...وأخذتُ نفسي بجديةٍ شديدة فأخضعتُ كلَّ دقيقة في اليوم لهدف الكتابة؛ التذكُّر، القراءة، العلاقات الشخصية والإصغاء إلى الآخَرين. كنتُ قد قرَّرتُ أن أصبح كاتباً، وكنتُ أنتهز فرصةَ الهدوء الذي يَسُود العنبرَ في الصباح عندما يغادره العاملون في المزرعة، فألجأ إلى فَرشتي، وأسند الورقة والقلم إلى رُكبتي، وأَنهمِك في تسجيلِ كل ما يَعِنّ لي من خواطر".
"300 يوم في إسرائيل"
صاحب تلك الرواية هو السوري خيري الذهبي. وهو روائي ومفكر وكاتب سيناريست. ولد في دمشق في سنة 1946م. وتوفي في باريس في سنة 2022م.
من دمشق إلى حيفا : 300 يوم في إسرائيل
— التبراة (@altibrah) January 19, 2019
خيري الذهبي
دار السويدي للنشر
منشورات المتوسط
سلسلة يوميات عربية
الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات 2019#صدر_حديثاhttps://t.co/Chb1jxEzVyhttps://t.co/aNdTny3gnOhttps://t.co/iVLY5c4F0o pic.twitter.com/rel091WRik
صدر كتاب "من دمشق إلى حيفا _ 300 يوم في إسرائيل" في سنة 2019م عن دار المتوسط. تناول الذهبي في هذا الكتاب قصة اعتقاله في حرب أكتوبر 1973م. عندما كان ضابطاً سورياً وحيداً في قوات الأمم المتحدة التي تراقب الهدنة القائمة بين سوريا وإسرائيل.
"تلك العتمة الباهرة"
مؤلف تلك الرواية هو الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون. ولد بن جلون في سنة 1944م. وله العديد من الإصدارات في الشعر والرواية والقصة. كما حصلت أعماله على العديد من الجوائز الأدبية المهمة.
" إني أصلّي كثيرًا . أصلّي إلى الله بغيةَ أن أصرف نفسي عن العالم . إني لا أصلّي من أجلي ، و ليس رجاءً بشيءٍ .. بل دفعًا لشقاءِ البقاء . أصلّي دفعًا للقنوط الذي يهلكنا " .#تلك_العتمة_الباهرة #اقرأ_مع_ليل . pic.twitter.com/4NaOmRwlCa
— ليل💙. (@ALayl97) January 2, 2023
أصدر بن جلون رواية "تلك العتمة الباهرة" في سنة 2000م باللغة الفرنسية وفازت بجائزة إمباك الأدبية. وبعدها بسنتين تُرجمت الرواية إلى اللغة العربية، ونشرها دار الساقي. تحكي الرواية عن اعتقال بعض الجنود بعد اتهامهم بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشل على ملك المغرب الحسن الثاني في سنة 1971م. يقول ابن جالون في روايته مبيناً الأوضاع السيئة التي عاش فيها المسجونون لسنوات طويلة: "...على مدى أشهر تم إعداد هذا السجن أو دعوني أقل هذه الحفرة لتكون قبراً لهؤلاء الجنود، لكن هذا القبر كان مختلفاً إذ أن الموت ممنوع عليك في هذا القبر، ولذا فإن السجناء الذي شاء الحظ ان يكونوا في هذا السجن بقوا 18 عاماً لا يرون الشمس ولا يعرفون ما هو النور أو الهواء النقي فضلاً عن باقي تلك الأمور الترفيهية كالماء النقي أو الطعام المفيد المشبع...".
"حرز مكمكم"
مؤلف هذا الكتاب هو الروائي والصحافي المصري أحمد ناجي. وهو من مواليد مدينة المنصورة سنة 1985م. في فبراير 2016م، أُدين ناجي بتهمة "خدش الحياء" إثر نشر فصل من إحدى رواياته في جريدة "أخبار الأدب" المصرية، وقضت المحكمة بسجنه عامين. بعد سنة، قررت محكمة النقض المصرية إلغاء حكم الحبس. وأمرت بإعادة محاكمته. قبل أن يطلق سراحه في ديسمبر 2016م.
كتب: حرز مكمكم، أحمد ناجي
— Jadaliyya (@jadaliyya) July 26, 2021
By Arabic Editors https://t.co/GLBsDPQ8Kg pic.twitter.com/vI7TCagt2Q
في سنة 2022م، نشر ناجي كتابه "حرز مكمكم". وسجل فيه تجربته فيما يخص القراءة والكتابة داخل السجن أثناء فترة حبسه. يقول ناشر الكتاب: "طوال مدة سجنه، كان أحمد ممنوعاً من الكتابة والنشر، والكتب المسموح بقراءتها خاضعة لرقابة صارمة. لم يُسمح له إلا بدفتر أسود صغير كان يُسجل فيه سراً فصولاً من أحلامه ويومياته. في هذا الكتاب يستعيد أحمد ناجى لأول مرة تفاصيل من المحاكمة الأدبية الأشهر، ويوميات القراءة والكتابة في السجن. هو كتاب عن القراءة وخدش الحياء العام والأدب والنبي يوسف وقوة الأحلام ومخاطر شطح الحياة...".
"أوتار وراء القضبان"
مؤلف هذه الرواية هو أسعد شلاش. وهو كاتب وموسيقي وسياسي سوري من مواليد ريف إدلب في سنة 1955م. في 1987م، قامت السلطات السورية باعتقال شلاش بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي. ولم يتم الإفراج عنه إلا في سنة 1994م بعد أن أمضى ست سنوات وسبعة أشهر.
"أوتار وراء القضبان".. كيف تتحول الموسيقى إلى سلاح مقاومة؟ https://t.co/SCx5DdPwet pic.twitter.com/BrHmvSYiwK
— تريندينغ 24 (@Treanding_24) June 17, 2022
في روايته "أوتار وراء القضبان" الصادرة عن دار موزاييك للدراسات والنشر، يروي شلاش وقائع قصته من خلال "فرح" وهي شخصية مُتخيلة. يستعرض شلاش في الرواية المصاعب والآلام التي واجهها مع رفاقه في السجون السورية. يقول شلاش: "في زنزانة ضيقة، بالكاد تتسع لبعض الأشخاص، أمضى فرح ورفاقه أشهراً ينامون ويقعدون في أماكنهم، ويتزاحمون أمام حمام واحد، ويأكلون من قصعات البرغل والفاصولياء "التي تشبه تلك التي تُرمى للدجاج"، ولا يُسمح لهم بالخروج إلى الشمس أو استقبال الزيارات، علاوة على "حفلات التعذيب" التي كانوا يتعرضون لها يومياً، تعذيب يستمر حتى يفقد المُعتَقل وعيه".
