عاش العراقي فيصل الياسري حياة فنية استثنائية، فهو اثنين من أبرز الأعمال العابرة للأزمان: افتح يا سمسم، حمام الهنا
عاش فيصل الياسري حياة فنية استثنائية. أخرج اثنين من أبرز الأعمال العابرة للزمن: افتح يا سمسم، حمام الهنا

متنقلاً بين الإخراج وكتابة السيناريو والصحافة والتأليف والترجمة وإعداد البرامج والتقديم التلفزيوني، عاش العراقي فيصل الياسري حياة فنية استثنائية، فهو مخرج لاثنين من أبرز الأعمال العابرة للزمن: الأول المسلسل الكوميدي السوري "حمام الهنا"، والثاني برنامج الأطفال العربي المشترك "افتح يا سمسم".

وفي فترة من حياته، أصبح عنوانا مثيرا للجدل داخل العراق، بسبب برنامج تلفزيوني رعاه النظام السابق (نظام حزب البعث).

ولد الياسري عام 1933 في مدينة المشخاب القريبة من بعض أشهر مناطق العراق الآثارية (الحيرة والكوفة) بمحافظة النجف. هذا القُرب من التاريخ والحضارة العريقة، أهله للاطلاع على قصص الملوك والآلهة وصراعات النفوذ عندما كان مع باقي أطفال الحي يلعبون بين أطلال المدن القديمة.

نشأ في كنف عائلة مهتمة بالشعر والأدب، اشتهرت بيوتها بغزارة مكتباتها وتنظيمها لصالونات أدبية تُلقى فيها الكثير من الأشعار، وتناقش فيها قضايا سياسية.

ساعدت تلك النشأة الياسري، على الدخول في سن مبكر لمجال التأليف، بعد انتقال العائلة إلى بغداد واقترابه من الجو الأدبي الذي كان يميز أربعينيات القرن الماضي، في "محلة" (حي سكني) جديد حسن باشا الشهيرة بمقاهيها الأدبية وحركاتها السياسية.

في تلك الفترة وحين كان طالباً في الثانوية، نشر أول مجموعة قصصية له بعنوان "في الطريق"، وأول رواية قصيرة "كانت عذراء".

 

من الطب إلى السينما

بعدما تخرج من الثانوية عام 1952، سافر الياسري إلى فيينا لدراسة الطب البشري. هناك أدرك أن هذا المجال لا يُناسبه، حين رأى لأول مرة جثة في درس التشريح. أُغمي عليه في قاعة الدرس، فأٌخرِج محمولاً على أكتاف زملائه، ثم هرب من كلية الطب دون عودة.

بعد بحث قصير في اختيارات كلية الهندسة في فيينا، توجه الياسري صوب هندسة السينما التي استهوته، على الرغم عدم وجود بث تلفزيوني في الدول العربية آنذاك، حتى عام 1956 حين افتتح العراق أول تلفزيون في المنطقة العربية.

مع إكماله المرحلة الأولى، أخرج الياسري مجموعة أفلام دعائية قصيرة، واستمر بالعمل والدراسة معاً إلى أن حصل على ماجستير في فن الإخراج والإعداد التلفزيونيين عام 1958.

عاد إلى العراق بالتزامن مع سقوط الحكم الملكي، وعمل مخرجاً في تلفزيون العراق ثم مديراً مؤقتاً له لشهور عدة، ثم بعد عام ولأنه يُجيد اللغة الألمانية، أختير ضمن بعثة تدريبية إلى ألمانيا.

ظل في تلفزيون العراق ثلاث سنوات، قبل أن ينتقل للعمل في سوريا، لتدريب كوادر التلفزيون هناك.

 

مسلسلات وأفلام

تعلق قلب الياسري في حب دمشق، فأمضى فيها 11 عاماً، عمل خلالها في التلفزيون مستشاراً ثم رئيساً لقسم التمثيليات ثم مديراً للبرامج. مارس هوايته بالحضور في كل فروع الإعلام والثقافة، فكتب في صحيفة "الثورة" وأعد وقدم البرامج، وكتب سيناريوهات لأفلام ومسلسلات عدة.

كما أخرج عدداً كبيراً من الأعمال السورية التلفزيونية والسينمائية والمسرحية، أكثرها بقاءً في الذاكرة العربية مسلسل "حمام الهنا" عام 1968، من تأليف نهاد قلعي، الذي أدى أيضاً دور حسني البورزان، وبطولة دريد لحام (غوار الطوشي) ورفيق سبيعي (أبو صياح).

 

كان الياسري كثير التردد على بيروت أثناء إقامته في سوريا، وأخرج في عام 1979 فيلم "القناص" عن الحرب الأهلية اللبنانية، وفيه اشترك الشاعر السوري الراحل نزار قباني بأول ظهور درامي، بشخصيته القيقية، ملقياً قصيدته عن بيروت.

اشتهر أيضاً بالعديد من الأفلام التسجيلية والروائية والتلفزيونية، أبرزها أفلام" الرأس" و"النهر " و"بابل حبيبتي".

 

برامج الأطفال

في عام 1978 اجتمعت دول الخليج وكونت مجلس التعاون الخليجي، بعدها بعام أطلقت مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي؛ بهدف إنتاج سلسلة برامج تعليمية وتثقيفية عالية المستوى.

قررت المؤسسة أن تكون باكورة أعمالها مستوحاة من برنامج "شارع سمسم" الأميركي الذي كان يقدم منذ عام 1968 وحصل على شهرة واسعة.

أُختير ليكون المخرج والمشرف العام على التنفيذ، فانتقل من سوريا إلى الكويت. خرج العمل إلى النور في أول حلقاته عام 1979 بعنوان "افتح يا سمسم".

أخرج ثلاثة مواسم من البرنامج تضمنت 390 حلقة من نصف ساعة تلفزيونية، وصُنف واحداً من أهم البرامج التعليمية في العالم العربي وأكثرها مشاهدة وكُلفة، إذ تجاوزت كلفته الإنتاجية الـ 22 مليون دولار.

كما قدم الياسري عام 1982 أول فيلم كرتوني عراقي بعنوان" الأميرة والنهر"، إذ تولى الإشراف والمعالجة السينمائية له. وهو فيلم يحكي قصة ملك مملكة لكش وبناته الثلاث.

رُسِمت الشخصيات وصُمِمت ودُبلِج صوتها في العراق، وكان التنفيذ في أستراليا، بكلفة مليون دولار أميركي.

استمر الياسري مخرجاً للبرامج كافة التي أنتجتها المؤسسة العربية، كبرنامج التوعية الصحية "سلامتك" ثم "قصص خليجية" و"ديرتنا"، و"الكشاف"، حتى عام 1990، حين غزا العراق الكويت، فعاد إلى العراق بعد غربة إبداعية استمرت نحو ثلاثة عقود.

 

برنامج سياسي

ما إن انتهت حرب الخليج الثانية، استغلت الحكومة العراقية آنذاك وجود الياسري في بغداد، لتسند إليه منصب مدير تلفزيون العراق، بهدف إعادة بناء ما دُمِر منه خلال الحرب.

وفي عام 1991، فكرت الرئاسة العراقية بإنتاج عمل لتوثيق ما حصل خلال الحرب، ليصبح الياسري مخرجاً ومعداً لبرنامج "الملف" الذي اعتبر واحداً من أكثر البرامج السياسية إثارة للجدل، وأتُهِم على إثره بالتبعية لنظام البعث وتشويه الحقائق.

كان البرنامج يغطي يوماً بيوم أحداث الحرب وآثار العمليات العسكرية على البنية التحتية في حرب "عاصفة الصحراء"، التي شنها التحالف الدولي لتحرير الكويت، من وجهة نظر نظام صدام حسين.

حين وصلت الحلقات إلى "الانتفاضة الشعبانية" وصف من قام بها بـ الغوغاء" وعرفها على أنها "صفحة خيانة وغدر"، وهي التوصيفات التي كان يطلقها النظام على معارضيه آنذاك.

 

قدم الياسري استقالته وأسس وأدار تلفزيون بغداد الثقافي (1994-1995)، وتعاون مع راديو وتلفزيون العرب، متولياً إدارة إحدى القنوات التابعة للمؤسسة. بعد 2003 أسس وتولى إدارة أول فضائية عراقية تابعة للقطاع الخاص، اسمها "الديار".

واجه مشاكل في التمويل، دفعته لبيع القناة، ثم الرحيل إلى الأردن والاستقرار هناك، متفرغاً للكتابة، دون أن يتخلّى عن شغفه في الإخراج، فكان فيلم "بغداد حلم وردي"، ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013.

توفي في أكتوبر عام 2022 في عمّان، عن عمر 89 عاماً إثر أزمة صحية ألمت به. ونقل جثمانه إلى العاصمة العراقية بغداد ليوارى الثرى بحضور حكومي ومشاركة جماهيرية واسعة.

 

"صرح عراقي وعنوان طفولتنا"

لم يكن الياسري شخصية عادية كما يصفه فيصل النعيمي في حديثه لـ "ارفع صوتك"، "فقد كان جزءا من طفولتنا في ثمانينيات القرن الماضي، وهو من جعل لها معنى كبيراً، وهو عبقرية نادرة في مجال الإعلام الهادف ومفخرة عراقية لا تنسى"، على حد تعبيره.

يتذكر: "في طفولتنا كنا نجتمع معاً وقت عرض البرنامج (افتح يا سمسم)، فكنا نصفق ونغني مع الشارة، ثم نتابع الشخصيات ونتفاعل معها. نردد ما تقوله ونتعلم منها اللغة العربية والرياضيات والآداب العامة  بكل سلاسة دون أن نشعر أنها دروساً تعليمية".

ويصفه عمار الربيعي، بـ"الصرح العراقي الإعلامي الشامل، الذي وضع بصمته ليس في العراق فحسب، بل في جميع الدول والتلفزيونات التي عمل بها، فكان فناناً عراقياً وعربياً قادراً على تحمل جميع المهمات والبرامج بحرفية ومهنية عالية".

ومن بين طلبة الياسري، كان منير المعموري، الذي تلقى علومه في الفنون الإذاعية حين كان طالباً في المرحلة الرابعة بكلية الإعلام، عام 1991.

يقول المعموري لـ"ارفع صوتك": "كان الياسري شخصاً وديعاً ذا وجه باسم، وفي تدريسه كان أقرب للفنان من الأكاديمي، يتعامل معنا بروح الفن التلفازي وليس بالروح الأكاديمية التدريسية".

"عشقنا درسه وكان صديقاً للجميع ملماً ومخلصاً بعمله الفني والأكاديمي. تدربنا على يديه فن المقابلة والإلقاء والاستنباط أثناء المقابلة، وكيفية توجيه الأسئلة الفورية خلال اللقاء، فكان متمكناً بالفنون الإذاعية والتلفازية وصاحب خبرة ميدانية هائلة"، يتابع المعموري.

في الشأن نفسه، يقول الإعلامي علي الخالدي، إن "الياسري يمثل الرقم الأصعب والأول ليس على صعيد الإعلام فقط، إنما على صعيد الثقافة بمعناها الشامل"".

ويضيف: "هو المسرح والتأليف والنقد والشعر والصحافة، هو الكاتب والروائي والمخرج السينمائي والتلفزيوني والدرامي، هو المعد والمقدم والمعلق، هو من قدم أشهر أعمال الشاميين (حمام الهنا)".

"كما تميز أسلوبه بالتكثيف، واستغلال حتى أرباع الفرص على طول مسيرة حياته المهنية، التي وصلت إلى 75 عاماً، جعلته بين الأوائل عربياً إذا ما احتكمنا إلى لغة الأرقام والإحصائيات"، يضيف الخالدي.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- ا ف ب
صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- تعبيرية

عرفت الحضارة العربية الإسلامية تنوعاً فريداً من نوعه، إذ حظي معظم الفنون برعاية السلاطين والأمراء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وأثبتت الموسيقى حضورها كأحد الفنون المهمة في بلاطات الحكام والأوساط الشعبية على السواء.

وتمكن الموسيقيون -رغم النظرة الفقهية السائدة المحرمة للموسيقى- من ممارسة فنهم أغلب الأحيان. فعلى ماذا استند الفقهاء في تحريمهم للموسيقى والغناء؟ وكيف انتشرت الموسيقى رغم ذلك؟ وما أبرز الفتاوى التي أباحت الموسيقى قديماً وحديثاً؟

 

التحريم والمنع

وقف أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً متشدداً من الموسيقى والغناء، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والشواهد، منها "الآية السادسة من سورة لقمان" ونصها "...وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...".

قال بعض الصحابة -منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن العباس- إن "لهو الحديث الوارد في الآية هو الغناء" كما ذكر محمد بن جرير الطبري في تفسيره.

أيضاً، استند الفقهاء لبعض الأحاديث والآثار التي رفضت إجازة الغناء والألحان، من ذلك ما ورد في "صحيح البخاري" منسوباً للرسول محمد "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف"، و"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عن مصيبة". فضلاً عن الأثر المنسوب لعبد الله بن مسعود "الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقل".

اعتماداً على تلك الأدلة، ذهب عدد كبير من الفقهاء إلى تحريم الموسيقى والغناء بشكل قاطع، أمثال شمس الدين القرطبي، وابن الصلاح، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

كما ذكر محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة "اتفقت على تحريم آلات الطرب كلها".

لم يقتصر هذا التحريم على علماء أهل السنة والجماعة وحدهم، بل شاركهم فيه أغلب الفقهاء المنتمين إلى المذهب الشيعي الإمامي. على سبيل المثال، أجاب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق على سؤال حول حكم الغناء بأن "...الغناء حرام كله وهو الكلام اللهوي الذي يؤدي بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، بل يحرم أيضاً علي الأحوط الكلام غير اللهوي الذي يؤدي بتلك الألحان...".

 

أسباب الانتشار

عرفت الموسيقى والأغاني طريقها إلى مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، وتمكنت من الانتشار بين العامة والخاصة على السواء، كما وثق المؤرخون.

بدأ هذا الانتشار في بدايات الحضارة الإسلامية. يذكر الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "الفتح الرباني" أن المؤرخين نقلوا العديد من الروايات التي تثبت أن بعض الصحابة سمعوا الغناء والموسيقى ولم يجدوا فيهما بأساً على الإطلاق. من هؤلاء  عبد الله بن الزبير الذي "كان له جوار عوادات".

وأورد الشوكاني أن "عبد الله بن عمر بن الخطاب دخل على ابن الزبير وكان بجواره عود، فقال له (ما هذا يا صاحب رسول الله؟) فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، وقال (هذا ميزان شامي)، فرد ابن الزبير (توزن به العقول)".

وأضاف أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كان من المشهورين بسماع الموسيقى، وأن عبد الله بن عمر لما وجد رجلاً يريد أن يبيع جارية تضرب على العود، نصح الرجل بعرضها على ابن جعفر، فنفذ الرجل مشورته، وباع الجارية.

في السياق نفسه، أكد الشوكاني أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص سمعا الغناء، وأن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان معتاداً على سماع الموسيقى قبل أن يصل لكرسي الخلافة.

بشكل عام، تتعدد الأمثلة على انتشار الموسيقى والغناء في الدولة الإسلامية، وكثيراً ما عُرف الموسيقيون بممارسة العلوم الشرعية. في أواخر القرن الثاني الهجري اشتهر آمر مفتي المدينة، يوسف بن الماجشون، ويذكر المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أنه "كان مولعاً بسماع الغناء ارتجالاً وغير ارتجال..."، كما يُنقل عن المحدث المشهور يحي بن معين أنه كان يذهب ليوسف ليسمع منه الحديث "وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة، يقصد آلة العزف...".

في القرن الثالث الهجري، وبالتزامن مع حالة الترف التي عرفها المسلمون تحت لواء الدولة العباسية، ظهر الموسيقي الشهير أبو إسحاق الموصلي الذي كان مقرباً بشكل كبير من الخليفة هارون الرشيد. وقد وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر اعلام النبلاء" بأنه "ذو الفنون... صاحب الموسيقى، والشعر الرائق...".

كما ظهر تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المعروف باسم زرياب. بذل زرياب جهوداً كبيرة لنقل الموسيقى المشرقية للغرب بعدما غادر بغداد وسافر إلى الأندلس، لينضوي تحت لواء الدولة الأموية في قرطبة.

من جهة أخرى، لعب زرياب دوراً مؤثراً في تطوير التقنيات الموسيقية عندما أضاف وتراً خامساً للعود، وأدخل على الموسيقى مقامات لم تكن معروفة قبله، أما أعظم أعماله فكان إشرافه على "دار المدنيات" التي اُفتتحت زمن الخليفة عبد الرحمن الأوسط وضمت العشرات من المغنيات البارعات في فنون الغناء والعزف.

في القرن الرابع الهجري، ازداد انتشار فن الموسيقى في جنبات العالم الإسلامي حتى قام أبو الفرج الأصفهاني بتأليف كتابه الشهير "الأغاني"، وهو موسوعة أدبية، جمع فيها الاصفهاني الأغاني والألحان المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكر الطرق المختلفة للغناء.

 

إباحة الموسيقى

بدأ الاتجاه الفقهي المُجيز للموسيقى يزداد قوة في الأندلس في القرن الخامس الهجري على يد الفقيه الظاهري الشهير أبو محمد علي بن حزم القرطبي.

في كتابه "المُحلى"، شكك ابن حزم في جميع الأحاديث التي ذكرت تحريم الغناء والموسيقى، وقال "لا يصح في هذا الباب -يقصد باب تحريم الموسيقى والغناء- شيء أبداً، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددنا في الأخذ به...".

في الوقت نفسه تقريباً، كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقود حملة روحانية صوفية لتذكية النفس في المشرق الإسلامي، فأباح الغناء والسماع باعتباره وسيلة لخلاص الروح وتحريرها.

مما قاله الغزالي في ذلك "مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج".

في العصر الحديث، تزايدت الفتاوى المُجيزة للغناء والموسيقى بشكل ملحوظ، ففي كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" تعرض الشيخ المصري محمد الغزالي لتلك المسألة الجدلية، قائلاً "النبي مدح صوت الصحابي أبي موسى الأشعري عندما سمعه يتغنى بالقرآن. وقال له (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)". يعلق الغزالي على تلك القصة "لو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى ونفر في سماعها؟".

ذهب رجل العالم السنّي يوسف القرضاوي إلى المعنى نفسه، عندما ناقش حكم الغناء في بحث منشور على موقعه الإلكتروني، قال في خاتمته "...والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح...".

هذا التوجه المُجيز للغناء، سيزداد قوة عندما يرتبط ببعض المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، فضلاً عن بعض المرجعيات الشيعية القوية في العالم الإسلامي. على سبيل المثال، قال مفتي مصر الأسبق علي جمعة في فتوى رسمية "الأغاني والموسيقى منها ما هو مُبَاحٌ سماعه ومنها ما هو مُحَرَّمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح... فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينياً أو وطنياً أو كان إظهاراً للسرور والفرح في الأعياد والمناسبات...".

المعنى نفسه، ذهب إليه شيخ الازهر السابق محمد سيد طنطاوي، عندما أجاب على سؤال حول حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورد رزق، حيث قال "سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أياً كانت آلاتها من المباحات، ما لم تكن محركةً للغرائز باعثةً على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنةً بالخمر والرقص والفسق والفجور واتُّخِذَت وسيلةً للمحرمات...".

الأمر ذاته، قال به المرجع الشيعي اللبناني السابق محمد حسين فضل الله، عندما اعتبر أنّ الأغاني "لا تدخل في باب المحرّمات، إذا ما لامست القيم الإنسانيّة والفكرية العميقة في مضمونها، وترافقت مع موسيقى راقية".

في السنوات الأخيرة، بدأ الموقف الفقهي المتسامح مع الموسيقى والغناء يكسب أرضاً جديدة في السعودية وباقي دول الخليج العربي، تزامن ذلك التغيير الفقهي مع تغير سياسة النظام الحاكم في السعودية عقب وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في سنة 2017.

وتُعدّ فتوى الشيخ السعودي عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، التي أباح فيها الغناء، من أشهر الحالات المبينة لتغير وجهة نظر بعض الفقهاء بخصوص الحكم في تلك المسألة.

أكد الكلباني في فتواه أن الغناء مباح "شريطة ألا يصحبه مجون أو سكر أو تلفظٌ بكلامٍ ماجن"، وأنه "لا يوجد نص صريح في الكتاب أو السنة ينص على تحريم الغناء"، كما ذكر أنه "يمكن تعليم الموسيقى في مدارس السعودية".

أثارت الفتوى الكثير من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها، خصوصاً بعدما تبعتها فتوى مشابهة من الداعية الإماراتي وسيم يوسف، إذ تراجع في فتواه عن رأيه السابق في تحريم الموسيقى، وقال في برنامجه "من رحيق الإيمان"، الذي تبثه قناة "أبو ظبي" إن أدلة تحريم الموسيقى "ضعيفة. ولا يمكن التعويل عليها".

اُنتقدت  تلك الفتاوى من قِبل العديد من علماء السعودية المحافظين على النهج الوهابي السلفي. في هذا السياق، قال مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، إن "الدعاة الذين غيروا مواقفهم تجاه الغناء وسماع الموسيقى منتكسون عن الحق"، واستبعد أن تكون خطوة تغيير آرائهم نابعة من مراجعات فكرية حقيقية.