لقطة من فيلم "الموصل" الذي أنتجته "نيتفليكس"
لقطة من فيلم "الموصل" الذي أنتجته "نيتفليكس"

عُرف العراق عالمياً باعتباره موطناً لواحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، كما ارتبطت بلاد الرافدين ببعض القصص المقدسة في السرديات الدينية الإبراهيمية، لكن القضايا السياسية هي أكثر ما خرج للعالم عن بلد خاض حروباً عديدة، تحت حكم ديكتاتوري، أدت في المحصلة إلى سقوطه عام ٢٠٠٣.

كيف انعكست هذه الأحداث وغيرها في الشاشات العالمية، عبر السينما والتلفزيون؟ وأيضاً ما الصورة التي بدا عليها العراق؟.

إليكم ستة أعمال دولية حازت الكثير من الشهرة وعدداً من الجوائز، تناولت العراق وأحداثه.

 

"وادي الذئاب العراق"

في عام 2006، قررت شركة "بانا فيلم" التركية استثمار النجاح الكبير الذي حققه مسلسل "وادي الذئاب"، لتنتج فيلم "Kurtlar Vadisi Irak" (وداي الذئاب- العراق)، إخراج سيردار أكار، وتأليف راجي شاشماز، أما البطولة فكانت لنجاتي شاشماظ، وغوركان أويغون، وكنعان جوبان، كما شارك فيه الفنانان السوريان غسان مسعود وجهاد عبدو.

دارت أحداث الفيلم شمالي العراق خلال فترة دخول القوات الأميركية عام 2003، لتروي قصة حول أسر القوات الأميركية مجموعة من أفراد القوات الخاصة التركية، وعمليات الأتراك في سبيل تحرير جنودهم، محققين النصر في النهاية.

حظي الفيلم بشعبية هائلة وإقبال واسع في تركيا والعراق وبعض الدول العربية، بينما اتُهم بتعزيز نبرة العداء العربي الإسلامي ضد الولايات المتحدة.

على سبيل المثال جاء في تقرير خاص لصحيفة "واشنطن تايمز"، أن المسلسل يركب موجة من العداء لأميركا، ويجتذب أعداداً قياسية من الجماهير في تركيا، وأثار تعليقات مستحسنة من زوجة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

 

"بيت صدّام"

عُرض مسلسل "House of Saddam" (بيت صدام)، للمرة الأولى عام 2008، وهو عمل درامي تلفزيوني قصير تألف من أربعة أجزاء، أنتج بشكل مشترك بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وشبكة "HBO" الأميركية. أخرجه جيم أوهانلون، وتأليف أليكس هولمز وستيفن بوتشارد، فيما لعب بطولته كل من ييغال ناعور، وعمرو واكد، ورياض حمدي، وإبراهيم زروق، ومحمد علي النهدي.

تناول الفيلم قصة وصول صدام حسين إلى السلطة، بدءاً من لحظة توليه رئاسة العراق بشكل رسمي عام 1979 عقب تنحية الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر، وانتهاء بالقبض عليه عقب دخول القوات الأميركية إلى بغداد عام 2003.

ألقى المسلسل الضوء على العديد من اللحظات المهمة في تاريخ العراق الحديث، مثل الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وحرب الكويت مطلع التسعينيات، والمجازر التي ارتكبها النظام البعثي بحق الأكراد والشيعة.

كما بيّن الصراعات العنيفة التي خاضها صدام حسين للحفاظ على نفوذه وسلطته، حتى لو تطلب الأمر قتل بعض أفراد أسرته.

 

"خزانة الألم"

في عام نفسه، عُرض الفيلم الأميركي "The Hurt Locker" (خزانة الألم). من إخراج كاثرين بيجلو، ومن بطولة مجموعة كبيرة من الممثلين، منهم كل من جيريمي رينر، وأنتوني ماكي، وبريان جيراتي، وجاي بيرس، ورالف فاينس.

تدور أحداث الفيلم في عام 2003، واقتبست عن وقائع حقيقية مأخوذة من وثائق لوزارة الدفاع الأميركية، وكتب السيناريو مارك بول، الصحافي الذي رافق الجنود الأميركيين في العراق خلال تلك الفترة.

هاجم الفيلم الحرب وانتقد الولايات المتحدة الأميركية، كما رسم صورة إيجابية للشعب العراقي، وصور حالة الجنود والمواجهات التي خاضوها بشكل مستمر مع المقاومة العراقية.

بلغت ميزانية الفيلم 11 مليون دولار وصور في الأردن، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي في إيطاليا خلال سبتمبر 2008.

صنف النقاد الفيلم واحد من أهم الأفلام السينمائية التي صوّرت الحرب في العراق، وفاز بالكثير من الجوائز المهمة، مثل جائزة أفضل فيلم، وأفضل سيناريو، وأفضل مخرج، وأفضل تصوير، وأفضل صوت في جوائز "البافاتا" البريطانية عام 2010.

رُشِح الفيلم أيضاً لتسع جوائز "أوسكار"، ليفوز بست منها.

 

"الرجال الذين يحدّقون في الماعز"

في عام 2009، عُرض فيلم "The Men Who Stare at Goats" (الرجال الذين يحدقون في الماعز)، إخراج جرانت هيسلوف، وتأليف جون رونسون، وبطولة مجموعة كبيرة من نجوم هوليود، منهم جورج كلوني، وإيوان ماكجريجور، وجيف بريدجز، وكيفين سبيسي.

تدور أحداث الفيلم في إطار كوميدي حول صحافي أميركي يسافر إلى الكويت لتغطية الحرب، لكنه يتعرف على جندي أميركي سابق ينوي الذهاب إلى العراق، ويحكي له عن برنامج عسكري أنشأ في ثمانينيات القرن الماضي لعمل جنود استثنائيين ذوي قدرات خارقة ومهارات باراسيكولوجية، فيرافق الصحافي الجندي للعراق، بغية اكتشاف الأمر.

 

"المنطقة الخضراء"

عُرض فيلم "GREEN ZONE" (المنطقة الخضراء) عام 2010، إنتاج شركة "يونيفرسال" وتأليف براين هليجليند وإخراج بول غرينغراس، وبطولة كل من مات ديمون، وأيمي رايان.

على العكس من الأفلام السابقة، يميل الفيلم للطابع التجاري القائم على الإثارة والحركة، وتدور أحداثه في العراق حول ضابط في الجيش الأميركي يبحث عن أسلحة الدمار الشامل، ويكتشف أن المعلومات الاستخباراتية التي رُوج لوجودها مجرد شائعات خاطئة، ثم يدخل في العديد من المغامرات لإثبات الحقيقة.

أظهر الفيلم بعض الشخصيات العراقية التي يقابلها الضابط خلال رحلة بحثه عن الحقيقة، كما عرض الفيلم وجهة النظر المعارضة لدخول القوات الأميركية إلى العراق، التي تذهب إلى أن النفط كان الهدف الأساسي من الحرب، وأن الترويج لوجود أسلحة نووية لم يكن إلا كذبة استخدمت لتمرير قرار الحرب في الأوساط الدولية.

رغم ارتفاع التكلفة الإنتاجية للفيلم وقاربت الـ100 مليون دولار، إلا أنه لم يحظ بالنجاح المأمول في السينمات العالمية.

 

"فجر العالم"

شهد عام 2009 عرض الفيلم الروائي الطويل "Dawn of the World" (فجر العالم)، إنتاج فرنسي-ألماني مشترك. صور في مصر لصعوبة التصوير في العراق.

ألفه وأخرجه العراقي عباس فاضل، فيما لعب بطولته كل من كريم صلاح، وحفصية حرزي، وهيام عباس.

تجري أحداثه في منطقة الأهوار جنوب العراق، حيث يعيش سكانها في بيوت متواضعة من القصب. في تلك البيئة الفقيرة تنشأ قصة حب قوية بين قريبين، هما "مستور" و"زهرة"، ويُعقد قرانهما، إلا أن الفرحة لم تكتمل.

تندلع الحرب الإيرانية العراقية، ويُستدعى مستور للتجنيد. في أثناء الحرب يُصاب بجرح نافذ، وقبل أن يموت يضع في عهدة صديقه رياض أن يبحث عن زهرة ويعتني بها. يفي الأخير بالوعد، إلا أنه يقع في حب زهرة.

في هذا السياق الدرامي، نتعرف على المشكلات الصعبة التي يعاني منها سكان الأهوار.

حصد الفيلم العديد من الجوائز المهمة، مثل جائزة لجنه التحكيم الكبرى في مهرجان الرباط الدولي، والجائزة الأولى لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان الخليج السيمائي، وجائزة الجمهور وجائزة النقاد في مهرجان "فيزول" الدولي للسينما الآسيوية.

 

"الشيطان المزدوج"

في عام 2011، عُرض فيلم "The Devil’s Double" (الشيطان المزدوج). وهو من إنتاج بلجيكي هولندي مشترك، وإخراج لي تاماهوري، ومن تأليف مايكل توماس. أما البطولة، فهي لدومينيك كوبر، وفيليب كويست، ولوديفين ساجنر، ورعد راوي.

ينتمي الفيلم لفئة السيرة الذاتية، وتدور أحداثه حول جندي عراقي يقاتل في الحرب الإيرانية العراقية، وبعد أن تنتهي الحرب يُجبر على العمل كدوبلير (بديل/ شبيه) لعديّ صدام حسين.

يخضع الجندي لعملية جراحية لتتشابه ملامحه بشكل كامل مع ملامح عديّ، ومن خلال تلك العلاقة بين عدي وشبيهه، يرصد الفيلم العديد من الأفعال الإجرامية التي مارسها نجل صدام حسين أثناء سنوات حكم والده العراق.

تلقى الفيلم العديد من التعليقات الإيجابية بعد عرضه. على سبيل المثال، كُتب عنه: "قد لا يكون الفيلم الأكثر جدية الذي ستشاهده عن الجحيم الذي أغرق فيه صدام حسين بلاده، إلا أنه بالتأكيد منظور جديد لواحد من أكثر الطغاة وحشية في الشرق الأوسط وعهد الإرهاب الذي جلبه ابنه".

"أخطاء ومبالغات".. صحفي عراقي يكشف الفروق بين فيلم الموصل والقصة الحقيقية
أكد الإعلامي العراقي، سنجار خليل، أن فيلم "معركة الموصل" الذي بدأت بثه مؤخرا شبكة "نتفلكيس " العالمية لم يخل من بعض الأخطاء والمبالغات، مشيرا إلى أن أبطال قوات "سوات" أو قوات الرد السريع في محافظة نينوى قد سطروا بطولات رائعة خلال معارك تحرير الموصل من تنظيم داعش الإرهابي.

وكان فيلم معركة الموصل قد أثار جدلا كبيرا بين فريق معجب به وآخر معارض، خاصة وأن هذا العمل الدرامي مبني على أحداث واقعية

 

"الموصل"

في عام 2020، عُرض فيلم "Mosul" على منصة "نيتفليكس"، وهو فيلم حركة ومغامرات، إخراج ماتيو مايكل كارنهان، وتأليف دانيال غابرييل، ومن بطولة سهيل دباش وآدم بيسا وإسحق إلياس وأحمد الغانم.

تناول الفيلم وقائع اجتياح عناصر تنظيم "داعش" الموصل شمالي العراق سنة 2014، ليلقي الضوء على الجهود المبذولة في سبيل تحرير الموصل من الإرهابيين.

اقتبست قصة الفيلم من تحقيق صحافي نشرته صحيفة أميركية، عن عناصر من قوات الشرطة العراقية قررت الانشقاق عن مهماتها ومقاتلة تنظيم "داعش".

حظي الفيلم بإشادة نقاد سينمائيين، وعُرض في مهرجان البندقية السينمائي عام 2020، ولاقى استحسان قطاع واسع من الجماهير العربية، لا سيما أن صانعيه استخدموا اللغة العربية، واللهجة العراقية على وجه التحديد.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- ا ف ب
صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- تعبيرية

عرفت الحضارة العربية الإسلامية تنوعاً فريداً من نوعه، إذ حظي معظم الفنون برعاية السلاطين والأمراء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وأثبتت الموسيقى حضورها كأحد الفنون المهمة في بلاطات الحكام والأوساط الشعبية على السواء.

وتمكن الموسيقيون -رغم النظرة الفقهية السائدة المحرمة للموسيقى- من ممارسة فنهم أغلب الأحيان. فعلى ماذا استند الفقهاء في تحريمهم للموسيقى والغناء؟ وكيف انتشرت الموسيقى رغم ذلك؟ وما أبرز الفتاوى التي أباحت الموسيقى قديماً وحديثاً؟

 

التحريم والمنع

وقف أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً متشدداً من الموسيقى والغناء، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والشواهد، منها "الآية السادسة من سورة لقمان" ونصها "...وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...".

قال بعض الصحابة -منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن العباس- إن "لهو الحديث الوارد في الآية هو الغناء" كما ذكر محمد بن جرير الطبري في تفسيره.

أيضاً، استند الفقهاء لبعض الأحاديث والآثار التي رفضت إجازة الغناء والألحان، من ذلك ما ورد في "صحيح البخاري" منسوباً للرسول محمد "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف"، و"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عن مصيبة". فضلاً عن الأثر المنسوب لعبد الله بن مسعود "الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقل".

اعتماداً على تلك الأدلة، ذهب عدد كبير من الفقهاء إلى تحريم الموسيقى والغناء بشكل قاطع، أمثال شمس الدين القرطبي، وابن الصلاح، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

كما ذكر محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة "اتفقت على تحريم آلات الطرب كلها".

لم يقتصر هذا التحريم على علماء أهل السنة والجماعة وحدهم، بل شاركهم فيه أغلب الفقهاء المنتمين إلى المذهب الشيعي الإمامي. على سبيل المثال، أجاب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق على سؤال حول حكم الغناء بأن "...الغناء حرام كله وهو الكلام اللهوي الذي يؤدي بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، بل يحرم أيضاً علي الأحوط الكلام غير اللهوي الذي يؤدي بتلك الألحان...".

 

أسباب الانتشار

عرفت الموسيقى والأغاني طريقها إلى مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، وتمكنت من الانتشار بين العامة والخاصة على السواء، كما وثق المؤرخون.

بدأ هذا الانتشار في بدايات الحضارة الإسلامية. يذكر الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "الفتح الرباني" أن المؤرخين نقلوا العديد من الروايات التي تثبت أن بعض الصحابة سمعوا الغناء والموسيقى ولم يجدوا فيهما بأساً على الإطلاق. من هؤلاء  عبد الله بن الزبير الذي "كان له جوار عوادات".

وأورد الشوكاني أن "عبد الله بن عمر بن الخطاب دخل على ابن الزبير وكان بجواره عود، فقال له (ما هذا يا صاحب رسول الله؟) فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، وقال (هذا ميزان شامي)، فرد ابن الزبير (توزن به العقول)".

وأضاف أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كان من المشهورين بسماع الموسيقى، وأن عبد الله بن عمر لما وجد رجلاً يريد أن يبيع جارية تضرب على العود، نصح الرجل بعرضها على ابن جعفر، فنفذ الرجل مشورته، وباع الجارية.

في السياق نفسه، أكد الشوكاني أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص سمعا الغناء، وأن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان معتاداً على سماع الموسيقى قبل أن يصل لكرسي الخلافة.

بشكل عام، تتعدد الأمثلة على انتشار الموسيقى والغناء في الدولة الإسلامية، وكثيراً ما عُرف الموسيقيون بممارسة العلوم الشرعية. في أواخر القرن الثاني الهجري اشتهر آمر مفتي المدينة، يوسف بن الماجشون، ويذكر المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أنه "كان مولعاً بسماع الغناء ارتجالاً وغير ارتجال..."، كما يُنقل عن المحدث المشهور يحي بن معين أنه كان يذهب ليوسف ليسمع منه الحديث "وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة، يقصد آلة العزف...".

في القرن الثالث الهجري، وبالتزامن مع حالة الترف التي عرفها المسلمون تحت لواء الدولة العباسية، ظهر الموسيقي الشهير أبو إسحاق الموصلي الذي كان مقرباً بشكل كبير من الخليفة هارون الرشيد. وقد وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر اعلام النبلاء" بأنه "ذو الفنون... صاحب الموسيقى، والشعر الرائق...".

كما ظهر تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المعروف باسم زرياب. بذل زرياب جهوداً كبيرة لنقل الموسيقى المشرقية للغرب بعدما غادر بغداد وسافر إلى الأندلس، لينضوي تحت لواء الدولة الأموية في قرطبة.

من جهة أخرى، لعب زرياب دوراً مؤثراً في تطوير التقنيات الموسيقية عندما أضاف وتراً خامساً للعود، وأدخل على الموسيقى مقامات لم تكن معروفة قبله، أما أعظم أعماله فكان إشرافه على "دار المدنيات" التي اُفتتحت زمن الخليفة عبد الرحمن الأوسط وضمت العشرات من المغنيات البارعات في فنون الغناء والعزف.

في القرن الرابع الهجري، ازداد انتشار فن الموسيقى في جنبات العالم الإسلامي حتى قام أبو الفرج الأصفهاني بتأليف كتابه الشهير "الأغاني"، وهو موسوعة أدبية، جمع فيها الاصفهاني الأغاني والألحان المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكر الطرق المختلفة للغناء.

 

إباحة الموسيقى

بدأ الاتجاه الفقهي المُجيز للموسيقى يزداد قوة في الأندلس في القرن الخامس الهجري على يد الفقيه الظاهري الشهير أبو محمد علي بن حزم القرطبي.

في كتابه "المُحلى"، شكك ابن حزم في جميع الأحاديث التي ذكرت تحريم الغناء والموسيقى، وقال "لا يصح في هذا الباب -يقصد باب تحريم الموسيقى والغناء- شيء أبداً، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددنا في الأخذ به...".

في الوقت نفسه تقريباً، كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقود حملة روحانية صوفية لتذكية النفس في المشرق الإسلامي، فأباح الغناء والسماع باعتباره وسيلة لخلاص الروح وتحريرها.

مما قاله الغزالي في ذلك "مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج".

في العصر الحديث، تزايدت الفتاوى المُجيزة للغناء والموسيقى بشكل ملحوظ، ففي كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" تعرض الشيخ المصري محمد الغزالي لتلك المسألة الجدلية، قائلاً "النبي مدح صوت الصحابي أبي موسى الأشعري عندما سمعه يتغنى بالقرآن. وقال له (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)". يعلق الغزالي على تلك القصة "لو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى ونفر في سماعها؟".

ذهب رجل العالم السنّي يوسف القرضاوي إلى المعنى نفسه، عندما ناقش حكم الغناء في بحث منشور على موقعه الإلكتروني، قال في خاتمته "...والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح...".

هذا التوجه المُجيز للغناء، سيزداد قوة عندما يرتبط ببعض المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، فضلاً عن بعض المرجعيات الشيعية القوية في العالم الإسلامي. على سبيل المثال، قال مفتي مصر الأسبق علي جمعة في فتوى رسمية "الأغاني والموسيقى منها ما هو مُبَاحٌ سماعه ومنها ما هو مُحَرَّمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح... فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينياً أو وطنياً أو كان إظهاراً للسرور والفرح في الأعياد والمناسبات...".

المعنى نفسه، ذهب إليه شيخ الازهر السابق محمد سيد طنطاوي، عندما أجاب على سؤال حول حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورد رزق، حيث قال "سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أياً كانت آلاتها من المباحات، ما لم تكن محركةً للغرائز باعثةً على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنةً بالخمر والرقص والفسق والفجور واتُّخِذَت وسيلةً للمحرمات...".

الأمر ذاته، قال به المرجع الشيعي اللبناني السابق محمد حسين فضل الله، عندما اعتبر أنّ الأغاني "لا تدخل في باب المحرّمات، إذا ما لامست القيم الإنسانيّة والفكرية العميقة في مضمونها، وترافقت مع موسيقى راقية".

في السنوات الأخيرة، بدأ الموقف الفقهي المتسامح مع الموسيقى والغناء يكسب أرضاً جديدة في السعودية وباقي دول الخليج العربي، تزامن ذلك التغيير الفقهي مع تغير سياسة النظام الحاكم في السعودية عقب وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في سنة 2017.

وتُعدّ فتوى الشيخ السعودي عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، التي أباح فيها الغناء، من أشهر الحالات المبينة لتغير وجهة نظر بعض الفقهاء بخصوص الحكم في تلك المسألة.

أكد الكلباني في فتواه أن الغناء مباح "شريطة ألا يصحبه مجون أو سكر أو تلفظٌ بكلامٍ ماجن"، وأنه "لا يوجد نص صريح في الكتاب أو السنة ينص على تحريم الغناء"، كما ذكر أنه "يمكن تعليم الموسيقى في مدارس السعودية".

أثارت الفتوى الكثير من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها، خصوصاً بعدما تبعتها فتوى مشابهة من الداعية الإماراتي وسيم يوسف، إذ تراجع في فتواه عن رأيه السابق في تحريم الموسيقى، وقال في برنامجه "من رحيق الإيمان"، الذي تبثه قناة "أبو ظبي" إن أدلة تحريم الموسيقى "ضعيفة. ولا يمكن التعويل عليها".

اُنتقدت  تلك الفتاوى من قِبل العديد من علماء السعودية المحافظين على النهج الوهابي السلفي. في هذا السياق، قال مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، إن "الدعاة الذين غيروا مواقفهم تجاه الغناء وسماع الموسيقى منتكسون عن الحق"، واستبعد أن تكون خطوة تغيير آرائهم نابعة من مراجعات فكرية حقيقية.