لقطة من فيلم "الموصل" الذي أنتجته "نيتفليكس"
لقطة من فيلم "الموصل" الذي أنتجته "نيتفليكس"

عُرف العراق عالمياً باعتباره موطناً لواحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، كما ارتبطت بلاد الرافدين ببعض القصص المقدسة في السرديات الدينية الإبراهيمية، لكن القضايا السياسية هي أكثر ما خرج للعالم عن بلد خاض حروباً عديدة، تحت حكم ديكتاتوري، أدت في المحصلة إلى سقوطه عام ٢٠٠٣.

كيف انعكست هذه الأحداث وغيرها في الشاشات العالمية، عبر السينما والتلفزيون؟ وأيضاً ما الصورة التي بدا عليها العراق؟.

إليكم ستة أعمال دولية حازت الكثير من الشهرة وعدداً من الجوائز، تناولت العراق وأحداثه.

 

"وادي الذئاب العراق"

في عام 2006، قررت شركة "بانا فيلم" التركية استثمار النجاح الكبير الذي حققه مسلسل "وادي الذئاب"، لتنتج فيلم "Kurtlar Vadisi Irak" (وداي الذئاب- العراق)، إخراج سيردار أكار، وتأليف راجي شاشماز، أما البطولة فكانت لنجاتي شاشماظ، وغوركان أويغون، وكنعان جوبان، كما شارك فيه الفنانان السوريان غسان مسعود وجهاد عبدو.

دارت أحداث الفيلم شمالي العراق خلال فترة دخول القوات الأميركية عام 2003، لتروي قصة حول أسر القوات الأميركية مجموعة من أفراد القوات الخاصة التركية، وعمليات الأتراك في سبيل تحرير جنودهم، محققين النصر في النهاية.

حظي الفيلم بشعبية هائلة وإقبال واسع في تركيا والعراق وبعض الدول العربية، بينما اتُهم بتعزيز نبرة العداء العربي الإسلامي ضد الولايات المتحدة.

على سبيل المثال جاء في تقرير خاص لصحيفة "واشنطن تايمز"، أن المسلسل يركب موجة من العداء لأميركا، ويجتذب أعداداً قياسية من الجماهير في تركيا، وأثار تعليقات مستحسنة من زوجة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

 

"بيت صدّام"

عُرض مسلسل "House of Saddam" (بيت صدام)، للمرة الأولى عام 2008، وهو عمل درامي تلفزيوني قصير تألف من أربعة أجزاء، أنتج بشكل مشترك بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وشبكة "HBO" الأميركية. أخرجه جيم أوهانلون، وتأليف أليكس هولمز وستيفن بوتشارد، فيما لعب بطولته كل من ييغال ناعور، وعمرو واكد، ورياض حمدي، وإبراهيم زروق، ومحمد علي النهدي.

تناول الفيلم قصة وصول صدام حسين إلى السلطة، بدءاً من لحظة توليه رئاسة العراق بشكل رسمي عام 1979 عقب تنحية الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر، وانتهاء بالقبض عليه عقب دخول القوات الأميركية إلى بغداد عام 2003.

ألقى المسلسل الضوء على العديد من اللحظات المهمة في تاريخ العراق الحديث، مثل الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وحرب الكويت مطلع التسعينيات، والمجازر التي ارتكبها النظام البعثي بحق الأكراد والشيعة.

كما بيّن الصراعات العنيفة التي خاضها صدام حسين للحفاظ على نفوذه وسلطته، حتى لو تطلب الأمر قتل بعض أفراد أسرته.

 

"خزانة الألم"

في عام نفسه، عُرض الفيلم الأميركي "The Hurt Locker" (خزانة الألم). من إخراج كاثرين بيجلو، ومن بطولة مجموعة كبيرة من الممثلين، منهم كل من جيريمي رينر، وأنتوني ماكي، وبريان جيراتي، وجاي بيرس، ورالف فاينس.

تدور أحداث الفيلم في عام 2003، واقتبست عن وقائع حقيقية مأخوذة من وثائق لوزارة الدفاع الأميركية، وكتب السيناريو مارك بول، الصحافي الذي رافق الجنود الأميركيين في العراق خلال تلك الفترة.

هاجم الفيلم الحرب وانتقد الولايات المتحدة الأميركية، كما رسم صورة إيجابية للشعب العراقي، وصور حالة الجنود والمواجهات التي خاضوها بشكل مستمر مع المقاومة العراقية.

بلغت ميزانية الفيلم 11 مليون دولار وصور في الأردن، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي في إيطاليا خلال سبتمبر 2008.

صنف النقاد الفيلم واحد من أهم الأفلام السينمائية التي صوّرت الحرب في العراق، وفاز بالكثير من الجوائز المهمة، مثل جائزة أفضل فيلم، وأفضل سيناريو، وأفضل مخرج، وأفضل تصوير، وأفضل صوت في جوائز "البافاتا" البريطانية عام 2010.

رُشِح الفيلم أيضاً لتسع جوائز "أوسكار"، ليفوز بست منها.

 

"الرجال الذين يحدّقون في الماعز"

في عام 2009، عُرض فيلم "The Men Who Stare at Goats" (الرجال الذين يحدقون في الماعز)، إخراج جرانت هيسلوف، وتأليف جون رونسون، وبطولة مجموعة كبيرة من نجوم هوليود، منهم جورج كلوني، وإيوان ماكجريجور، وجيف بريدجز، وكيفين سبيسي.

تدور أحداث الفيلم في إطار كوميدي حول صحافي أميركي يسافر إلى الكويت لتغطية الحرب، لكنه يتعرف على جندي أميركي سابق ينوي الذهاب إلى العراق، ويحكي له عن برنامج عسكري أنشأ في ثمانينيات القرن الماضي لعمل جنود استثنائيين ذوي قدرات خارقة ومهارات باراسيكولوجية، فيرافق الصحافي الجندي للعراق، بغية اكتشاف الأمر.

 

"المنطقة الخضراء"

عُرض فيلم "GREEN ZONE" (المنطقة الخضراء) عام 2010، إنتاج شركة "يونيفرسال" وتأليف براين هليجليند وإخراج بول غرينغراس، وبطولة كل من مات ديمون، وأيمي رايان.

على العكس من الأفلام السابقة، يميل الفيلم للطابع التجاري القائم على الإثارة والحركة، وتدور أحداثه في العراق حول ضابط في الجيش الأميركي يبحث عن أسلحة الدمار الشامل، ويكتشف أن المعلومات الاستخباراتية التي رُوج لوجودها مجرد شائعات خاطئة، ثم يدخل في العديد من المغامرات لإثبات الحقيقة.

أظهر الفيلم بعض الشخصيات العراقية التي يقابلها الضابط خلال رحلة بحثه عن الحقيقة، كما عرض الفيلم وجهة النظر المعارضة لدخول القوات الأميركية إلى العراق، التي تذهب إلى أن النفط كان الهدف الأساسي من الحرب، وأن الترويج لوجود أسلحة نووية لم يكن إلا كذبة استخدمت لتمرير قرار الحرب في الأوساط الدولية.

رغم ارتفاع التكلفة الإنتاجية للفيلم وقاربت الـ100 مليون دولار، إلا أنه لم يحظ بالنجاح المأمول في السينمات العالمية.

 

"فجر العالم"

شهد عام 2009 عرض الفيلم الروائي الطويل "Dawn of the World" (فجر العالم)، إنتاج فرنسي-ألماني مشترك. صور في مصر لصعوبة التصوير في العراق.

ألفه وأخرجه العراقي عباس فاضل، فيما لعب بطولته كل من كريم صلاح، وحفصية حرزي، وهيام عباس.

تجري أحداثه في منطقة الأهوار جنوب العراق، حيث يعيش سكانها في بيوت متواضعة من القصب. في تلك البيئة الفقيرة تنشأ قصة حب قوية بين قريبين، هما "مستور" و"زهرة"، ويُعقد قرانهما، إلا أن الفرحة لم تكتمل.

تندلع الحرب الإيرانية العراقية، ويُستدعى مستور للتجنيد. في أثناء الحرب يُصاب بجرح نافذ، وقبل أن يموت يضع في عهدة صديقه رياض أن يبحث عن زهرة ويعتني بها. يفي الأخير بالوعد، إلا أنه يقع في حب زهرة.

في هذا السياق الدرامي، نتعرف على المشكلات الصعبة التي يعاني منها سكان الأهوار.

حصد الفيلم العديد من الجوائز المهمة، مثل جائزة لجنه التحكيم الكبرى في مهرجان الرباط الدولي، والجائزة الأولى لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان الخليج السيمائي، وجائزة الجمهور وجائزة النقاد في مهرجان "فيزول" الدولي للسينما الآسيوية.

 

"الشيطان المزدوج"

في عام 2011، عُرض فيلم "The Devil’s Double" (الشيطان المزدوج). وهو من إنتاج بلجيكي هولندي مشترك، وإخراج لي تاماهوري، ومن تأليف مايكل توماس. أما البطولة، فهي لدومينيك كوبر، وفيليب كويست، ولوديفين ساجنر، ورعد راوي.

ينتمي الفيلم لفئة السيرة الذاتية، وتدور أحداثه حول جندي عراقي يقاتل في الحرب الإيرانية العراقية، وبعد أن تنتهي الحرب يُجبر على العمل كدوبلير (بديل/ شبيه) لعديّ صدام حسين.

يخضع الجندي لعملية جراحية لتتشابه ملامحه بشكل كامل مع ملامح عديّ، ومن خلال تلك العلاقة بين عدي وشبيهه، يرصد الفيلم العديد من الأفعال الإجرامية التي مارسها نجل صدام حسين أثناء سنوات حكم والده العراق.

تلقى الفيلم العديد من التعليقات الإيجابية بعد عرضه. على سبيل المثال، كُتب عنه: "قد لا يكون الفيلم الأكثر جدية الذي ستشاهده عن الجحيم الذي أغرق فيه صدام حسين بلاده، إلا أنه بالتأكيد منظور جديد لواحد من أكثر الطغاة وحشية في الشرق الأوسط وعهد الإرهاب الذي جلبه ابنه".

aqasim
"أخطاء ومبالغات".. صحفي عراقي يكشف الفروق بين فيلم الموصل والقصة الحقيقية
أكد الإعلامي العراقي، سنجار خليل، أن فيلم "معركة الموصل" الذي بدأت بثه مؤخرا شبكة "نتفلكيس " العالمية لم يخل من بعض الأخطاء والمبالغات، مشيرا إلى أن أبطال قوات "سوات" أو قوات الرد السريع في محافظة نينوى قد سطروا بطولات رائعة خلال معارك تحرير الموصل من تنظيم داعش الإرهابي.

وكان فيلم معركة الموصل قد أثار جدلا كبيرا بين فريق معجب به وآخر معارض، خاصة وأن هذا العمل الدرامي مبني على أحداث واقعية

 

"الموصل"

في عام 2020، عُرض فيلم "Mosul" على منصة "نيتفليكس"، وهو فيلم حركة ومغامرات، إخراج ماتيو مايكل كارنهان، وتأليف دانيال غابرييل، ومن بطولة سهيل دباش وآدم بيسا وإسحق إلياس وأحمد الغانم.

تناول الفيلم وقائع اجتياح عناصر تنظيم "داعش" الموصل شمالي العراق سنة 2014، ليلقي الضوء على الجهود المبذولة في سبيل تحرير الموصل من الإرهابيين.

اقتبست قصة الفيلم من تحقيق صحافي نشرته صحيفة أميركية، عن عناصر من قوات الشرطة العراقية قررت الانشقاق عن مهماتها ومقاتلة تنظيم "داعش".

حظي الفيلم بإشادة نقاد سينمائيين، وعُرض في مهرجان البندقية السينمائي عام 2020، ولاقى استحسان قطاع واسع من الجماهير العربية، لا سيما أن صانعيه استخدموا اللغة العربية، واللهجة العراقية على وجه التحديد.

مواضيع ذات صلة:

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.

 عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وقد تواجدت عشرات اللوحات على جدران الكنائس والقصور في شتى أنحاء القارة العجوز.

تماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية. على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية، فأعلنت أغلبية الآراء الفقهية عن معارضتها للتصوير والرسم والنحت.

نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من "الفتاوى المستنيرة" التي خالفت السياق الفقهي العام، لتجيز للمسلمين ممارسة تلك الفنون.

 

الرأي التقليدي

وردت الكثير من الأحاديث النبوية التي تظهر رفض الإسلام للرسم والتصوير. ينقل محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه بعضاً من تلك الأحاديث. منها أن النبي دخل بيت عائشة ذات مرة، فوجد ثوباً عليه صور، فغضب ومزق الثوب وقال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويُقال لهم: "أحيوا ما خلقتم". ويؤكد النبي المعنى نفسه في أحاديث أخرى، منها "إنَّ أشدَّ النَّاسِ عذاباً عندَ اللَّهِ المصَوِّرونَ".

وبناء على تلك الروايات، ذهب جمهور العلماء إلى حرمة رسم وتصوير ذوات الأرواح.

على النحو ذاته، رفض التقليد الفقهي الإسلامي نحت التماثيل. بُني هذا الرأي على ارتباط التماثيل بالأصنام التي كانت تُعبد قبل الإسلام، وعلى ما نُسب إلى النبي في صحيح مسلم:  "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل". ولذلك ذهب جمهور الفقهاء السنة لحرمة صناعة التماثيل أو وضعها في المنازل.

 

وجهة نظر مختلفة

يتعارض التحريم الفقهي القاطع للتصوير والرسم والنحت مع بعض الروايات التاريخية المُختلف على صحتها. من تلك الروايات ما ذكره أبو الوليد الأزرقي في كتابه "أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار"، من أن الكعبة في الجاهلية كانت تحتوي على الكثير من التماثيل والصور، ومنها صورة للنبي إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، وصورة أخرى للمسيح عيسى بن مريم مع أمه.

ويذكر الأزرقي أن الرسول لما فتح مكة في العام الثامن من الهجرة توجه إلى الكعبة "ودخل إلى البيت، فأمر بثوب فبلّ بماء، وأمر بطمس تلك الصور ووضع كفيه على صورة عيسى وأمه وقال: امحوا الجميع إلا ما تحت يدي".

نُقلت هذه الرواية في الكثير من المصادر المعتبرة في القرون التالية، ومنها تاريخ الإسلام لشمس الدين الذهبي، إذ أوردها ثم علق عليها ببعض الشواهد المثبتة لها، ومن ذلك ما ورد عن التابعي عطاء بن أبي رباح، من أنه لما سُئل عن هذه الصورة، قال: "أدركت تمثال مريم مزوقاً في حجرها عيسى قاعد. وكان في البيت -يقصد الكعبة- ستة أعمدة سوارٍ، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب". ولما سُئل عطاء عن توقيت إزالة هذا التمثال من الكعبة أجاب بأن ذلك قد وقع في الحريق الذي نشب بالكعبة في زمن عبد الله بن الزبير سنة 64 للهجرة.

 يشير ذلك إلى ما يبدو وكأنه نوع من أنواع التسامح مع الصور في حقبة الإسلام المبكرة.

ويوضح زكي محمد حسن في كتابه "التصوير وأعلام المصورين في الإسلام" أن المجتمعات الإسلامية قد عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت رغم الرفض الفقهي/ يقول: "لا نستطيع أن ننفي قطعيّاً وجود أي تصوير ديني في الإسلام، فإن بعض المصورين الإيرانيين عمد إلى حياة النبي وإلى بعض الحوادث الجسام في تاريخ الإسلام فاتخذ منها موضوعات لصور كانت تشمل في بعض الأحيان على رسما للنبي".

 

فتاوى معاصرة

ظهرت في العصر الحديث العديد من الفتاوى الدينية التي أجازت ممارسة الرسم والتصوير والنحت وغير ذلك من الفنون التشكيلية.

وقد بدأت تلك الفتاوى بالفتوى الشهيرة التي قال بها رجل الدين المصري محمد عبده في مطلع القرن العشرين. ففي سنة 1904، زار عبده جزيرة صقلية، وأبدى في إحدى مقالاته -التي نشرها في مجلة المنار- إعجابه بحفاظ أهل الجزيرة على ما لديهم من آثار وتماثيل. وفي مقاله تطرق عبده للحكم الفقهي للنحت فقال: "ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية؛ إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية أو أوضاعهم الجثمانية، هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب، أو واجب؟ فأقول لك: إن الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان؛ فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالاً إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة؛ فإذا أوردت عليه حديث: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن الحديث جاء في أيام الوثنية"- بحسب ما ذكر عباس محمود العقاد في كتابه "عبقري الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده".

في سنة 2001، عاد الجدل حول حكم التماثيل في الإسلام إلى الواجهة بعدما قامت حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان بتدمير تمثالي بوذا في منطقة باميان.

أثار الحادث غضب الكثير من رجال الدين المسلمين. فعلى سبيل المثال اعترض عليه مفتي مصر الأسبق، نصر فريد واصل، وقال: "إن الحفاظ على هذه الآثار أمر له تبريره لأن هذه الآثار تجلب منافع اقتصادية للدول الموجودة فيها عن طريق السياحة".

ودعا المفتي المسؤولين في طالبان إلى عرض التماثيل البوذية التي لا تأثير لها في المسلمين.

وفي سنة 2006م، انتقل الجدل حول التماثيل والنحت إلى مصر نفسها، وذلك بعدما أفتى مفتي مصر السابق، علي جمعة بأن تزيين البيوت بالتماثيل حرام ولا يجوز شرعاً، واعتبرها معصية لا يجوز الوقوع فيها.

وقتها، أثارت الفتوى غضب قطاع واسع من الفنانين المصريين، فقد انتقد وزير الثقافة المصري الأسبق، فاروق حسني، فتوى جمعة فقال: "هناك فرق بين العبادة وصناعة الآلهة كاللات والعزي ومناة، وبين الشعور بقيمة جمالية التأمل في الطبيعة والإنسان".

في السياق نفسه، ظهرت بعض الفتاوى التي ردت على فتوى علي جمعة، ومن من ذلك فتوى عبد الصبور شاهين، الأستاذ بكلية دار العلوم، والذي أكد فيها "أنه يجوز شرعاً استخدام التماثيل وغيرها لديكور المنازل، لأن زمن عبادة الأصنام والتماثيل قد انتهى"، وهو الرأي الذي اتفقت معه آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر.

في السنوات الأخيرة، تتابعت الفتاوى التي أجازت الرسم والنحت من جانب العديد من رجال الدين المسلمين، وتباينت الطرق في إثبات تلك الإجازة. وقد ذكر سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الفقهاء اتفقوا على تحريم التصوير الذى يتخذ إلهاً يُعبد من دون الله. أما التصوير لغير العبادة كعمل فني أو تجاري أو ثقافي أو تعليمي فقد اختلفوا في حكمه على ثلاثة مذاهب.

وأكد الهلالي أن من حق كل مسلم أن يختار من المذاهب الثلاثة ما يوافق ضميره ومعتقده.

في سنة 2009، أصدرت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر فتوى رسمية بإباحة ممارسة الرسم والنحت والتصوير. وقد  جاء في تلك الفتوى: "إن الإسلام لا يحارب الفن الهادف، بل يدعو إليه، ويحث عليه؛ لأن الفن في حقيقته إبداع جمالي لا يعاديه الإسلام، والنحت والتصوير من الفنون، فالإسلام لا يحرمه؛ ولكنه في الوقت نفسه لا يبيحه بإطلاق؛ بل يقيد إباحته بقيدين هما: ألا يقصد بالشيء المنحوت أو المصور عبادته من دون الله، والقيد الثاني: أن يخلو النحت والتصوير من المضاهاة لخلق الله التي يُقصد بها أن يتحدى صنعة الخالق ويفترى عليه بأنه يخلق مثل خلقه، فإذا انتفى هذان القيدان فالنحت والتصوير ونحوهما مباح، ولا شيء فيه.". في المعنى ذاته، قدم المفكر الإسلامي، عدنان إبراهيم، محاضرة عن حكم الرسم والنحت في الإسلام.

وذكر إبراهيم أن حرمة صناعة التماثيل كانت مربوطة بعبادتها، وأكد أن تلك الفنون غير محرمة بذاتها.

من جهة أخرى، ظهرت العديد من الفتاوى الشيعية التي أباحت التصوير والرسم والنحت، من ذلك فتوى المرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، بجواز تعليق صور النبي والأئمة في البيوت والمنازل.

وجاء في الموقع الرسمي للمرجع الشيعي العراقي، كمال الحيدري، تعليقا على روايات  كراهية تصوير ذوات الأرواح قوله إن تلك "الروايات لا تبلغ حد الحرمة أولاً ثم إنها محمولة على زمانها، حيث كانت تشيع عبادة التماثيل فورد النهي عن ذلك لئلا يروج لها أو يتأثر بها".

ويضيف الحيدري: "وأما اليوم، فقد أصبحت الصور ورسمها فناً من الفنون وجزء من الاهتمام بالآثار الحضارية، ولها اعتبارات علمية ومالية، فلا إشكال عندنا في وجود الصور أو الألعاب في داخل الغرف والبيوت، وكذا لا إشكال في تصويرها ونحتها ما لم يكن الغرض منها عبادتها".