صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك

"فيها كل المتناقضات المدهشات المكربات. فهي قديمة وجديدة، متراصة ومتبعثرة. مدنية وبدوية"، هذا بعض مما قاله المفكّر والأديب والرحّالة اللبناني أمين الريحاني (1867- 1940) عن بغداد ضمن المشاهدات والانطباعات التي سجلها بعد رحلتين إلى العراق عامي 1922، و1932.

هاتان الزيارتان تكللتا بكتابين دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن بورتريه للملك فيصل الأول، الذي التقاه مراراً وتواجد في مجلسه، وضمّ آراء ومشاهدات وطرائف كثيرة. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ"، كتبه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

في الواقع، زار الريحاني العراق مرة ثالثة في عام 1936، لكنه لم يكتب عنها، ربما اكتفى بما كتبه في رحلتيه السابقتين.

 

بغداد بين ناحيتين

في معرض رسمه بغداد بالكلمات، يستشهد الريحاني ببيت شهير من قصيدة الشاعر علي ابن جهم (توفي في 863 ميلادي) وفيها خُلّد اسم الصوب الشرقي من بغداد، والبيت المقصود هنا: "عيون المها بين الرصافة والجسري، جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري".

يشرح الريحاني التقسيم الذي تقوم عليه بغداد بين الصوبين الشرقي الذي ما يزال يدعى باسمه القديم الرصافة، في ما الغربي بالكرخ، ويشير إلى أن هاتين الناحيتين قديمتان اسماً ورسماً، أما النواحي الأخرى فهي حديثة في هندستها وفي أسمائها.

ويسجّل الريحاني في معرض الحديث عن الجسور ودورها في صناعة روح المدن وربط أطرافها، ملاحظة لافتة، فيقول: "كأن الجسور في كل المدن مغناطيس القلوب، أو كأنها شباك للغرام، وقد يكون فضلها أو إثمها في المياه الجارية تحتها، في رائحة الأنهار القرقفية أو رائحة البحار النزجبيلية، فتبعث في النفس نشوة تعقبها سكرة- سكرات!".

ثم يعرّج على قضية تشهدها بغداد حتى اليوم، وهي انتحار اليائسين من على الجسور، فيتابع الريحاني: "قد يكون فضلها أو إثمها في دنوها من الأجل المحتوم المقدّر، أي من المكان الذي يصلح للانتحار".  

ويبدو لقارئ كتاب الريحاني (قلب العراق) أن الأديب اللبناني أعجب بأمور كثيرة في العراق، إذ يقول مثلاً: "ما رأيتُ في جمال بغداد، وما أقلّه بعد نهر دجلة وضفّتيه، مثل ذاك الجمال الفني في قباب جوامعها، ومثل هذا الجمال الروحي تحت القباب. وليس الذهب في حاجة إلى التذهيب".

لكنه يسجل أيضاً، بلا مواربة وبصراحة لافتة، العديد من الملاحظات النقدية والمشاهدات السلبية التي صادفها في المدن والبلدات العراقية.

يصف الطرقات في العراق بين مدنه وحضور الزفت في أجزاء منها وغيابه عن أجزاء أخرى، حيث تكثر الرمال والغبار، كما يصف خلال رحلته براً، وقوفه عند نقطة الجمارك، وإضطرارهم إلى دفع ضريبة جمركية لحملهم ثلاث زجاجات كحول(عرق لبناني) في السيارة، والقانون ينص على السماح بواحدة فقط. كما يشير إلى أن معظم ضباط الجمارك الذين التقاهم عند نقاط التفتيش كانوا من اليهود.

يتحدث عن شارع الرشيد بعد أن "زال منه الغبار (الذي رآه في زيارته الأولى) ودفن تحت صفحة من الزفت، وهذا من حسناته الحديثة"، فيقول إن العمارة فيه عشوائية في غالبيتها، وأن كثيراً من البنايات الجديدة في الشارع "لا تعرف النظم المدنية، فهي تحترم الرصيف مرّة، وتثلم عرضه مرات". كما يحكي عن ضوضاء الشارع الحديث المكتظ، خصوصاً "بعد ان وصلت السينما الناطقة إلى بغداد، وشرعت الفونوغرافات والمكبّرات ترسل في الشارع ألواناً من مكربات الألحان والصيحات".

ومما لفت الريحاني، التسميات التي تطلقها أمانة العاصمة بغداد على الأسواق والجادات، وهي أسماء عربية توحي به على حدّ تعبيره "الوطنية العراقية العربية"، وهي تستوحي الأسماء من التاريخين العباسي والأموي ومن الثقافتين السنية والشيعية، الأدبية والدينية والسياسية. ويسجل إعجابه باختيار اسم "أبو نواس"  (الشاعر العباسي الشهير بخمرياته) على "الجادة التي نشأت إلى جانب النهر من باب شرقي إلى الكرادة"، ويتنبأ لها بأن تصبح "المتنزه الأول في بغداد".

 

الشرطة والسجون

يسجّل الريحاني، خلال مشاهداته في بغداد، إعجابه بعناصر الشرطة وبالسجون وتنظيمها، وهذه أمور تدلّ إلى قوة مفهوم الدولة والمؤسسات، فضلاً عن قوة النظام العام واحترامه المفروض في الشارع.

عن الشرطة يقول: "إني محبّ لشرطي بغداد، معجب به، لا لأنه صورة مصغرة لشرطي لندن، بل لأنه وإن كان دون الإنجليزي في قامته، فهو صنوّه في التيقظ والنشاط، وفي اللطف والمعروف، كما هو في حركاته ووقفاته وفي ملابسه الأنيقة".

يسترسل في تسجيل ما لاحظه على عناصر الشرطة في العاصمة العراقية، فيضيف: "العجيب الغريب، أني ما سمعته (الشرطي) مرة يرفع صوته مهما كان من المخالفة أو العراك، فأين الصوت البغدادي الجهوري، بل الصوت العربي العريض؟. إن في الشرطة كثيرين من الذين لم يألفوا النظام، أي من الأسر الطيبة ومن العشائر، وهم اليوم من أرباب النظام".

ثم يضيف: "ما رأيتُ شرطياً في ثوب مفتقر إلى التنظيف، أو بوجه يحتاج إلى الموسى، وما سمعت شرطياً يشتم المخالف أو يسبه ويتحكم فيه، وقد قال لي العارفون: إن شرطي بغداد نزيه عفيف، لا تمسّه الرشوة، ولا تثنيه عن واجبه المغريات والتوسطات".

أما عن السجون، فينقل مشاهدات من زيارة إلى سجن بغداد، وقد أصيب بصدمة، و"إعجاب يبطنه الريب"، فيتساءل: "هل من الحكمة أن تحسّن السجون فتغدو كالفنادق، بل أحسن منها في النظافة وفي حظها من النور الهواء؟ وهل تقلّ في مثل هذا التحسين الجرائم؟".

نقل هذا السؤال إلى أحد مديري السجن فجاءه الجواب: "إن التحسين واجب، لأن العقاب المقرون بالمعروف يُصلح قسماً كبيراً من المسجونين، أما الباقي منهم، وهم المدمنون الإجرام أو المطبوعون عليه، يخرجون من السجن اليوم ويعودون غداً، وهؤلاء لا يصلحهم عقاب مهما كان من المعروف أو القسوة في تنفيذه، فالإعدام خير لهم، خير لهم وللأمة".

 

العمارة والآثار 

يخصص الريحاني فصلاً من كتابه للحديث عن شارع المستنصر، الذي يصفه بأنه "مركز أعصاب المدينة" و"روح بغداد الاجتماعية الدينية، وهو "يبدأ بالمقاهي وينتهي بالمساجد، وبين هذه وتلك وحولها طواحين التجارة والدعارة، وفيه محط رحال قافلة الروح البغدادية".

كما خصص فصلاً آخر لـ"لبنة بابل" من زمن نبوخذ نصر، وفصولاً أخرى عن الآثار العباسية والتترية وفصل عن المقامين "الأعظم والأشرف" وآخر عن "كنز عثمان والباز الأشهب" وغيرها من الآثار التي أرفقها بصور التقطها مصوّر عراقي اشتهر في بدايات القرن العشرين يدعى "ألدورادو"، فيبدو كتابه في بعض فصوله أشبه بدليل سياحي.

كما يتطرق الريحاني في كتابه إلى عمليات البناء والمواد المستخدمة من قبل البنّائين، فينسج مقارنة بين أسلوب البناء القديم، والأسلوب المعتمد اليوم (في وقت زيارته)، وقد زار معملاً للآجر في الكاظمية يملكه شيعي، كما يقول، ومعملاً آخر خارج بغداد يملكه يهودي، وسمع منهما عن طريقة سحب الملح من التراب لصناعة لُبن (حجارة) البناء، حتى لا يتلف بفعل الأمطار بعد استخدامه في البناء.

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".