انطلقت تظاهرات "الربيع العربي" من تونس وامتدت إلى باقي دول المنطقة وتسببت في سقوط النظام الحاكم في أكثر من دولة عربية.
انطلقت تظاهرات "الربيع العربي" من تونس وامتدت إلى باقي دول المنطقة وتسببت في سقوط النظام الحاكم في أكثر من دولة عربية.

اندلعت شرارة "الربيع العربي" في يناير عام 2011 من تونس، لتنطلق بعدها إلى مصر ثم سوريا واليمن وليبيا، وحراكات مشابهة لم تستمر كثيراً في دول عربية أخرى.

تمكنت الاحتجاجات العارمة من تغيير معادلات القوى السياسية والاجتماعية التي سادت لعقود في المنطقة العربية، الأمر الذي ألقى بظلاله على الأعمال الإبداعية والفنية.

في هذا المقال، اخترنا لكم خمس روايات عربية بارزة في هذا المضمار، إما بتناولها للأحداث، أو مقاربتها لها من تاريخ بلد المؤلف والمنطقة بشكل عام.

 

"فرسان الأحلام القتيلة"

 

صدرت الرواية عن مجلة "دبي" الثقافية عام 2012، للروائي الليبي إبراهيم الكوني.

تدور أحداثها في أعقاب انتفاضة "17 فبراير" في ليبيا. الشخصية الرئيسية فيها تُدعى "غافر"، وهو مدرس ليبي ثائر، كُلف بهدم جدران البيوت في مدينة مصراته بهدف حفر نفق يوصل الثوار إلى برج عال كان قناصة النظام الليبي يتحصنون به.

وجد "غافر" نفسه محاصراً في الطابق العلوي لإحدى الشقق بعد أن استولى عليها جنود النظام، وليس معه سوى مسدس بطلقة واحدة. ينضم له وقتها المهندس "نفيس" ويساعده لبعض الوقت في الصمود قبل أن يُقتل، لينضم ثوري آخر يُدعى "سالم"، معاوناً "غافر" في عملية هدم البيوت حتى ينجحا في الوصول للبرج، من ثم تتمكن الثورة من تحرير المدينة من قوات النظام.

على لسان أبطال الرواية، عبّر المؤلف عن أفكاره بخصوص الثورة والسلطة في ليبيا. على سبيل المثال، حرص الكوني أن يوثق لحظة اشتعال الثورة بأسلوبه الأدبي، فقال واصفاً حادثة اعتقال أحد المحامين في مدينة بنغازي عقب اعتراضه على النظام الحاكم: "في حاضرة المنافي في الشرق، المغسولة بالدم، المجبولة بالألم، كانت الانطلاقة الأولى أيضاً نحو ميدان المحاكم، نحو مجمع المحاكم، للاحتجاج على اعتقال مريد العدالة محامي أهالي ضحايا المذبحة التاريخية التي تقشعر لها الأبدان".

ولم ينس الكوني أن يوجه أصابع الاتهام لقوات المرتزقة الإفريقية التي استعان بها نظام معمّر القذافي لعقود من أجل إخضاع شعبه، بذكرها في أحد المواضع: "فمن هم هؤلاء الأوباش الذين استجابوا لصنوف التنكيل بأهل المدينة منذ أول يوم دون الأجناس جميعاً؟ من هم هؤلاء الأنجاس الذين هبّوا لتنفيذ الفظائع كما لم ينفذها مخلوق في إخوتهم من أهل الجوار، وفي نساء أهل الجوار الذين أطعموهم يوماً من جوع وآووهم من خوف؟".

من جهة أخرى، اهتمت الرواية بالمزج بين الحقيقي والمُتخيّل، وظهر ذلك في تقديم شخصية "سالم جحا" كأحد الشخصيات الرئيسية في الرواية. كان واحداً من ضباط الجيش الليبي، واختار أن ينضم لمعسكر الثورة، ثم صار قائداً لثوار مصراتة أثناء الفترة الأولى من الثورة.

من خلال "سالم جحا"، نجح المؤلف في التعبير عن مشاعر الثوار وحسهم الوطني، كما تمكن من توثيق العديد من الأحداث المهمة التي ظهرت في الرواية بشكل متسارع.

 

"طبول الحب"

 

صدرت الرواية عام 2013، للكاتبة والروائية السورية الكردية مها حسن. ودارت أحداثها في  الفترة المبكرة من اندلاع الثورة السورية 2011.

اختارت حسن أن تبني حبكتها السردية اعتماداً على رؤية تمزج بين الوثائقي والمُتخيل. بدأت أحداث الرواية بقيام البطلة "ريما خوري"، وهي أستاذة جامعية من أصل سوري تعيش في فرنسا، بفتح حساب على فيسبوك باسم مستعار، تعرفت من خلاله على شاب سوري اسمه "يوسف" يعيش في مدينة كفرنبل التابعة لمنطقة معرة النعمان في محافظة إدلب.

بعد أيام من المحادثة المستمرة بينهما تبدأ قصة حب. في هذا السياق، تحن "ريما" إلى أصولها وإلى وطنها الأم ويتماهى حب الحبيب مع عشق الوطن. "ما عشته مع يوسف، ليس مجرد عاطفة قوية، وإدمان يومي، بل كان استعادة لمفهوم الوطن"، هكذا جاء على لسانها في الرواية.

تندلع الثورة في مارس 2011. وهنا يقوم "يوسف" بإخبار "ريما" أبرز الأحداث في منطقته، كما يصف لها مظاهر العنف والقمع الذي انتهجته الأجهزة الأمنية التابعة للنظام ضد المتظاهرين.

لا يقف الأمر عند ذلك، حيث يقرر "يوسف" الانضمام للثورة وبعدها يلتحق بصفوف "الجيش الحر". عندها تقرر "ريما" السفر إلى سوريا، فتأخذ إجازة طويلة من عملها. وبعد وصولها تقوم بوصف المعاناة التي يتعرض لها السوريون في بلدهم.

تتجول في أزقة وشوارع دمشق وحلب، وتحصل على عشرات الشهادات المختلفة حول الثورة. أتت بعضها متوافقة مع آراء الثوار، والبعض الآخر متماشياً مع وجهة نظر النظام.

عبر هذه السردية التوثيقة، نجحت حسن في تسليط الضوء على التناقضات الكثيرة الموجودة داخل المجتمع السوري، سواء كانت دينية طائفية، أو طبقية، أو حتى سياسية.

 

"الغربان: روائح المدينة"

 

صدرت الرواية عام 2018، وهي الجزء الثالث والمُتمم لثلاثية "روائح المدينة" للروائي التونسي حسين الواد، الذي توفي في نفس العام من صدورها.

تدور أحداثها داخل إحدى البلدات الساحلية التونسية، دون ذكر اسمها بشكل صريح. وتتمحور القصة حول شخصية "سي حميدة"، وهو إنسان بسيط بعيد كل البعد عن شؤون السياسة والحكم.

لا تنسي أنّي من مدينة يفرح أهلها فيسكرون . و يحزنون فيسكرون ... لا يثقل على أهل مدينتنا سوى الصّحو و لا يكدّرهم سوى الوعي . [ حسين الواد ، الغربان ، ط 1 ، دار الحنوب للنشر ، تونس ، 2018 ، ص 16]

Posted by ‎فؤاد زواري‎ on Wednesday, September 6, 2023

كان "سي حميدة" يرى لسنوات طويلة أن الثورة حدث إعجازي خارق لا سبيل لإدراكه، غير أن انتفاضة يناير غيرته بشكل كامل.

يقول الواد، على لسان بطل روايته، معبراً عن التغير الكبير الذي طرأ على المجتمع التونسي إبان الثورة: "أيُعقل على امتداد خمسين عاماً أن أعُدّ الثّورة من المستحيلات السبع في بلد كبلادنا؟ ... ما الذي غيّب عني أن لها كُموناً في الآفاق؟".

فضلاً عن "سي حميدة"، استعرض الروائي نماذج مختلفة من المجتمع التونسي في لحظة الثورة، عبر تقديمه للعديد من الشخصيات الثانوية، مثل الحلاق، وبائع العجلات المطاطية، والجزار، ورواد المقاهي، والنساء الأميّات، سارداً عن طريقهم الفترة الأولى من الثورة التونسية.

كما تناول أزمة الصراع على السلطة بين العلمانيين والإسلاميين، وما زامنها من حراك فكري ديني على الساحة التونسية. لم يُخف الواد انتماءه الأيديولوجي، فعبّر في روايته -بطرق مختلفة- عن رفضه للحكم الديني. ظهر ذلك في أوضح صوره في اختيار اسم "الغربان" عنواناً للرواية، في إشارة تعريضية بالإسلاميين وحركة النهضة التي تولت مقاليد السلطة لفترة عقب خلع نظام زين العابدين بن علي.

 

"جمهورية كأن"

صدرت الرواية عام 2018 عن دار الآداب اللبنانية للروائي المصري علاء الأسواني. تناولت أحداث ثورة "25 يناير" في مصر ونتائجها وانعكاساتها على ميادين العمل السياسي.

عبر صفحات الرواية، استعرض الأسواني العديد من الشخصيات التي شكلت فسيفساء الحدث الثوري في مصر. بعضها جسد قوى النظام الديكتاتوري، بينما ظهرت القوى الشبابية الثورية في شخصيات أخرى.

على سبيل المثال تحدث الأسواني عن شخصية "اللواء علواني" وهو ضابط كبير المقام، رفيع المستوى، كُلف بإدارة بعض الأجهزة الأمنية الخطيرة في الدولة. جمع "علواني" الكثير من التناقضات الصارخة في شخصيته، فهو -رغم تدينه الظاهر- يصدر الأوامر إلى جنوده باغتصاب زوجات المُعتقلين بغية الحصول على المعلومات التي تفيده في عمله.

أيضاً، أظهرت الرواية شخصية "الشيخ شامل"، وهو رجل دين استمد نفوذه من براعته الخطابية من جهة، ومن تحالفه مع رجال السلطة من جهة أخرى. على الجانب المقابل، تظهر شخصية "أشرف"، الثري المسيحي الذي يقع في حب خادمته المسلمة إكرام، مما يتسبب في غضب زوجته وأبنائه.

هناك أيضاً "خالد" الطبيب القادم من الطبقة الفقيرة، الذي يحب "دانية" ابنة "اللواء علواني"، ويشارك في أحداث الثورة ثم يقع كواحد من ضحاياها الكُثر.

وكذلك، ظهرت شخصية المدرسة "أسماء" التي ترفض إملاءات المجتمع وتتحدى النظام الذكوري التقليدي وتدخل في مواجهات متعددة ضد زملائها.

وسط تلك الشخصيات المتباينة، رسم الأسواني ملامح الثورة كما رآها. ثورة فتية ضد الاستبداد والديكتاتورية، غير أنها سُرعان ما تضعف أمام "القوى الرجعية" المتربصة حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة.

عبّر الروائي عن ذلك المعنى بشكل واضح عندما قال على لسان أسماء: "كانت ثورتنا العظيمة طفرة، وردة جميلة وحيدة وغريبة ظهرت في مستنقع. كانت ثورتنا تَغَيراً مفاجئاً في مسار الجينات المصرية، ثم سرعان ما عاد كل شيء إلى طبيعته، وصرنا نحن خارجين عن السياق، منبوذين لا يريدنا أحد، ولا يتعاطف معنا أحد، ويعتبرنا الجميع سبب كل المصائب".

مكتبة جنان في ناحية القوش شمالي العراق- ارفع صوتك. (صورة تعبيرية)
6 روايات معاصرة عن واقع الأقليات وتاريخها في الدول العربية
هل قرأت سابقاً رواية تصنّف ضمن "أدب الأقليات"؟ إنه نوع مميز من الأدب الروائي، يسلط الضوء على الحياة الاجتماعية والثقافية، إلى جانب التحديات اليومية التي تعانيها الأقليات في أماكن إقامتها، سواء كانت ناتجة عن التهميش أو الصراعات أو القوانين، وغيرها من أمور.

 

"الخيمة"

صدرت الرواية عام 2022 عن دار "عناوين بوكس" للنشر في القاهرة للكاتبة والصحافية اليمنية رغدة جمال. حكت فيها قصة الثورة اليمنية التي اندلعت شرارتها الأولى في 11 فبراير 2011.

اعتمدت الحبكة الرئيسة للرواية على التسجيل الذاتي للأحداث التي وقعت في الشهور الأولى للثورة، وعلى مدار 13 فصلا متتابعا أخذتنا المؤلفة للتعرف على أهم وقائع تلك الانتفاضة من خلال أربعة أبطال رئيسيين، هم: "سيف، وأروى، ونشوان، وأحلام".

اهتمت رغدة جمال بتوضيح دوافع الشباب اليمني الذي شارك في الأيام الأولى للثورة، ولم يكن أي منهم ينتمي لأي فصيل سياسي وقتها، وقادهم الشعور بالظلم إلى الاحتشاد في الميادين والمطالبة بالتغيير خصوصاً بعدما رأوا رياح الربيع العربي تعصف بالأنظمة الحاكمة في كل من تونس ومصر.

على سبيل المثال، قصة "سيف"، الذي تعرض للملاحقة من قِبل السلطات الأمنية بسبب مطالبته بحق أخيه الأصغر الذي قُتل عن طريق الخطأ على يد ابن أحد الوزراء المتنفذين في الدولة. تقول الراوية على لسانه: "كان قلبي مثقلاً بالهموم، وأردت من أحدهم أن يساعدني على اتخاذ القرار، هل أخضع للضغوط التي أتعرض لها مقابل التنازل والقبول بالدية، أم أصرّ على المضي في طريق القضاء، في بلد يحكم القضاء فيه للأقوى؟".

من جهة أخرى، لجأت المؤلفة إلى البعد الرمزي في أكثر من موضع من الرواية. ظهر ذلك في اسم الرواية "الخيمة"، وهو الاسم الذي أشار إلى ساحة التغيير بصنعاء، المكان المحوري الذي تدور فيه أغلب الأحداث.

أيضاً، عملت على نقل الروح الثورية إلى صفحات روايتها من خلال افتتاح كل فصل بمقطع شعري حماسي اعتاد الثوار أن ينشدوه أثناء اعتصامهم في الميدان.

لم تكتف الرواية بالحديث عن فترة الزخم الثوري فحسب، بل ألقت الضوء كذلك على مآلات الأحداث بعد أن اُختطفت الثورة من الشباب المتحمس على يد القبائل القوية والأحزاب السياسية.

أشارت جمال أيضا إلى تلك النهاية المؤسفة  للثورة في ختام روايتها عندما ذكرت على لسان أحد أبطالها "دورنا انتهى.. بقاؤنا هنا لم يعد مُجدياً... ما حدث أنهم باعوا الثورة، تم تقسيم الكعكة، ووجودنا لم يعد له معنى".

مواضيع ذات صلة:

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.

 عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وقد تواجدت عشرات اللوحات على جدران الكنائس والقصور في شتى أنحاء القارة العجوز.

تماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية. على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية، فأعلنت أغلبية الآراء الفقهية عن معارضتها للتصوير والرسم والنحت.

نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من "الفتاوى المستنيرة" التي خالفت السياق الفقهي العام، لتجيز للمسلمين ممارسة تلك الفنون.

 

الرأي التقليدي

وردت الكثير من الأحاديث النبوية التي تظهر رفض الإسلام للرسم والتصوير. ينقل محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه بعضاً من تلك الأحاديث. منها أن النبي دخل بيت عائشة ذات مرة، فوجد ثوباً عليه صور، فغضب ومزق الثوب وقال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويُقال لهم: "أحيوا ما خلقتم". ويؤكد النبي المعنى نفسه في أحاديث أخرى، منها "إنَّ أشدَّ النَّاسِ عذاباً عندَ اللَّهِ المصَوِّرونَ".

وبناء على تلك الروايات، ذهب جمهور العلماء إلى حرمة رسم وتصوير ذوات الأرواح.

على النحو ذاته، رفض التقليد الفقهي الإسلامي نحت التماثيل. بُني هذا الرأي على ارتباط التماثيل بالأصنام التي كانت تُعبد قبل الإسلام، وعلى ما نُسب إلى النبي في صحيح مسلم:  "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل". ولذلك ذهب جمهور الفقهاء السنة لحرمة صناعة التماثيل أو وضعها في المنازل.

 

وجهة نظر مختلفة

يتعارض التحريم الفقهي القاطع للتصوير والرسم والنحت مع بعض الروايات التاريخية المُختلف على صحتها. من تلك الروايات ما ذكره أبو الوليد الأزرقي في كتابه "أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار"، من أن الكعبة في الجاهلية كانت تحتوي على الكثير من التماثيل والصور، ومنها صورة للنبي إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، وصورة أخرى للمسيح عيسى بن مريم مع أمه.

ويذكر الأزرقي أن الرسول لما فتح مكة في العام الثامن من الهجرة توجه إلى الكعبة "ودخل إلى البيت، فأمر بثوب فبلّ بماء، وأمر بطمس تلك الصور ووضع كفيه على صورة عيسى وأمه وقال: امحوا الجميع إلا ما تحت يدي".

نُقلت هذه الرواية في الكثير من المصادر المعتبرة في القرون التالية، ومنها تاريخ الإسلام لشمس الدين الذهبي، إذ أوردها ثم علق عليها ببعض الشواهد المثبتة لها، ومن ذلك ما ورد عن التابعي عطاء بن أبي رباح، من أنه لما سُئل عن هذه الصورة، قال: "أدركت تمثال مريم مزوقاً في حجرها عيسى قاعد. وكان في البيت -يقصد الكعبة- ستة أعمدة سوارٍ، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب". ولما سُئل عطاء عن توقيت إزالة هذا التمثال من الكعبة أجاب بأن ذلك قد وقع في الحريق الذي نشب بالكعبة في زمن عبد الله بن الزبير سنة 64 للهجرة.

 يشير ذلك إلى ما يبدو وكأنه نوع من أنواع التسامح مع الصور في حقبة الإسلام المبكرة.

ويوضح زكي محمد حسن في كتابه "التصوير وأعلام المصورين في الإسلام" أن المجتمعات الإسلامية قد عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت رغم الرفض الفقهي/ يقول: "لا نستطيع أن ننفي قطعيّاً وجود أي تصوير ديني في الإسلام، فإن بعض المصورين الإيرانيين عمد إلى حياة النبي وإلى بعض الحوادث الجسام في تاريخ الإسلام فاتخذ منها موضوعات لصور كانت تشمل في بعض الأحيان على رسما للنبي".

 

فتاوى معاصرة

ظهرت في العصر الحديث العديد من الفتاوى الدينية التي أجازت ممارسة الرسم والتصوير والنحت وغير ذلك من الفنون التشكيلية.

وقد بدأت تلك الفتاوى بالفتوى الشهيرة التي قال بها رجل الدين المصري محمد عبده في مطلع القرن العشرين. ففي سنة 1904، زار عبده جزيرة صقلية، وأبدى في إحدى مقالاته -التي نشرها في مجلة المنار- إعجابه بحفاظ أهل الجزيرة على ما لديهم من آثار وتماثيل. وفي مقاله تطرق عبده للحكم الفقهي للنحت فقال: "ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية؛ إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية أو أوضاعهم الجثمانية، هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب، أو واجب؟ فأقول لك: إن الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان؛ فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالاً إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة؛ فإذا أوردت عليه حديث: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن الحديث جاء في أيام الوثنية"- بحسب ما ذكر عباس محمود العقاد في كتابه "عبقري الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده".

في سنة 2001، عاد الجدل حول حكم التماثيل في الإسلام إلى الواجهة بعدما قامت حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان بتدمير تمثالي بوذا في منطقة باميان.

أثار الحادث غضب الكثير من رجال الدين المسلمين. فعلى سبيل المثال اعترض عليه مفتي مصر الأسبق، نصر فريد واصل، وقال: "إن الحفاظ على هذه الآثار أمر له تبريره لأن هذه الآثار تجلب منافع اقتصادية للدول الموجودة فيها عن طريق السياحة".

ودعا المفتي المسؤولين في طالبان إلى عرض التماثيل البوذية التي لا تأثير لها في المسلمين.

وفي سنة 2006م، انتقل الجدل حول التماثيل والنحت إلى مصر نفسها، وذلك بعدما أفتى مفتي مصر السابق، علي جمعة بأن تزيين البيوت بالتماثيل حرام ولا يجوز شرعاً، واعتبرها معصية لا يجوز الوقوع فيها.

وقتها، أثارت الفتوى غضب قطاع واسع من الفنانين المصريين، فقد انتقد وزير الثقافة المصري الأسبق، فاروق حسني، فتوى جمعة فقال: "هناك فرق بين العبادة وصناعة الآلهة كاللات والعزي ومناة، وبين الشعور بقيمة جمالية التأمل في الطبيعة والإنسان".

في السياق نفسه، ظهرت بعض الفتاوى التي ردت على فتوى علي جمعة، ومن من ذلك فتوى عبد الصبور شاهين، الأستاذ بكلية دار العلوم، والذي أكد فيها "أنه يجوز شرعاً استخدام التماثيل وغيرها لديكور المنازل، لأن زمن عبادة الأصنام والتماثيل قد انتهى"، وهو الرأي الذي اتفقت معه آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر.

في السنوات الأخيرة، تتابعت الفتاوى التي أجازت الرسم والنحت من جانب العديد من رجال الدين المسلمين، وتباينت الطرق في إثبات تلك الإجازة. وقد ذكر سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الفقهاء اتفقوا على تحريم التصوير الذى يتخذ إلهاً يُعبد من دون الله. أما التصوير لغير العبادة كعمل فني أو تجاري أو ثقافي أو تعليمي فقد اختلفوا في حكمه على ثلاثة مذاهب.

وأكد الهلالي أن من حق كل مسلم أن يختار من المذاهب الثلاثة ما يوافق ضميره ومعتقده.

في سنة 2009، أصدرت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر فتوى رسمية بإباحة ممارسة الرسم والنحت والتصوير. وقد  جاء في تلك الفتوى: "إن الإسلام لا يحارب الفن الهادف، بل يدعو إليه، ويحث عليه؛ لأن الفن في حقيقته إبداع جمالي لا يعاديه الإسلام، والنحت والتصوير من الفنون، فالإسلام لا يحرمه؛ ولكنه في الوقت نفسه لا يبيحه بإطلاق؛ بل يقيد إباحته بقيدين هما: ألا يقصد بالشيء المنحوت أو المصور عبادته من دون الله، والقيد الثاني: أن يخلو النحت والتصوير من المضاهاة لخلق الله التي يُقصد بها أن يتحدى صنعة الخالق ويفترى عليه بأنه يخلق مثل خلقه، فإذا انتفى هذان القيدان فالنحت والتصوير ونحوهما مباح، ولا شيء فيه.". في المعنى ذاته، قدم المفكر الإسلامي، عدنان إبراهيم، محاضرة عن حكم الرسم والنحت في الإسلام.

وذكر إبراهيم أن حرمة صناعة التماثيل كانت مربوطة بعبادتها، وأكد أن تلك الفنون غير محرمة بذاتها.

من جهة أخرى، ظهرت العديد من الفتاوى الشيعية التي أباحت التصوير والرسم والنحت، من ذلك فتوى المرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، بجواز تعليق صور النبي والأئمة في البيوت والمنازل.

وجاء في الموقع الرسمي للمرجع الشيعي العراقي، كمال الحيدري، تعليقا على روايات  كراهية تصوير ذوات الأرواح قوله إن تلك "الروايات لا تبلغ حد الحرمة أولاً ثم إنها محمولة على زمانها، حيث كانت تشيع عبادة التماثيل فورد النهي عن ذلك لئلا يروج لها أو يتأثر بها".

ويضيف الحيدري: "وأما اليوم، فقد أصبحت الصور ورسمها فناً من الفنون وجزء من الاهتمام بالآثار الحضارية، ولها اعتبارات علمية ومالية، فلا إشكال عندنا في وجود الصور أو الألعاب في داخل الغرف والبيوت، وكذا لا إشكال في تصويرها ونحتها ما لم يكن الغرض منها عبادتها".