صورة تعبيرية لغلاف إحدى الروايات التي تضمنها المقال. "الخبز الحافي" للروائي المغربي محمد شكري
صورة تعبيرية لغلاف إحدى الروايات التي تضمنها المقال. "الخبز الحافي" للروائي المغربي محمد شكري

يهتم أدب المهمشين الروائي بعكس الأوضاع الصعبة التي تعاني منها بعض الفئات المجتمعية الدنيا، على العكس مثلاً من أدب المركز، الذي يسلط الضوء على موضوعات خاصة بالطبقات الحاكمة والفئات الأكثر تأثيراً وحضوراً وثراءً.

وتتضمن المكتبة العربية الحديثة على عشرات الروايات الهامة والمؤثرة، بعضها كان مؤسساً لهذا النوع من الأدب في العالم العربي، فسلطت الأضواء على أوجاع الطبقات الفقيرة في مجتمعات كتّابها.

 

عودة إلى الجذور

ترجع البذور الاولى لأدب الهامش (المهمشين) في العالم العربي إلى فترة تاريخية قديمة، إذ ارتبط في المجتمع العربي ما قبل ظهور الإسلام بطبقة الصعاليك. وهي الطبقة التي تشكلت من "الفقراء والخلعاء والعزباء الذين خرجوا عن النظام القبلي" وكانوا يتبعون القوافل التجارية ويستولون عليها، بحسب ما يذكر الدكتور محمد رجب النجار في كتابه "الشطّار والعيّارون: حكايات في التراث العربي".

في تلك الفترة، عبّر العديد من الشعراء عن أفكار الصعاليك والظروف التي عاشوا فيها، من أشهرهم عروة بن الورد.

بعد الإسلام، عُرف الصعاليك بأسماء جديدة منها "العيّارون" و"الشطّار". وفي نهايات القرن الثاني الهجري ذُكرت تلك الأسماء للمرة الأولى في المصادر التاريخية الإسلامية في سياق الحديث عن الحرب الأهلية العباسية التي وقعت بين الخليفة محمد الأمين وأخيه عبد الله المأمون. 

أطلق المؤرخون الاسمين - العيّارين والشطّار- على الغوغاء والمسجونين والدهماء الذين عاشوا في الأحياء الفقيرة داخل بغداد. وتنوعت الأصول العرقية لهؤلاء بين العربية والفارسية والتركية، كما شكلوا الطبقة الدنيا من المجتمع البغدادي.

تزامن ظهور تلك الطبقة الاجتماعية مع بروز نوع جديد من الأدب، الذي يهتم باستقصاء أحوال العامة والتعبير عن آلامهم وأحلامهم، وغلب الطابع الساخر عليه. من أبرز نماذجه كتاب "البخلاء" للجاحظ، و"الرسالة البغدادية" لأبو حيان التوحيدي. 

لاحقاً تطور هذا الشكل الأدبي وتم تضمينه في المدونات الكبرى للأدب الشعبي، مثل قصص "ألف ليلة وليلة"، و"سيرة علي الزيبق"، و"سيرة الظاهر بيبرس".

في العصر الحديث، فرض أدب الهامش نفسه على الرواية العربية، وركز العديد من الأدباء والروائيين العرب على معالجة القضايا الخاصة بالفقراء واللاجئين والأقليات والفئات المحرومة من التعبير.

توافق ذلك الجنس الأدبي مع واقع المجتمعات العربية التي تعاني من وطأة الاستبداد السياسي، ويعيش ثلث أفرادها تحت خط الفقر، فيما تتنوع الأصول العرقية واللغوية والدينية والمذهبية لقسم كبير من هذه المجتمعات.

وسط تلك الظروف الواقعية، استمد أدب الهامش نفوذه وحضوره في ميادين الثقافة العربية المعاصرة، وصار معبراً عن هوية ووجود الملايين من العرب المهمشين، كما أضحى بمثابة المعادل الموضوعي للأدب الرسمي الذي يعبّر عن رأي السلطة والأغلبية وذوي النفوذ وصنّاع القرار.

في السطور التالية نلقي الضوء على خمس روايات عربية مهمة تنتمي لأدب الهامش، بعضها يُعتبر مؤسساً له في الأدب المعاصر.

 

"المصابيح الزرق"

مؤلف هذه الرواية هو الكاتب السوري حنا مينه. وتُعدّ رواية "المصابيح الزرق" أول عمل روائي له، استغرق في كتابتها نحو ثلاث سنوات.

تدور أحداثها في مدينة اللاذقية السورية، وتتعرض لحياة مجموعة من السوريين البسطاء زمن الحرب العالمية الثانية، في أثناء فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا. تتعدد الشخصيات التي تضطلع بأدوار البطولة في الرواية، ويجمعهم السكن في خان فقير متواضع الحال.

من هؤلاء الأبطال "فارس"، الشاب الذي لم يبلغ السادسة عشر من عمره بعد، والعجوز "أم صقر" التي تمتهن الخدمة في البيوت بحثاً عن لقمة العيش، و"مريم" وزوجها "نايف الفحل" الذي يعمل في تصليح الأحذية، و"جريس" المختار الذي لا يمنعه فقره من انتهاز الفرص والتعامل بنفعية مع الجميع، وكذلك "عبد القادر" الثائر المثقف الذي يضحي بكل شيء في سبيل الدفاع عن قضيته.

من خلال تلك الشخصيات المتناقضة، نظم مينا إيقاعه السردي الفريد الذي سلط الضوء على أوجاع الطبقة الفقيرة الكادحة. وصف المؤلف الحي البائس الذي اتخذ منه مسرحاً لحكايته فقال إنه "واقع على كتف هضبة كبيرة تنتشر البيوت والأكواخ في سفحها وترتفع معها صعوداً إلى القمة".

تحدث بعدها عن بؤس الخان الذي يعيش فيه أبطال الرواية فوصفه بأنه "متعدد الغرف كان فيما مضى خاناً ويستطيع المرء من الوهلة الأولى أن يلحظ مرابط البهائم ويرى مجالس التجار والمسافرين".

مكتبة جنان في ناحية القوش شمالي العراق- ارفع صوتك. (صورة تعبيرية)
6 روايات معاصرة عن واقع الأقليات وتاريخها في الدول العربية
هل قرأت سابقاً رواية تصنّف ضمن "أدب الأقليات"؟ إنه نوع مميز من الأدب الروائي، يسلط الضوء على الحياة الاجتماعية والثقافية، إلى جانب التحديات اليومية التي تعانيها الأقليات في أماكن إقامتها، سواء كانت ناتجة عن التهميش أو الصراعات أو القوانين، وغيرها من أمور.

 

"النخلة والجيران"

للروائي العراقي غائب طعمة فرمان، نشرها عام 1965. وتدور أحداثها في أربعينيات القرن العشرين، في بعض الأحياء الفقيرة داخل العاصمة العراقية بغداد.

ألقت الرواية الضوء على انعكاس آثار الحرب العالمية الثانية على العراق، كما بينت الظروف الصعبة التي عاشها عدد كبير من المواطنين تلك الفترة.

تظهر  الكثير من الشخصيات التي تنتمي للطبقات الاجتماعية الدنيا، مثل "سليمة" الفقيرة المهمشة التي تصنع الخبز وتعيش بجوار نخلة كبيرة في حوش قديم مهجور، بينما تتراكم المياه القذرة بالقرب منها، وتبحث سليمة عن طريق للهروب من الواقع الصعب الذي تعيشه لكنها تتعرض لعملية نصب من قِبل أحد أصدقاء زوجها.

هناك أيضاً "حسين" ابن زوج سليمة، الذي فشل في الدراسة وفي تعلم أي مهنة أو حرفة. ويقتات على القليل الذي تُنعم به عليه زوجة أبيه، بينما يقضي أكثر وقته في علاقة مع إحدى الفتيات الفقيرات التي هربت من مسكن أسرتها بسبب إرغامها على الزواج من تاجر كبير السن.

لم يدخر فرمان وسعاً في استخدام الرمز والاستعارة للتعبير عن الهامش الواسع الذي سكن فيه أبطال روايته. عندما وصف غربتهم قال: "كأن السماء قربة هائلة فانشقت... عاشوا في رعب الغرق وتداعي البيوت... انقطعوا عن العالم الخارجي…". 

وعندما أراد أن يربط بين بؤس سليمة الخبازة والنخلة العاقر، قال "رأت أمامها -أي سليمة- نخلتها القميئة تبرك قرب الحائط وسط دائرة سوداء، نخلة مهجورة عاقر مثلها تعيش معها في هذا البيت الكبير خرساء صماء، تتحمل كل المياه القذرة التي تلقى في حوضها، ويمر الصيف والشتاء دون أن تحمل طلعاً، أو تحضر لها سعفة".

صُنفت الرواية كواحدة من أهم الروايات العراقية في التاريخ الحديث، كما تم تحويلها لمسلسل تلفزيوني عام 2010.

 

"أيام بغداد"

صاحب هذه الرواية هو الكاتب والروائي والناقد المصري خليل الجيزاوي. في 2020 نشر الجيزاوي رواية "أيام بغداد"، وتدور أحداثها في ثمانينات القرن الماضي.

تحكي عن "محمد"، و"عماد"، و"مجدي"، وهم ثلاثة شبان جامعيين من إحدى قرى مصر، يعيشون حياة صعبة ويعانون -مع أسرهم- من الفقر وشح الأرزاق، فيضطرون في نهاية المطاف للسفر إلى للعراق للعمل في فترة الإجازة الصيفية.

يعاني الثلاثة من الحظ السيء، إذ يُقتل "عماد" بعد أن يقيم علاقة مع امرأة متزوجة، وينضم "مجدي" للجيش العراقي، أما "محمد" فيتجول بين مدن العراق بحثاً عن رزقه. يسافر إلى سامراء، وبغداد، والنجف، وفي كل مدينة يصبح أكثر قرباً من الطبقة المُهمشة في المجتمع العراقي، كما يرصد الخوف المختلط بالفقر والجهل والتديّن السطحي، ويخوض تجارب شتى في سبيل إثبات نفسه في هذا المجتمع.

عبّر الجيزاوي عن العديد من السمات التي ترتبط بالطبقات الدنيا، ولا سيما الحرفيين والعمال الذين تضطرهم الظروف للعمل الشاق. يقول على لسان أحد أبطال الرواية: "تذكر كيف تعرض للموت عندما عمل مع مقاول الكهرباء في كفر الجبل بالهرم، فعندما ضرب الأجن بالمطرقة، لمست الأجنة كابل السلك الرئيسي للكهرباء بطريق الخطأ، فلسعه السلك واهتز به السلم وكاد يقع في المنور...".

كذلك وضح حالة البؤس التي تعرض لها العراقيون بسبب الحرب وارتباطها بالديكتاتورية وحكم الفرد "شاهد التلفزيون وهو يبث أخبار الحرب، وكانت صورة جنود صدام تتدفق كبيرة في حلقة الشاشة، والأغنية لا تزال تتردد مع الموسيقى العسكرية".

 

"الخبز الحافي"

في سنة 1972، كتب الروائي المغربي محمد شكري روايته الأولى "الخبز الحافي"، التي لاقت اهتماماً كبيراً في الأوساط الثقافية العربية والعالمية، وتُرجمت إلى الإنجليزية والفرنسية لكنها لم تُنشر بالعربية إلا عام 1982، بسبب جرأتها غير المألوفة في تلك الفترة.

تحكي الرواية السيرة الذاتية المبكرة للمؤلف، حيث تبدأ الأحداث بإلقاء الضوء على الأسرة الريفية المُهمشة التي ينتمي إليها شكري. الأب العنيف الذي يقتل أحد أبنائه في فورة غضبه ذات مرة، والأم المسكينة التي تضطر إلى بيع الخضراوات والفواكه للإنفاق على أبنائها عندما يُسجن زوجها.

في تلك الأجواء المُقبضة ترحل الأسرة إلى طنجة، ويعمل شكري في قهوة وضيعة، ليبدأ عندها في التعرف على قاع المجتمع المغربي، فيتعامل مع المجرمين، ويأكل من القمامة، ويمارس الجنس بجميع صوره وينتقل من مكان لآخر بحثاً عن الخبز، حتى يُلقى به في السجن.

تحتشد الرواية بالعديد من المشاهد القوية التي برعت في تصوير حال المُهمشين. على سبيل المثال يصف شكري اللحظات الدامية التي قُتل فيها أخوه على يد الأب القاسي "...أخي يبكي. يتلوى ألماً. يبكي الخبز. أبكي معه. أراه يمشي إليه. الوحش يمشي إليه. الجنون في عينيه. يداه إخطبوط. لا أحد يقدر أن يمنعه. أستغيث في خيالي. وحش! مجنون! امنعوه! يلوي اللعين عنقه بعنف. أخي يتلوى. الدم يتدفق من فمه".

في موضع آخر، يربط المؤلف بين الفقر والهيمنة الذكورية والتسلط على الإناث "كسر الجيران مزلاج باب بيتنا لينقذوني أنا وأمي. كان يضربنا معاً بحزامه العسكري. جسمي كله دام. عين أمي متورمة. ظللت أياماً لا أعرف كيف أنام. تمنيت لو أنام في الهواء".

كذلك لم ينس الكاتب أن يضع الكثير من المشاهد التي تبيّن قسوة الفقر والحرمان. في واحد من تلك المشاهد يعثر شكري على دجاجة نافقة، ويفرح بها مع أخيه الصغير. ولكن الأم تباغتهما وتسألهما عن مصدرها "عثرت عليها مريضة. ذبحتها قبل أن تموت. اسألي أخي...  مجنون (خطفتها مني غاضبة) الإنسان لا يأكل الجيفة. أخي وأنا تبادلنا نظرات حزينة. كلانا أغمض عينيه في انتظار ما سنأكله".

 

"مالك الحزين"

في عام 1983، نشر الكاتب المصري إبراهيم أصلان أشهر أعماله على الإطلاق، وهي رواية "مالك الحزين"، التي دارت أحداثها في منطقة إمبابة الشعبية في القاهرة، وتمحورت حول شخصية "الشيخ حسني"، الذي يعاني من العمى ويعيش وسط أهله ومعارفه البسطاء المُهمشين من أمثال "رمضان الفطاطري"، و"عبد الله القهوجي"، و"سيد طلب"، و"الهَرَم" بائع الكيف والحشيش.

صورت الرواية معاناة الشيخ الضرير من الاغتراب وسط الظلام الدامس الذي يحيط به، لكنها أكدت -في الوقت ذاته- على تغلبه على تلك الإعاقة من خلال روحه المرحة وخفة ظله التي تجذب إليه كل من يحيط به.

ظهرت معالم الكوميديا السوداء التي تعج بها الرواية في العديد من المقاطع. ومن أشهرها المقطع الذي وصف علاقة "الشيخ حسني" بغيره من العميان وكيف أنه كان يبرع في الاحتيال عليهم، فيقودهم في الشارع ويصف لهم ما يدور حولهم، وربما أصطحب بعضهم في رحلة نيلية على قارب، أو على متن دراجة بخارية لا يمكنه التحكم فيها!

أوضح أصلان الارتباط القائم بين المهمشين والحيز المكاني الذي يعيشون فيه. على سبيل المثال عبّر عما دار في خلد "عبد الله القهوجي" عندما عرف باحتمالية هدم القهوة التي يعمل بها: "كيف يمكنه وهو يجلس الآن في المقهى أن يرى ما سرقته الأيام والشهور والسنوات؟ كيف؟ لقد جاء إلى المقهى في مطلع النهار حتى لا يفوته شيء لم يتركه. حاول أن يتذكَّر شكله عندما كان يأتي برفقة والده وهو صغير، وعرف أنه حاول المستحيل... إن الحبل قد انقطع، المقهى ضاع، وعوض الله ضاع، واليوم فقط يموت أبوك... صحيح، طول عمرك وأنت غلبان يا عبد الله".

كذلك عبّر أصلان عن علاقة البؤس والحرمان الذي يعيش فيه سكان المنطقة بالظروف السياسية السائدة في مصر، فقال على لسان أحد أبطاله واصفاً قيام الأمن بتفريق إحدى المظاهرات في منطقة وسط البلد: "ضربوهم بالعصي، وسحبوهم من أيديهم وأرجلهم، وارتفعت صرخات البنات على الأسفلت، وألقوا بهم في العربات وانصرفوا".

أُدرجت الرواية ضمن أفضل مئة رواية في الأدب العربي، وعُدّت واحدة من أفضل الروايات التي جسدت الفقر والمُهمشين.

في سنة 1991، قام المخرج المصري داود عبد السيد بتحويل الرواية إلى فيلم سينمائي حمل عنوان "الكيت كات"، اشتهر الفيلم بشكل كبير واقتبس العامة العديد من عبارات السيناريو الخاص به، ليتحول لإحدى أيقونات السينما المصرية.

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".