صورة تعبيرية لغلاف إحدى الروايات التي تضمنها المقال. "الخبز الحافي" للروائي المغربي محمد شكري
صورة تعبيرية لغلاف إحدى الروايات التي تضمنها المقال. "الخبز الحافي" للروائي المغربي محمد شكري

يهتم أدب المهمشين الروائي بعكس الأوضاع الصعبة التي تعاني منها بعض الفئات المجتمعية الدنيا، على العكس مثلاً من أدب المركز، الذي يسلط الضوء على موضوعات خاصة بالطبقات الحاكمة والفئات الأكثر تأثيراً وحضوراً وثراءً.

وتتضمن المكتبة العربية الحديثة على عشرات الروايات الهامة والمؤثرة، بعضها كان مؤسساً لهذا النوع من الأدب في العالم العربي، فسلطت الأضواء على أوجاع الطبقات الفقيرة في مجتمعات كتّابها.

 

عودة إلى الجذور

ترجع البذور الاولى لأدب الهامش (المهمشين) في العالم العربي إلى فترة تاريخية قديمة، إذ ارتبط في المجتمع العربي ما قبل ظهور الإسلام بطبقة الصعاليك. وهي الطبقة التي تشكلت من "الفقراء والخلعاء والعزباء الذين خرجوا عن النظام القبلي" وكانوا يتبعون القوافل التجارية ويستولون عليها، بحسب ما يذكر الدكتور محمد رجب النجار في كتابه "الشطّار والعيّارون: حكايات في التراث العربي".

في تلك الفترة، عبّر العديد من الشعراء عن أفكار الصعاليك والظروف التي عاشوا فيها، من أشهرهم عروة بن الورد.

بعد الإسلام، عُرف الصعاليك بأسماء جديدة منها "العيّارون" و"الشطّار". وفي نهايات القرن الثاني الهجري ذُكرت تلك الأسماء للمرة الأولى في المصادر التاريخية الإسلامية في سياق الحديث عن الحرب الأهلية العباسية التي وقعت بين الخليفة محمد الأمين وأخيه عبد الله المأمون. 

أطلق المؤرخون الاسمين - العيّارين والشطّار- على الغوغاء والمسجونين والدهماء الذين عاشوا في الأحياء الفقيرة داخل بغداد. وتنوعت الأصول العرقية لهؤلاء بين العربية والفارسية والتركية، كما شكلوا الطبقة الدنيا من المجتمع البغدادي.

تزامن ظهور تلك الطبقة الاجتماعية مع بروز نوع جديد من الأدب، الذي يهتم باستقصاء أحوال العامة والتعبير عن آلامهم وأحلامهم، وغلب الطابع الساخر عليه. من أبرز نماذجه كتاب "البخلاء" للجاحظ، و"الرسالة البغدادية" لأبو حيان التوحيدي. 

لاحقاً تطور هذا الشكل الأدبي وتم تضمينه في المدونات الكبرى للأدب الشعبي، مثل قصص "ألف ليلة وليلة"، و"سيرة علي الزيبق"، و"سيرة الظاهر بيبرس".

في العصر الحديث، فرض أدب الهامش نفسه على الرواية العربية، وركز العديد من الأدباء والروائيين العرب على معالجة القضايا الخاصة بالفقراء واللاجئين والأقليات والفئات المحرومة من التعبير.

توافق ذلك الجنس الأدبي مع واقع المجتمعات العربية التي تعاني من وطأة الاستبداد السياسي، ويعيش ثلث أفرادها تحت خط الفقر، فيما تتنوع الأصول العرقية واللغوية والدينية والمذهبية لقسم كبير من هذه المجتمعات.

وسط تلك الظروف الواقعية، استمد أدب الهامش نفوذه وحضوره في ميادين الثقافة العربية المعاصرة، وصار معبراً عن هوية ووجود الملايين من العرب المهمشين، كما أضحى بمثابة المعادل الموضوعي للأدب الرسمي الذي يعبّر عن رأي السلطة والأغلبية وذوي النفوذ وصنّاع القرار.

في السطور التالية نلقي الضوء على خمس روايات عربية مهمة تنتمي لأدب الهامش، بعضها يُعتبر مؤسساً له في الأدب المعاصر.

 

"المصابيح الزرق"

مؤلف هذه الرواية هو الكاتب السوري حنا مينه. وتُعدّ رواية "المصابيح الزرق" أول عمل روائي له، استغرق في كتابتها نحو ثلاث سنوات.

تدور أحداثها في مدينة اللاذقية السورية، وتتعرض لحياة مجموعة من السوريين البسطاء زمن الحرب العالمية الثانية، في أثناء فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا. تتعدد الشخصيات التي تضطلع بأدوار البطولة في الرواية، ويجمعهم السكن في خان فقير متواضع الحال.

من هؤلاء الأبطال "فارس"، الشاب الذي لم يبلغ السادسة عشر من عمره بعد، والعجوز "أم صقر" التي تمتهن الخدمة في البيوت بحثاً عن لقمة العيش، و"مريم" وزوجها "نايف الفحل" الذي يعمل في تصليح الأحذية، و"جريس" المختار الذي لا يمنعه فقره من انتهاز الفرص والتعامل بنفعية مع الجميع، وكذلك "عبد القادر" الثائر المثقف الذي يضحي بكل شيء في سبيل الدفاع عن قضيته.

من خلال تلك الشخصيات المتناقضة، نظم مينا إيقاعه السردي الفريد الذي سلط الضوء على أوجاع الطبقة الفقيرة الكادحة. وصف المؤلف الحي البائس الذي اتخذ منه مسرحاً لحكايته فقال إنه "واقع على كتف هضبة كبيرة تنتشر البيوت والأكواخ في سفحها وترتفع معها صعوداً إلى القمة".

تحدث بعدها عن بؤس الخان الذي يعيش فيه أبطال الرواية فوصفه بأنه "متعدد الغرف كان فيما مضى خاناً ويستطيع المرء من الوهلة الأولى أن يلحظ مرابط البهائم ويرى مجالس التجار والمسافرين".

مكتبة جنان في ناحية القوش شمالي العراق- ارفع صوتك. (صورة تعبيرية)
6 روايات معاصرة عن واقع الأقليات وتاريخها في الدول العربية
هل قرأت سابقاً رواية تصنّف ضمن "أدب الأقليات"؟ إنه نوع مميز من الأدب الروائي، يسلط الضوء على الحياة الاجتماعية والثقافية، إلى جانب التحديات اليومية التي تعانيها الأقليات في أماكن إقامتها، سواء كانت ناتجة عن التهميش أو الصراعات أو القوانين، وغيرها من أمور.

 

"النخلة والجيران"

للروائي العراقي غائب طعمة فرمان، نشرها عام 1965. وتدور أحداثها في أربعينيات القرن العشرين، في بعض الأحياء الفقيرة داخل العاصمة العراقية بغداد.

ألقت الرواية الضوء على انعكاس آثار الحرب العالمية الثانية على العراق، كما بينت الظروف الصعبة التي عاشها عدد كبير من المواطنين تلك الفترة.

تظهر  الكثير من الشخصيات التي تنتمي للطبقات الاجتماعية الدنيا، مثل "سليمة" الفقيرة المهمشة التي تصنع الخبز وتعيش بجوار نخلة كبيرة في حوش قديم مهجور، بينما تتراكم المياه القذرة بالقرب منها، وتبحث سليمة عن طريق للهروب من الواقع الصعب الذي تعيشه لكنها تتعرض لعملية نصب من قِبل أحد أصدقاء زوجها.

هناك أيضاً "حسين" ابن زوج سليمة، الذي فشل في الدراسة وفي تعلم أي مهنة أو حرفة. ويقتات على القليل الذي تُنعم به عليه زوجة أبيه، بينما يقضي أكثر وقته في علاقة مع إحدى الفتيات الفقيرات التي هربت من مسكن أسرتها بسبب إرغامها على الزواج من تاجر كبير السن.

لم يدخر فرمان وسعاً في استخدام الرمز والاستعارة للتعبير عن الهامش الواسع الذي سكن فيه أبطال روايته. عندما وصف غربتهم قال: "كأن السماء قربة هائلة فانشقت... عاشوا في رعب الغرق وتداعي البيوت... انقطعوا عن العالم الخارجي…". 

وعندما أراد أن يربط بين بؤس سليمة الخبازة والنخلة العاقر، قال "رأت أمامها -أي سليمة- نخلتها القميئة تبرك قرب الحائط وسط دائرة سوداء، نخلة مهجورة عاقر مثلها تعيش معها في هذا البيت الكبير خرساء صماء، تتحمل كل المياه القذرة التي تلقى في حوضها، ويمر الصيف والشتاء دون أن تحمل طلعاً، أو تحضر لها سعفة".

صُنفت الرواية كواحدة من أهم الروايات العراقية في التاريخ الحديث، كما تم تحويلها لمسلسل تلفزيوني عام 2010.

 

"أيام بغداد"

صاحب هذه الرواية هو الكاتب والروائي والناقد المصري خليل الجيزاوي. في 2020 نشر الجيزاوي رواية "أيام بغداد"، وتدور أحداثها في ثمانينات القرن الماضي.

تحكي عن "محمد"، و"عماد"، و"مجدي"، وهم ثلاثة شبان جامعيين من إحدى قرى مصر، يعيشون حياة صعبة ويعانون -مع أسرهم- من الفقر وشح الأرزاق، فيضطرون في نهاية المطاف للسفر إلى للعراق للعمل في فترة الإجازة الصيفية.

يعاني الثلاثة من الحظ السيء، إذ يُقتل "عماد" بعد أن يقيم علاقة مع امرأة متزوجة، وينضم "مجدي" للجيش العراقي، أما "محمد" فيتجول بين مدن العراق بحثاً عن رزقه. يسافر إلى سامراء، وبغداد، والنجف، وفي كل مدينة يصبح أكثر قرباً من الطبقة المُهمشة في المجتمع العراقي، كما يرصد الخوف المختلط بالفقر والجهل والتديّن السطحي، ويخوض تجارب شتى في سبيل إثبات نفسه في هذا المجتمع.

عبّر الجيزاوي عن العديد من السمات التي ترتبط بالطبقات الدنيا، ولا سيما الحرفيين والعمال الذين تضطرهم الظروف للعمل الشاق. يقول على لسان أحد أبطال الرواية: "تذكر كيف تعرض للموت عندما عمل مع مقاول الكهرباء في كفر الجبل بالهرم، فعندما ضرب الأجن بالمطرقة، لمست الأجنة كابل السلك الرئيسي للكهرباء بطريق الخطأ، فلسعه السلك واهتز به السلم وكاد يقع في المنور...".

كذلك وضح حالة البؤس التي تعرض لها العراقيون بسبب الحرب وارتباطها بالديكتاتورية وحكم الفرد "شاهد التلفزيون وهو يبث أخبار الحرب، وكانت صورة جنود صدام تتدفق كبيرة في حلقة الشاشة، والأغنية لا تزال تتردد مع الموسيقى العسكرية".

 

"الخبز الحافي"

في سنة 1972، كتب الروائي المغربي محمد شكري روايته الأولى "الخبز الحافي"، التي لاقت اهتماماً كبيراً في الأوساط الثقافية العربية والعالمية، وتُرجمت إلى الإنجليزية والفرنسية لكنها لم تُنشر بالعربية إلا عام 1982، بسبب جرأتها غير المألوفة في تلك الفترة.

تحكي الرواية السيرة الذاتية المبكرة للمؤلف، حيث تبدأ الأحداث بإلقاء الضوء على الأسرة الريفية المُهمشة التي ينتمي إليها شكري. الأب العنيف الذي يقتل أحد أبنائه في فورة غضبه ذات مرة، والأم المسكينة التي تضطر إلى بيع الخضراوات والفواكه للإنفاق على أبنائها عندما يُسجن زوجها.

في تلك الأجواء المُقبضة ترحل الأسرة إلى طنجة، ويعمل شكري في قهوة وضيعة، ليبدأ عندها في التعرف على قاع المجتمع المغربي، فيتعامل مع المجرمين، ويأكل من القمامة، ويمارس الجنس بجميع صوره وينتقل من مكان لآخر بحثاً عن الخبز، حتى يُلقى به في السجن.

تحتشد الرواية بالعديد من المشاهد القوية التي برعت في تصوير حال المُهمشين. على سبيل المثال يصف شكري اللحظات الدامية التي قُتل فيها أخوه على يد الأب القاسي "...أخي يبكي. يتلوى ألماً. يبكي الخبز. أبكي معه. أراه يمشي إليه. الوحش يمشي إليه. الجنون في عينيه. يداه إخطبوط. لا أحد يقدر أن يمنعه. أستغيث في خيالي. وحش! مجنون! امنعوه! يلوي اللعين عنقه بعنف. أخي يتلوى. الدم يتدفق من فمه".

في موضع آخر، يربط المؤلف بين الفقر والهيمنة الذكورية والتسلط على الإناث "كسر الجيران مزلاج باب بيتنا لينقذوني أنا وأمي. كان يضربنا معاً بحزامه العسكري. جسمي كله دام. عين أمي متورمة. ظللت أياماً لا أعرف كيف أنام. تمنيت لو أنام في الهواء".

كذلك لم ينس الكاتب أن يضع الكثير من المشاهد التي تبيّن قسوة الفقر والحرمان. في واحد من تلك المشاهد يعثر شكري على دجاجة نافقة، ويفرح بها مع أخيه الصغير. ولكن الأم تباغتهما وتسألهما عن مصدرها "عثرت عليها مريضة. ذبحتها قبل أن تموت. اسألي أخي...  مجنون (خطفتها مني غاضبة) الإنسان لا يأكل الجيفة. أخي وأنا تبادلنا نظرات حزينة. كلانا أغمض عينيه في انتظار ما سنأكله".

 

"مالك الحزين"

في عام 1983، نشر الكاتب المصري إبراهيم أصلان أشهر أعماله على الإطلاق، وهي رواية "مالك الحزين"، التي دارت أحداثها في منطقة إمبابة الشعبية في القاهرة، وتمحورت حول شخصية "الشيخ حسني"، الذي يعاني من العمى ويعيش وسط أهله ومعارفه البسطاء المُهمشين من أمثال "رمضان الفطاطري"، و"عبد الله القهوجي"، و"سيد طلب"، و"الهَرَم" بائع الكيف والحشيش.

صورت الرواية معاناة الشيخ الضرير من الاغتراب وسط الظلام الدامس الذي يحيط به، لكنها أكدت -في الوقت ذاته- على تغلبه على تلك الإعاقة من خلال روحه المرحة وخفة ظله التي تجذب إليه كل من يحيط به.

ظهرت معالم الكوميديا السوداء التي تعج بها الرواية في العديد من المقاطع. ومن أشهرها المقطع الذي وصف علاقة "الشيخ حسني" بغيره من العميان وكيف أنه كان يبرع في الاحتيال عليهم، فيقودهم في الشارع ويصف لهم ما يدور حولهم، وربما أصطحب بعضهم في رحلة نيلية على قارب، أو على متن دراجة بخارية لا يمكنه التحكم فيها!

أوضح أصلان الارتباط القائم بين المهمشين والحيز المكاني الذي يعيشون فيه. على سبيل المثال عبّر عما دار في خلد "عبد الله القهوجي" عندما عرف باحتمالية هدم القهوة التي يعمل بها: "كيف يمكنه وهو يجلس الآن في المقهى أن يرى ما سرقته الأيام والشهور والسنوات؟ كيف؟ لقد جاء إلى المقهى في مطلع النهار حتى لا يفوته شيء لم يتركه. حاول أن يتذكَّر شكله عندما كان يأتي برفقة والده وهو صغير، وعرف أنه حاول المستحيل... إن الحبل قد انقطع، المقهى ضاع، وعوض الله ضاع، واليوم فقط يموت أبوك... صحيح، طول عمرك وأنت غلبان يا عبد الله".

كذلك عبّر أصلان عن علاقة البؤس والحرمان الذي يعيش فيه سكان المنطقة بالظروف السياسية السائدة في مصر، فقال على لسان أحد أبطاله واصفاً قيام الأمن بتفريق إحدى المظاهرات في منطقة وسط البلد: "ضربوهم بالعصي، وسحبوهم من أيديهم وأرجلهم، وارتفعت صرخات البنات على الأسفلت، وألقوا بهم في العربات وانصرفوا".

أُدرجت الرواية ضمن أفضل مئة رواية في الأدب العربي، وعُدّت واحدة من أفضل الروايات التي جسدت الفقر والمُهمشين.

في سنة 1991، قام المخرج المصري داود عبد السيد بتحويل الرواية إلى فيلم سينمائي حمل عنوان "الكيت كات"، اشتهر الفيلم بشكل كبير واقتبس العامة العديد من عبارات السيناريو الخاص به، ليتحول لإحدى أيقونات السينما المصرية.

مواضيع ذات صلة:

صورة مركبة تجمع عناوين الروايات التي تم تناولها في المقال- ارفع صوتك
صورة مركبة تجمع عناوين الروايات التي تم تناولها في المقال- ارفع صوتك

في بداية مايو الحالي، فجّر فيديو لا يتعدّى عشر ثوانٍ غضب الآلاف من مناصري القضية الفلسطينية في العالم الغربي والدّاعين إلى وقف الحرب في قطاع غزة، الذين أطلقوا تلوه حملة لمقاطعة نجوم الفن والغناء وحظرهم على مواقع التواصل الاجتماعي، لعدم استخدام منصاتهم في إلقاء الضوء على ما يجري في الأراضي الفلسطينية.

تطوّر الأمر بسرعة، لينتقل إلى منصات التواصل العربية، فتتالت عشرات مقاطع الفيديو التي تُسمّي صفحات مؤثرين ونجوم ومشاهير عرب، وتُرفق روابط صفحاتهم، محفّزين المتابعين على حظرهم.

الفيديو كان لعارضة الأزياء الأميركية هايلي كاليل بيلي، تقوم به بمشافهة لمقطع صوتي مأخوذ من فيلم "ماري أنطوانيت" (2006) تقول فيه "دعم يأكلون الكعك Let them eat cake"، وهي عبارة تُنسب للملكة زوجة لويس السادس عشر -علماً بأن مصادر تاريخية نفت ذلك- إبّان الثورة الفرنسية، في وقت كان الشعب يعاني الجوع والفقر.

 

حديقة الزمن و"هانغر غيمز"

العبارة المسجلة استُخدمت من قبل العشرات في تطبيق "تك توك" الشهير بفيديوهات المشافهة (ليبسينغ)، إلا أن التوقيت والمكان جعلا بيلي في عيون الغاضبين أيقونة الطبقية والانفصال عن الواقع الذي يعيشه المشاهير والنجوم الذين شاركوا في حفل الأزياء السنوي "ميت غالا" في مدينة نيويورك الأميركية، على بعد ربع ساعة فقط من جامعة كولومبيا، التي كانت تشهد في نفس الوقت (6-8) مايو، احتجاجات طلابية تطالب بسحب الجامعة استثماراتها في إسرائيل، بدعوى أنها "تسهم في الإبادة الجماعية داخل قطاع غزة" كما أعلن الطلبة، الذين ووجهوا بقمع عناصر الشرطة وتعرض بعضهم للاعتقال والضرب، وآخرون تم فصلهم من الجامعة.

كانت العارضة المختصة بالترويج للملابس الرياضية، ترتدي فستاناً من الورود، تماشياً مع ثيمة الحفل لعام 2024 وهي "حديقة الزمن"، وبسبب غرابة الأزياء المرتبطة بهذا الثيم، ونتيجة تزامنه مع الحرب الدائرة في غزة بين إسرائيل وفصائل فلسطينية مسلحة على رأسها "كتائب القسام" التابعة لحركة حماس، أسفرت عن مقتل أكثر من 40 ألفاً وتجويع مئات الآلاف، كان الاستحضار الأول في منشورات مكتوبة ومرئية انتشرت بشكل واسع في مواقع التواصل، سلسلة أفلام "هانغر غيمز (ألعاب الجوع)" وتصدّر مفهوم "الديستوبيا" حديث مناصري غزة المشاركين في حملة "حظر المشاهير"، مسقطين إياه على الواقع المُعاش اليوم.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Eman Askar (@emmasworld.101)

 

هانغر غيمز: سلسلة أفلام أميركية تدور أحداثها الرئيسية بين عالمين أحدهما يحكم الآخر ويستولي على ثرواته ويجوّع سكانه ويُشغلهم بألعاب يقتل فيها الشباب من أبناء (العالم الفقير- المقاطعات) بينما يتمتع بالمشاهدة أبناء العالم الغني (العاصمة)، قبل أن تندلع الثورة.

@hudabeauty

#celebrity #keepsupporting #realtalk @Huda @Huda

♬ original sound - Huda

 

@dystopian_user

reality at this point. metgala hungergames dystopia capitol

♬ original sound - Jaz

المفارقة في هذه المسألة، أن ثيمة الأزياء لحفل "ميت غالا" مستلهمة أساساً من قصة قصيرة حملت نفي العنوان "حديقة الزمن" كتبها عام 1962 الروائي البريطاني جيه جي بالارد، وتحكي، بحسب ما نُشر في مجلة "فوغ"، عن الكونت أكسل وزوجته الكونتيسة، اللذين يعيشان في يوتوبيا الترفيه والفن والجمال؛ داخل فيلا ذات شرفة تطل على حديقة من الزهور البلورية ذات الأوراق الشفافة والسيقان اللامعة الشبيهة بالزجاج، والبلورات في قلب كل زهرة.

وجاء في مقال مجلة الأزياء الأشهر عالمياً، أنه على الرغم من كل ذلك الجمال في حياتهما، وكما هو الحال في جميع أعمال بالارد (أصبح بالارديان وفقًا للقواميس المعاصرة، يمثل الحداثة البائسة، والمناظر الطبيعية الاصطناعية القاتمة، والآثار النفسية للتطورات التكنولوجية أو الاجتماعية أو البيئية)، هناك عنصر بائس في جنتهما؛ حيث أن التمسك بها يشبه محاولة الحفاظ على كل حبة من حفنة الرمل سليمة في راحة يدك.

أضاف "خلف أسوار فيلا الكونت أكسل، يقترب حشد من الغوغاء الفوضويين كل ساعة. ولاستعادة الهدوء يجب على الكونت أن يقطف زهرة تعكس الزمن من حديقته حتى لا يتبقى منها شيء. تنتهي القصة بنزول الغوغاء غير المفكرين إلى الفيلا، التي أصبحت الآن ملكية مهجورة بها حديقة مهملة، يقف فيها تمثال الكونت والكونتيسة متشابكين في نباتات البلادونا الشائكة".

 

ما الـ"ديستوبيا"؟

تعود أصول مصطلح ديستوبيا لِلّغة اليونانية القديمة، ومعناه الحرفي "مكان كريه".  وبات هذا المصطلح شائعاً بعدما استعمله الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل في خطاب برلماني عام 1868، بعدها تردّد هذا المصطلح في كتابات الفيلسوف الألماني فريديرك نيتشه والأمريكي ريتشارد رورتي والفرنسي جان بودريار.

نشأ مصطلح الديستوبيا مفهوما فلسفيا مُضادا لمصطلح "يوتوبيا" المصوغ للتعبير عن الحلم الإنساني القديم بالمدينة الفاضلة التي يسود فيها العدل والمساواة ويعيش فيها الجميع بسعادة ورخاء.

على النقيض تماماً ظهرت الديستوبيا للتعبير عن عالم وهمي بالغ السوء والكآبة يجتمع به الفقر والظلم والمرض ويعيش فيه الناس أسوأ أوضاعهم.

لاحقاً تبلور هذا المصطلح وظهر باعتباره تصنيفا أدبيا في أواسط النصف الثاني من القرن العشرين، حسبما ذكرت دكتورة نعيمة عبدالجواد في بحثها "ديستوبيا الواقع واليوتوبيا المأمولة".

بعدما اعتُمدت الديستوبيا بوصفها أحد التصنيفات الأدبية للروايات. وقد اعتُبرت رواية "موندس آلتر وآخرون Mundes alter et idem" التي كتبها الأسقف الإنجليزي جوزيف هول أول عمل أدبي كُتب بتكنيك "الديستوبيا"، أما العملان الأدبيان الأكثر شهرة في هذا المضمار هما روايتا "1984" و"مزرعة الحيوان" لجورج أورويل، حسبما ورد في بحث "الرواية في أدب المدينة الفاسدة".

في بحثها "الديستوبيا في الرواية العربية المعاصرة (المدينة الفاسدة)" أوضحت مجدولين المساعفة أن المعاناة هي كلمة السر في خلق عالم الديستوبيا، وهو ما عزّز من انتشارها بالأدب العربي بسبب معاناة الإنسان العربي من القمع والاستبداد وغياب الحقوق والحريات وتركز السُلطة في يد نُخب أو أسر حاكمة.

تقول مجدولين: "مثّلت الدستوبيا طريقاً للحالمين بالتغيير، وهذه الأعمال هي بمثابة إنذار شديد الإلحاح للبشر بضرورة السير في طريق مختلف".

وهذه أبرز الأعمال الأدبية العربية التي تخيّل كتّابها دستوبيا مظلمة تنتظر بلادهم في المستقبل.

 

"يوتوبيا"، أحمد خالد توفيق

في هذا العمل قدّم الأديب المصري رؤيتين متمازجتين، متوقعاً أن يقتصر التمتّع باليوتوبيا المستقبلية على الأغنياء فقط الذين يعيشون في مجتمعٍ خاص مزود بـ"بوابات عملاقة وسلك مكهرب تحرسهم شركات أغلب العاملين فيها من المارينز المتقاعدين"، هذه المدينة اليوتيوبية الجميلة صغيرة الحجم لا يعيش فيها إلا مجموعة قليلة من الأغنياء.

أما باقي وأغلب سكان مصر فهم يعيشون الديستوبيا الحقيقية وراء أسوار اليوتوبيا؛ انقطعت عنهم الخدمات الحكومية، وباتوا يعيشون بالحد الأدنى من السكن والعلاج والطعام، حتى إن الناس اضطروا لاصطياد الحيوانات والكلاب لتناولها، وهؤلاء البشر وصفهم توفيق في روايته بأنهم "يتظاهرون بأنهم أحياء".

وفي روايته حكى توفيق أن سكان "يوتوبيا" الأثرياء باتوا يعتبرون ما حولهم من السكان بشراً دون المستوى، أقرب إلى الحيوانات، لذا فإنه عندما استبدَّ الملل بأحد سكانهم لم يعد يجد مُتعة في حياته المرفهة إلا في التسلل ليلاً إلى الأحياء الفقيرة من حوله و"اصطياد" أحد سكانها الفقراء وقتله.

في إحدى مهام هذا الشاب الصيّاد يعجز عن العودة فيساعده "جابر" أحد الفقراء الذين يعيشون بالقرب منه، رغم هذه المساعدة فإن الشاب الغني يقتله في نهاية المطاف، ويغتصب أخته.

بسبب هذا الحادث ينفجر الغضب المتراكم في صدور الناس فيثور الديتسوبيون، ويحاصرون المدينة الحصينة، ويبدو التغيير قريباً على لسان أحد الأغنياء المُحاصَرين قائلاً "هناك شيء يتحرّك في أرض الأغيار ضدّنا، هذه المرّة هي أعنف وأكثر تصميماً".

 

"فرانكشتاين في بغداد"، أحمد سعداوي

في عمله تخيّل سعداوي المستقبل القاتم الذي ينتظر العراق الغارق في دوامة العنف والدم منذ سقوط نظام صدام حسين في 2003.

يتناص سعداوي مع رواية "فرانكشتاين" للكاتبة الإنجليزية ماري شيلي في محاولة مقصودة منه لتصوير الواقع العراقي الأليم والتأكيد على مسؤولية الغرب عن كل ما جرى فيه.

بدأ سعداوي روايته بحادث تفجير أسفر عن عشرات القتلى والجرحى، هنا ظهر البطل الأول للرواية هادي العتّاك الذي راح يجمع أشلاء ضحايا هذا الحادث وغيره، ركّبها معاً حتى صنع جسداً واحداً، بعدها استقرت في هذا الجسد روح الشاب حسيب الذي مات هو الآخر في تفجير انتحاري، وهكذا تحول الجسد المجمّع من أعضاء الضحايا الممزقة إلى إنسانٍ متكامل الأعضاء له روح تتوق إلى الانتقام من قاتليها، هكذا ظهر في بغداد "فرانكشتاين العرب".

قرر "فرانكشتاين البغدادي" الانتقام من قاتليه تباعاً؛ ضابط فنزولي مرتزق عمل في شركة أمنية بالعراق، قيادي بتنظيم القاعدة، متطرفون منخرطون في تنظيمات إرهابية، مسؤولون حكوميون فاسدون وهكذا.. يمرُّ الوقت ببطل الرواية دون أن ينتهي من قائمة المطلوبين لديه حتى قال لنفسه "انتبهتً ذات ليلة أنني وفق هذه الخطة أمام قائمة مفتوحة لا تكاد تنتهي".

يقع البطل في معضلة كبرى حينما تبدأ أعضاؤه في التآكل ويحتاج إلى استبدالها بأخرى، هنا يضطر لقتل رجلٍ بريء ليسرق منه عينيه، وهو ما وضعه في إشكالية عويصة "مِمَّن سأقتصُّ الآن للثأر لهذه الضحية؟!".

في النهاية يكتشف البطل أن الانتقام لا يُمكن أن يكون حلاً مناسباً وأن دوامة العنف لن ولم تجلب إلا المزيد من العنف وهي الواقع الديستوبي الكئيب الذي فُرض على العراق منذ تدخل الغرب في شؤونه وفرض عليه الدمار والخراب ليس بالحاضر فقط ، ولكن في المستقبل أيضاً.

مكتبة جنان في ناحية القوش شمالي العراق- ارفع صوتك. (صورة تعبيرية)
6 روايات معاصرة عن واقع الأقليات وتاريخها في الدول العربية
هل قرأت سابقاً رواية تصنّف ضمن "أدب الأقليات"؟ إنه نوع مميز من الأدب الروائي، يسلط الضوء على الحياة الاجتماعية والثقافية، إلى جانب التحديات اليومية التي تعانيها الأقليات في أماكن إقامتها، سواء كانت ناتجة عن التهميش أو الصراعات أو القوانين، وغيرها من أمور.

"عطارد"، محمد ربيع

في روايته تخيّل ربيع أن مصر عانت ضعفاً كبيراً نتيجة لثورتي 2011 و2013 اللتين صنعتا فراغاً في السُلطة، وهو أمر استغلّه فرسان مالطة الباحثون عن دولة يحكمونها للنزول إلى القاهرة واحتلالها.

حرص الكاتب على تأكيد الرابطة التاريخية بين فرسان مالطة والحملات الصليبية التي هاجمت مصر بالعصور الوسطى لتأكيد أن هذا الاحتلال الحديث ما هو إلا حملة صليبية جديدة استولى فيها الأوروبيون على أرض مصر وخيراتها.

الرواية الصادرة لأول مرة في 2014 تخيلت أن عام 2023 أتى محملاً بالدمار على القاهرة بعدما تعرضت لقصفٍ عنيف دمّر البنوك والفنادق ودار الأوبرا ومباني الوزارات، أما تمثال إبراهيم باشا الضخم المنصوب وسط القاهرة فقد قُطعت رأسه وأجزاء من حصانه.

في روايته أظهر ربيع أن المصريين أصابهم الوهن، حتى إنهم تقبّلوا الاحتلال بسهولة، وسمحوا له بإقامة "دولة استعمار فاسدة" بينهم. في هذا المجتمع المصري "المُستعمَر" جرى إخراس رجال الأزهر والمثقفين، وأقرَّ مجلس الشعب قانوناً لترخيص الدعارة، وأباح للعاهرات عمل نقابة لهن، كما سمحت الحكومة أيضا للمخدرات بالانتشار على نطاقٍ واسع كوسيلة لإلهاء الناس، يقول أحد الأبطال "الجميع يكربن (يشرب المخدرات) يا باشا، البلد كلها مكربنة ولا يُمكنك منع ذلك".

لم تتوقف المتاعب عند هذا الحد، وإنما تتعرّض العاصمة المصرية لوباءٍ غامض يصيب الأطفال ويُفقدهم حواسهم الواحدة تلو الأخرى، بهذا يرغب الكاتب في تأكيد أن الوضع الفاسد الحالي سيؤثر في المستقبل، وقد يقضي عليه نهائياً بعدما أفرز مرضاً يحصد أرواح الأطفال.

 

"الانحناء على جثة عمّان"، أحمد الزعتري

في روايته الأولى تخيّل الزعتري مستقبلاً كابوسياً للعاصمة الأردنية عاشت فيه حرباً أهلية طويلة دمّرت المدينة.

نقطة تفجر الأحداث في الرواية هي المظاهرات التي عرفتها المملكة الهاشمية في 2011، وعُرفت بِاسم "الحراك الأردني"، ورغم أنها في الواقع شهدت احتواءً ذكياً من قِبَل السُلطات الأردنية إلا أن الزعتري تخيّل العكس.

افترض الزعتري أن هذه التظاهرات قادت البلاد إلى طريق أقرب للنموذج السوري؛ حرب أهلية، دمار في كل مكان، تحوّلت العاصمة عمّان إلى مدينة مدمّرة.

بعد أشهر قليلة من عرضها بالمكتبات مُنعت هذه الرواية من قِبَل الرقابة الأردنية بدعوى إساءتها للمجتمع.

 

"العربي الأخير"، واسيني الأعرج

اختار الأديب الجزائري أن تدور أحداث روايته في عام 2084 في تأثر واضح برواية جورج أورويل 1984. دارت أحداث الرواية في الذكرى المئوية لميلاد الأخ الأكبر في رواية أورويل.

في هذا الزمن انقرضت جميع الجماعات الدينية، ولم يبقَ إلا تنظيم متطرف واحد لا يكفُّ عن تدبير الجرائم الإرهابية ضد الناس، ألمانيا تحوّلت إلى كيان عملاق احتوى كل البلدان المحيطة به، أما أوروبا فلقد سيطرت عليها قبائل الفايكنج، بينما عادت روسيا إلى عهد القياصرة، واستولت على أوكرانيا والمناطق المتاخمة لبحر قزوين.

وبالنسبة للعرب فقد كادوا أن يهلكوا، ولم يبقَ منهم ذو حيثية إلا فرد واحد هو "آدم" عالم الفيزياء الذي جرى اعتقاله بأمرٍ من المارشال ليتل بروزر (الأخ الأصغر بالإنجليزية) الذي يحكم العالم من داخل قلعة أميروبيا (أمريكا + أوروبا) التي تقع في الربع الخالي، وتسيطر على البحر الأحمر ومضيق هرمز.

الماريشال بروزر فرض قبضته على العالم كله عبر مراقبة كل فردٍ به بواسطة تقنيات شديدة الدقة، في هذا العالم يتنبأ واسيني أن العرب سيصلون إلى قمة انحلالهم، فتنهار دولهم ولا يتبقى منها إلا قبائل ضعيفة يحاصرها الجوع والعطش، وتلجأ إلى قلعة الماريشال بروزر ليمنَّ عليها بالطعام والماء.

يقول الكولونيل صامويل أحد أبطال الرواية خلال حديثه عمّا بقى من العرب "هؤلاء الآرابيين القادمين من بعيد، مساكين حقيقة، تأكلهم الصحاري والبرد والمجاعات، عظامهم تكاد تنكسر وتخرج من تحت الجلد من شدة الجوع والتعب والخوف".

أبقى المارشال بروزر على حياة آدم ليستغله في صناعة قنبلة نووية محدودة التأثير ليستخدمها في سحق أعدائه -وأغلبهم من العرب- ويعمل آدم داخل قلعة تحمل شعارات معادية لقومه مثل "العربي الجيد هو العربي الميت" و"في عقر دارك يا صلاح الدين".

تمنّى المارشال بروزر الانتهاء من الاختراع مع حلول السنة الاستثنائية من حياته، يقول "العالم كله يحتفل بهذه السنة التي يُسميها سكان القلعة سنة الماريشال، جدي بيج بروزر، هو قدوتي في الحياة".

وعلى لسان المارشال بروز جاء وصف العرب بأنهم "أمم لا تملك قابلية الاستمرار في الزمن فتقضي على نفسها بنفسها".

"في ممر الفئران"، أحمد خالد توفيق

قدّم الأديب المصري رواية أخرى دارت فلك الديستوبيا وهي "في ممر الفئران" التي ابتعدت عن المستقبل المصري هذه المرة، وعمّم توفيق رؤيته المتشائمة لتشمل الكوكب بأسره.

بطل الرواية هو "الشرقاوي" الذي يتعرض لغيبوبة طويلة يعجز الأطباء عن إفاقته منها، وفي غيبوبته تنتقل روح "الشرقاوي" إلى عالم من الظلال تنقطع عنه الشمس بعد سقوط نيزك على كوكب الأرض لم يدمّرها، لكنه حجب عنها أشعة الشمس وأغرق الأرض في ظلام حالك وأسقطها في هوّة عالم فاسد "هناك رائحة الأنفاس والعرق، وأكوام القمامة والفئران، ورائحة دورة مياه لم يتم إصلاحها منذ قرون".

في ظِل هذا الظلام الذي انتشر في معيته الجهل والضعف والخرافات ظهرت شخصية "القومندان" وهو ديكتاتور فاسد اصطنع من الظلام "عقيدة دينية" فرضها على البشر، وأقنعهم بوجوب اتباعها، وأن أي محاولة لإنتاج النور -ولو عبر إشعال النار - يجب معاقبة صاحبها بالإعدام.

رفضاً لهذه "الديكتاتورية الظلامية" تنشأ مجموعات مقاومة أطلقوا على أنفسهم اسم "النورانيون" يتمردون على هذه القوانين بل وعلى سُلطة القومندان نفسه، ينضمُّ الشرقاوي إلى هذه الجماعة لبعض الوقت إلا أنه في النهاية ينقلب عليهم وينضمُّ إلى "الظلاميين".

برّر توفيق هذه النهاية بأن "النهايات السعيدة تم استهلاكها وباتت لا تمت للواقع بصِلة، وأن الشر معنا وفي داخلنا وقد ينتصر على الخير أحياناً".

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي اعتمد فيها الأديب المصري على هذه الحبكة، فقد سبق وأن قدّمها بتفاصيل شبيهة جداً في إحدى أعداد سلسلته الشهيرة "ما وراء الطبيعة" وهو مغامرة "أسطورة أرض الظلام".