عام 1959 أجرت صحيفة "الأخبار" المصرية حديثاً سريعاً مع المطربة أم كلثوم، سئلت فيه عما إذا كانت مشروعاتها الغنائية الجديدة مستمرة رغم الصيام في شهر رمضان من ذلك العام، فكان جوابها "طبعاً"، في إشارة إلى عدم تضارب عملها الفني مع الشهر المقدّس لدى المسلمين.
وأم كلثوم كانت معروفة منذ بداياتها بخلفيتها الدينية، كما قدّمت أعمالاً فنية دينية أشهرها مسلسل"رابعة العدوية" الإذاعي، الذي تضمن أغنيات طابعها صوفي، مثل "عرفت الهوى مذ عرفت هواك" و"حانة الأقدار".
كما قدّمت أغان دينية أخرى أشهرها قصيدة "ولد الهدى" للشاعر أحمد شوقي، و"الثلاثية المقدسة" من كلمات الشاعر صالح جودت، و"برضاك يا خالقي" من كلمات بيرم التونسي.
وربما تكون أغنية "القلب يعشق كل جميل" واحدة من أشهر أغنيات أم كلثوم الدينية، مع أن كثيرين يظنونها أغنية حب، خصوصاً إذا لم يركّزوا جيداً في كلام المطلع ومعانيه، وقد كتبها بيرم التونسي عن الحج إلى مكة وعلاقته بالخالق في ذلك المكان المقدّس.
في "الكوبليه" الثاني من الأغنية يظهر بوضوح أنها تتحدث عن مكة بالاسم "مكة وفيها جبال النور طالة على البيت المعمور".
يشكّل الدين الإسلامي رافداً أساسياً للموسيقى الشرقية، خصوصاً أن من يطلق عليهم لقب "الكبار في الموسيقى الشرقية"، أتوا من خلفيات دينية، وبعضهم كانوا مشايخ أو تلاميذ لمشايخ أو أبناء مشايخ، كالشيخ سيد درويش والشيخ زكريا أحمد والشيخ أبو العلا محمد ورياض السنباطي ومحمد القصبجي وسيد مكاوي، فضلاً عن محمد عبد الوهاب الذي تعلم التجويد في طفولته قبل أن ينتقل إلى الغناء، وأم كلثوم كانت ابنة الشيخ المؤذن إبراهيم السيد البلتاجي.
من هنا يمكن أن نرى موسيقيين عرب يضعون ألحاناً دينية ويؤدون أغنيات دينية بالتزامن مع ما يقدمونه من ألحان وأغان دنيوية. وقد لحّن "موسيقار الأجيال" محمد عبد الوهاب دعاء "لبيك اللهم لبّيك" وغناه بصوته بمرافقة الآلات الموسيقية، كما أدى موشحات وابتهالات دينية، وله تسجيلات يستمع فيها إلى قارئ القرآن محمد عمران وهو يؤدي ابتهالات دينية بعضها ارتبط بشهر رمضان، مثل "شهر الصيام على الأيام قد فضلا".
ومن الأغاني الدينية (الإسلامية) المشهورة أيضاً "مولاي إني ببابك" لسيد النقشبندي وهذا الابتهال هو من ألحان بليغ حمدي، الذي لحن أشهر الألحان لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة وميادة الحناوي.
كما توجد تسجيلات لأم كلثوم وعبد الوهاب يتلوان فيها آيات من القرآن بصوتيهما. وقد طرح في وقت معين موضوع تلحين القرآن الذي يشكّل حساسية ويدخل ضمن المحرّمات لدى العديد من المراجع الدينية، وكانت أم كلثوم معارضة تماماً لهذا الطرح، كما هناك رأي للشيخ عبد الباسط عبد الصمد، أحد أشهر مقرئي القرآن في القرن العشرين، يشدد فيه على أنه لا داع لإضافة ألحان إلى القرآن لأنه ملحّن بحد ذاته.
محمد عبد الوهاب كان من أكثر المتحمسين للتزاوج بين النص الديني والموسيقى، وقد طبّق هذا الأمر في كثير من ألحانه، أبرزها وأوضحها "دعاء الشرق"، الذي قال عبد الوهاب إنه استوحى لحنه من تجويد إمام مسجد لسورة "الضحى".
وحدث هذا التزاوج بين الأغاني الدينية والدنيوية في بعض الحالات عبر اقتباس ألحان أغنيات أو موشحات أو ابتهالات دينية وصياغة أغان دنيوية على هواها، كما حصل مع لحنين للشيخ العراقي الملا عثمان الموصلي، وهما "زوروني كل سنة مرة" التي غناها سيد درويش وكانت أغنية دينية كلماتها تقول "زوروا قبر الحبيب (الرسول محمد) مرة"، وأغنية "فوق النخل" التي غير كلماتها الدينية ناظم الغزالي وغناها لتشتهر بصوته بكلمات مختلفة وتشيع على حساب الأغنية الدينية الأصلية التي كانت كلماتها تقول "فوق العرش".
لفهم هذا التداخل، هناك بعدان إيقاعيان في الموسيقى الشرقية، كما يشرح المتخصص في علم الموسيقى الملحّن اللبناني زياد سحاب لـ"ارفع صوتك"، هما "البعد الدوري الحركي، أو الـMesure الموجودة في جميع أنواع الموسيقى، والبعد الآخر الخاص بالموسيقى الشرقية، هو الإيقاع الوزني الكلامي، وتقطيع الكلام، الذي يخلق تداخلاً بين تجويد القرآن وبين الموسيقى، لأن مجرد قراءة القرآن مع مراعاة الإيقاع الوزني والكلامي، تضعنا أمام إيقاع موسيقي داخلي في النص القرآني".
ويضيف أن "شفهية موسيقانا الشرقية في أساساتها القائمة على الارتجال، تتوافق مع تجويد القرآن الذي بدوره كان يخضع للارتجال من قبل المشايخ وكيفية انتقالهم بين المقامات بحسب المعنى والجو العام للآية التي يجوّدونها".
ولهذا كان تجويد القرآن يتطلب أن يكون الشيخ متمكناً ولديه صوت جميل، يشير سحاب إلى إمكانية ملاحظة وجود العديد من الموشحات الدينية التي تُنسب إلى "قديم"، أي أن اللحن قديم وصاحبه غير معروف.
هذه الموشحات، برأي سحاب، وضعها مشايخ "كانوا يخشون أو يخجلون من تبنيها بسبب المحاذير الدينية والأخلاقية".
لا يقتصر التداخل بين الدين والموسيقى على الإسلام، بل إن المسيحية شهدت هذا النوع من التداخل، خصوصاً في الموسيقى الكلاسيكية. كما كانت فرق دينية مسيحية، تختار أغان شعبية ومشهورة، فتغير من كلماتها، وتحمّلها معان دينية قابلة للانتشار بشكل أسرع، وتساعد في عملية التبشير، وفق سحاب.
ويتابع "مثل هذا الأمر حدث مع تجارب إسلامية كما تفعل إذاعة تابعة لجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية في لبنان (الأحباش) التي تبث أغنيات دينية ألحانها دنيوية معروفة، لكن لم يسجل أي اعتراض (فنّي) على الظاهرة بسبب تأثيرها المحدود جداً، إذ لم تشتهر أي من هذه الأغنيات بعد استبدال كلامها الدنيوي بآخر ديني".
