صورة (تم تلوينها) لأبطال فيلم "ابن الشرق" الذي مثل نجاحاً كبيراً للسينما العراقية المصرية المشتركة في البدايات
صورة (تم تلوينها) لأبطال فيلم "ابن الشرق" الذي مثل نجاحاً كبيراً للسينما العراقية المصرية المشتركة في البدايات

عُرض أول فيلم سينمائي في العراق في بدايات القرن العشرين. وفي الفترة المبكرة من هذا القرن عُرضت بعض الأفلام الأجنبية الصامتة في قاعات السينما المحدودة التي كانت موجودة في بغداد في ذلك الوقت.

تدريجياً، زاد عدد قاعات السينما، وتم عرض بعض الأفلام الأجنبية الناطقة، وفي الوقت ذاته عُرضت بعض الأفلام المصرية التي حققت شهرة كبيرة في العديد من البلاد العربية.

تسبب إقبال الجمهور العراقي على مشاهدة الأفلام المصرية في دفع بعض المنتجين العراقيين للتفكير في عقد شراكة سينمائية مع الفنانين المصريين، لتشهد أربعينيات القرن الماضي عرض بعض الأفلام المصرية- العراقية المشتركة.

بدأت تلك الأفلام عام 1946 بفيلم "ابن الشرق" من إنتاج شركة "أفلام الرشيد" العراقية-المصرية، وكان من إخراج المصري إبراهيم حلمي، وطولة بشارة واكيم ومديحة يسري ونورهان، والعراقيين عادل عبد الوهاب وعزيز علي وحضيري أبو عزيز.

دارت أحداث الفيلم حول شاب عراقي يدرس الطب في القاهرة وينفصل عن حبيبته ليقع في شباك فتاة لعوب، قبل أن يكتشف حقيقتها ويعود مرة أخرى إلى حبيبته في نهاية الفيلم.

بعد عام واحد عُرض فيلم "القاهرة بغداد"، وهو إنتاج عراقي مصري مشترك من كتابة يوسف جوهر، وإخراج المصري أحمد بدرخان. شارك في بطولته مجموعة من الممثلين العراقيين والمصريين، مثل سلمان الجوهر، وإبراهيم جلال، وبشارة واكيم، ومديحة يسري، وحقي الشبلي.

تدور أحداث الفيلم حول شاب عراقي يُتهم بقتل عمه، فيسافر إلى مصر هارباً، وهناك يقع في حب فتاة مصرية جميلة، ثم يعرف أن الشرطة العراقية ألقت القبض على القاتل الحقيقي فيقرر عندها العودة مع حبيبته إلى العراق.

في عام 1949، قامت شركة "ستوديو بغداد" باستثمار نجاح الفيلمين السابقين عندما أنتجت فيلم "ليلى في العراق" من إخراج المصري أحمد كامل مرسي، وبطولة جعفر السعدي، وإبراهيم جلال، وعفيفة إسكندر، ونورهان.

حكى الفيلم قصة الفتاة الجميلة ليلى التي تعيش في لبنان ويضغط عليها أبوها للزواج من شخص ثري لا تحبه. تهرب ليلى في ليلة الزفاف وتسافر إلى العراق لتعيش مع عمها، وهناك تتعرف على شاب وسيم وتقع في غرامه.

على النقيض من "ابن الشرق" و"القاهرة بغداد"، لم يحقق فيلم "ليلى في العراق" أي نجاح ماديّ، حتى أن خسائره تسببت في توقف "ستوديو بغداد" عن الإنتاج السينمائي.

ملصق فيلم "عليا وعصام" الذي يعتبر أول فيلم من انتاج عراقي
السينما العراقية بين "حرية" أفلام "الأسود والأبيض" وقمع "ألوان" البعث
الملصق بالأبيض والأسود، يظهر فيه اسم الفيلم "عليا وعصام"، وأسماء ثلاثة ممثلين، هم إبراهيم جلال وسليمة مراد وعزيمة توفيق، كما يظهر عصام محتضناً عليا. وفي أعلاه عبارة "ستوديو بغداد للأفلام يقدّم"، وفي الأسفل شعار "ستوديو بغداد للأفلام والسينما"، وهي الشركة التي أنتجت الفيلم.

 

السينما العراقية المستقلة

في منتصف خمسينيات القرن الماضي ظهرت السينما العراقية المستقلة، وانفصل السينمائيون العراقيون للمرة الأولى عن شركائهم المصريين، وتمكنوا من إنتاج عدد من الأفلام المهمة.

كان فيلم "فُتنة وحسن" الذي أُنتج في 1955 أول فيلم سينمائي عراقي خالص، أخرجه حيدر العمر، وهو من تأليفوسيناريو وحوار عبد الهادي مبارك. دارت أحداثه في إحدى القرى العراقية الهادئة حول علاقة الحب التي جمعت بين الفتاة "فُتنة" وابن عمها "حسن"، وما مرت به هذه العلاقة من تهديد بسبب زوجة والد حسن.

من الأفلام المهمة التي صدرت في تلك المرحلة، الفيلم التاريخي "نبوخذ نصر" الذي أنتج في عام 1962، ويُعدّ أول فيلم عراقي ملون على الإطلاق. قام كامل العزاوي بإخراج وتأليف الفيلم، وشارك في بطولته عبد المنعم الدروبي ويعقوب القرة غول وفوزي محسن الأمين وسامي عبد الحميد وسهيلة فوزي.

دارت أحداث الفيلم حول شخصية الملك البابلي الكلداني نبوخذ نصر الثاني الذي حكم بابل في القرن السادس قبل الميلاد، ولعب دوراً مهماً في نهضة بلاد الرافدين.

 

النضج والازدهار

عرفت العراق مرحلة جديدة من مراحل تطور صناعة السينما بدءاً من سبعينيات القرن الماضي. في تلك المرحلة، قامت الحكومة العراقية ممثلة في "المؤسسة العامة للسينما والمسرح" بإنتاج العديد من الأفلام المهمة.

يشرح السيناريست العراقي ولاء المانع التطور الذي حدث في تلك الفترة: "حتى بداية الحرب العراقية الإيرانية في 1980، كانت السينما العراقية تخطو خُطى ناجحة نحو السينما الواقعية. في هذا السياق أنتج عدد لا بأس به من الأفلام المهمة مثل فيلم (الجابي) من إخراج جعفر علي عام 1966، وفيلم (المنعطف) عام 1975 للمخرج نفسه".

يُعدّ فيلم :الظامئون" من الأفلام المهمة التي عُرضت في تلك المرحلة، حيث عرض عام 1972. وهو من إخراج العراقي محمد شكري جميل، وقصة وسيناريو وحوار عبد الرزاق المطلبي. ومن بطولة غازي الكناني وغازي التكريتي وخليل شوقي وناهدة الرماح.

تدور أحداثه في إحدى القرى العراقية الفقيرة، التي تُصاب أرضها بالجفاف. في بادئ الأمر، يفكر أهل القرية في الهجرة إلى مكان آخر، لكنهم يتفقون في نهاية المطاف على الالتفاف حول أحد شيوخ القرية لحفر بئر.

لاقى الفيلم ترحيباً كبيراً في الأوساط السينمائية الدولية، كما فاز بجائزة مهرجان "طشقند" السينمائي الدولي في 1973، ووصفه الناقد السينمائي مهدي عباس بأنه "شكّل علامة فارقة في مسار التجربة السينمائية في العراق"، كما أعلن التأسيس الرسمي للواقعية التسجيلية في السينما العراقية.

مع دخول الثمانينيات، وبالتزامن مع وصول صدام حسين إلى السلطة، ظهرت بعض الأفلام التي عملت على تمجيد النظام القائم. مثل فيلم "الأيام الطويلة" عام 1980، من إخراج المصري توفيق صالح.

دارت أحداث الفيلم حول قصة رئيس النظام البعثي اعتماداً على رواية كتبها الشاعر عبد الأمير معلّة من جزئين بالعنوان نفسه، وتتحدث عن محاولة اغتيال رئيس وزراء العراق عبد الكريم قاسم، التي شارك فيها صدام حسين مع شبان آخرين، وهربوا إلى سوريا بعد فشل العملية.

تذكر هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي"، أن "ثقة النظام بنفسه جعلته يعتقد أن بإمكانه توظيف كتّاب وفنانين من أي مكان... تعال إذاً يا توفيق صالح وأخرج لنا فيلماً عن جزء مهم وخطير من تاريخ العراق"، بحسب تعبيرها.

ظهرت ملامح التدخل السياسي في صناعة السينما مرة أخرى سنة 1981، بالتزامن مع إنتاج الفيلم التاريخي الضخم "القادسية"، إذ اضطلعت وزارة الثقافة العراقية بإنتاج هذا الفيلم، وأخرجه المصري صلاح أبو سيف، وكتب له السيناريو والحوار الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن، فيما لعب دور البطولة ثلّة من النجوم العرب، من مصر مثلاً سعاد حسني وعزت العلايلي، ومحمد المنصور من الكويت، والعراقية سعدية الزيدي.

قُدرت تكاليف إنتاج الفيلم بحوالي أربعة ملايين دينار عراقي (نحو 15 مليون دولار آنذاك)، وكانت ميزانية الفيلم هي الأعلى في تاريخ السينما العربية حتى توقيت عرضه. كان الهدف الأهم من الفيلم الاستحواذ على تعاطف الشارع العربي في الحرب ضد الجانب الإيراني.

لكن مع كل هذا الصرف، لم يحقق الفيلم الهدف المنشود، حيث عُرض على نطاق محدود في بعض قاعات السينما داخل عدد من الدول العربية، ومُنع عرضه في الدول التي ساندت إيران في حربها، مثل سوريا وليبيا.  

كما فشل الفيلم في الحصول على الموافقة اللازمة من جانب الأزهر الشريف بمصر، بعدما أصدرت لجنة الدراسات والأبحاث الإسلامية بياناً رفضت فيه عرض الفيلم بسبب تجسيده لشخصية الصحابي سعد بن أبي وقاص، وهو واحد من "العشرة المبشرين بالجنة" الذين ترفض المؤسسة الأزهرية تجسيدهم في أي عمل فني.

في عام 1983، قامت الحكومة العراقية بتأكيد النزعة الوطنية في صناعتها السينمائية مرة أخرى، من خلال إنتاج فيلم "المسألة الكبرى" الذي عُرف أيضاً باسم "صدام الولاءات". كان من إخراج محمد شكري جميل، وبطولة العراقيين غازي التكريتي ويوسف العاني وسامي الملاك، إضافة لممثلين أجانب هم أوليفر ريد وهيلين ريان.

تحدث الفيلم عن "ثورة العشرين" وأهم أحداثها وأظهر البطولات الكبيرة التي قام بها العراقيون أثناء تصديهم للاحتلال الإنجليزي. بلغت ميزانية الفيلم 24 مليون دولار، ورُشح للجائزة الذهبية في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1983.

 

التدهور

تأثرت السينما العراقية بشكل كبير بالأحداث السياسية التي وقعت في تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الثانية وفرض الحصار الاقتصادي على العراق.

من بين الأفلام القليلة التي أنتجها العراق في تلك المرحلة، فيلم "الملك غازي" عام 1993، من تأليف وسيناريو معاذ يوسف، وإخراج محمد شكري جميل. وتناول الفيلم سيرة الملك غازي الذي حكم العراق في ثلاثينيات القرن العشرين. كما سلط الضوء على الجهود التي بذلها لتحرير العراق من النفوذ البريطاني.

تدهورت أوضاع الصناعة السينمائية العراقية بعد سقوط نظام البعث في 2003، وعانى الفنانون العراقيون من الإهمال ورحل الكثير من المبدعين إلى الخارج لضعف الإمكانيات المادية المُتاحة.

يبين المانع لـ"رفع صوتك" أهم المعوقات التي تعرضت لها صناعة السينما في العراق في تلك المرحلة: "أعتقد أن السينما العراقية ما زالت تبحث عن هويتها، خصوصاً أن العراق بعد سنة 2003 لا يشبه عراق ما قبله، وقد تغير كل شي. في الحقيقة، لا توجد سينما عراقية تشبه السينما في أي مكان بالعالم، فنحن نصنع سينما من أجل المهرجانات والمشاركات الخارجية، إذ لا توجد لدينا صالات سينما كافية بل هناك عدد كبير من المدن العراقية تخلو من أي دار سينما. أيضاً".

"كما لا توجد شركات إنتاج سينمائي ولا منتجين أصلاً، وليس هناك أي رؤوس أموال مخصصة للإنتاج السينمائي. باختصار، كل ما يُنتج في العراق من أفلام هو مجرد محاولات فردية تتم في ظل حصول بعض المخرجين على منح من هنا وهناك"، يتابع المانع.

يُعدّ الفيلم الوثائقي "ابن بابل" الذي أُنتج عام 2009 من أبرز المحاولات الفردية التي أشار لها المانع، حيث أُنتج من خلال جهود عراقية- فرنسية مشتركة، وأخرجه العراقي محمد الدراجي.

تدور أحداث الفيلم في شمال العراق عام 2003 عقب سقوط نظام صدام حسين. يتتبع الفيلم قصة طفل كردي يعيش مع جدته. وعندما يعرفان أن هناك بعض أسرى الحرب الذين عُثر عليهم أحياء في جنوب العراق، فإنهما يخوضان رحلة طويلة أملاً في العثور على والد الطفل الذي فُقد في سنة 1991 أثناء حرب الخليج الثانية.

أما فيلم "جنائن مُعلقة" للمخرج العراقي أحمد ياسين، فهو من أواخر المحاولات السينمائية التي شهدها العراق مؤخراً، تدور أحداثه حول أسعد البالغ من العمر 12 عاماً، الذي يتبنى دميةٍ جنسية أميركية عُثر عليها في أماكن النفايات ببغداد.

لاقي الفيلم استحسان العديد من النقاد والسينمائيين، وفي سبتمبر 2022 تمكن من المشاركة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي.

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".