صورة من المسلسل السوري "الحسن والحسين" الذي مُنع من العرض في العراق بقرار برلماني عام 2011
صورة من المسلسل السوري "الحسن والحسين" الذي مُنع من العرض في العراق بقرار برلماني عام 2011

على امتداد أكثر من قرن منذ انطلاق أول العروض السينمائية والمسرحية والتلفزيونية في العراق، أصدرت السلطات العراقية قرارات بمنع العديد من تلك الأعمال الفنية بضغط من أحداث سياسية وأخرى دينية أو اجتماعية.

حالات إيقاف الأعمال الفنية في أغلبها جاءت استناداً إلى قناعات السلطات الرسمية. ففي العهد الملكي مُنعت أعمال لأنها "تضر بالمصلحة العامة"، وفي حقبة النظام البعثي فُرضت  رقابة صارمة على الأعمال الفنية بهدف ضبط إيقاعها لتتناسب مع توجهاته الفكرية في تمجيد هرم السلطة.

ووصولاً إلى حقبة ما بعد عام 2003 التي أعطت الحرية في تناول أغلب المواضيع، باستثناء ما يتم اعتباره مساساً بالمقدسات أو يمكن أن يسيء إلى رموز دينية أو يُخلّ بالتوازن الاجتماعي، ووفق ما تتطلبه المرحلة السياسية أو الحالة الأمنية التي يمر بها البلد.

بالنتيجة، جرى منع عرض العديد من الأعمال الفنية في المسرح والسينما والتلفزيون. أحدثها خلال موسم رمضان الحالي، مسلسل "عالم الست وهيبة" الذي انتُقد بدايةً بسبب "الإساءة لرموز وشخصيات دينية" ثم تم إيقافه بناءً على دعوى رفعها مؤلفه، لأنه "لم يحصل على مستحقاته المالية".

وتعليقاً على ذلك، أصدرت نقابة الفنانين العراقيين بياناً، تعلن فيه "رفضها القاطع" للمساس بالأعمال الفنية العراقية خصوصاً الدرامية "تحت أية ذريعة كانت".

وقالت إنها "تحيط الجمهور علماً بأن جميع النصوص الدرامية المنتجة يتم فحصها وإجازتها من قبل لجنة فنية متخصصة في هذه النقابة"، مؤكدةً أن هناك "تنسيقاً تاماً بين هذه النقابة وهيئة الإعلام والاتصالات كجهة حكومية متخصصة في رصد النشاطات المتنوعة على شاشات الفضائيات".

الملصق الدعائي للجزء الثاني من مسلسل عالم الست وهيبة.
"عالم الست وهيبة".. اتهامات بـ"الإساءة للمقدسات" وإيقاف بحجة "مستحقات مالية"
بعد جدل واسع رافق عرض الجزء الثاني من مسلسل "عالم الست وهيبة"، وتضمن مطالبات برلمانية ودينية بإيقافه بتهمة "الإساءة لشخصيات رموز دينية"، أصدر القضاء العراقي، اليوم الأثنين، أمراً ولائياً بإيقاف عرض المسلسل.

 

على خشبة المسرح

مع الاضطرابات السياسية التي شهدها العراق خلال خمسينات القرن الماضي، ضاعفت الحكومة العراقية رقابتها على المسرح، فتقرر منع وإيقاف العديد من المسرحيات، أبرزها اثنتان ليوسف العاني وهما "مو خوش عيشة" و"رأس الشليلة"، كما صرّح الفنان الراحل سامي عبد الحميد.

وفي عام 1957، ألغيت إجازة فرقة المسرح الحديث بعد رفض الرقابة نصاً مسرحياً حمل عنوان "هذا المجنون الفني". والسبب كما جاء في نص الأمر الحكومي أن الفرقة "تعرض الادعاءات التي تستهدف النيل من أوضاع البلاد السياسية والاجتماعية، ولعدم مراعاتها مقررات فحص النصوص التمثيلية".

وأضاف الأمر الحكومي أن "تصرفات هذه الفرقة مضرّة بالمصلحة العامة، لأنها تقدم في مسرحياتها كثيراً من المشاكل وتنبّه الناس عليها، وكثيراً ما تضع اللوم على الحكومة بأنها المتسببة في إفقار الشعب وحالته السيئة التي وصل إليها".

خلال الستينيات، أصدرت السلطات التي أزاحت حكم عبد الكريم قاسم أمراً بإلغاء إجازات الفرق المسرحية جميعها، كما اعتقلت يوسف العاني الذي كان مديراً عاماً لمؤسسة السينما والمسرح آنذاك.

وفي عام 1995، أوقفت السلطات البعثية عرض مسرحية "الليالي السومرية"؛ بسبب النص الذي قالت عنه مؤلفته لطفية الدليمي في مقال لها إنه كان "نصاً جندرياً لملحمة جلجامش يجسد الأنوثة في مواجهة غطرسة السلطة ودور المرأة في صنع الحضارة والبحث عن لغز الحياة والموت".

والسبب الرئيس في إيقاف عرضها "تضرّع النساء الآلهة أن تخلق نداً ليقارع جلجامش المتجبر ويهزمه بسبب أفعاله بمدينة أوروك وأهلها".

 

في السينما

 

في عام 1995 منعت السلطات العراقية عرض فيلم "الأيام الطويلة" الذي كان يحكي أحداثاً مستوحاة من قصة حياة رئيس النظام العراقي الأسبق صدام حسين. ويتحدث الفيلم عن محاولة اغتيال رئيس وزراء العراق عبد الكريم قاسم التي شارك فيها صدام نفسه مع شبان بعثيين آخرين، وهروبه إلى سوريا بعد إصابته بطلق ناري في قدمه.

اختير لأداء دور البطولة (أي دور صدام حسين) في الفيلم، صدام كامل، الذي تزوج وأخوه حسين كامل من ابنتي صدام حسين لاحقاً، وقتلا على يدي القوات الأمنية بعد عودتهما من فترة لجوء قصيرة في الأردن، ليتم منع الفيلم بعد أن كان يُعرض بشكل دوري على شاشة التلفزيون العراقي.

الأسباب السياسية أدت أيضاً إلى منع عرض العديد من الأفلام في العراق، وهو ما تحدث عنه المخرجان فيصل الياسري ومحمد شكري جميل في جلسة حوارية خلال استضافتهما في معرض العراق الدولي للكتاب.

جاء الحديث بعد سؤال من الجمهور يتعلق بالأفلام الممنوعة من العرض في العراق، ليشير محمد شكري جميل إلى إيقاف فيلمه "السلاح الأسود" في السبعينات حيث أشار الاسم حينها إلى المقوار، وهو أداة مصنوعة يدوياً من عصا غليظة يتم تشكيل دائرة من القير الأسود في طرفها العلوي لاستعمالها كسلاح خلال المعارك من قبل أبناء العشائر قديماً.

وقال جميل خلال الجلسة إلى أن منع الفيلم تم بأمر من رئيس النظام آنذاك، لأنه "يكشف أن أدوات الثورة أدت لفشلها (...)" مضيفاً "أعتقد أن منع الفيلم هو أشبه بعملية اغتيال للحقيقة".

وأشار الياسري أيضا أنه في عام 2013 جرى منع فيلم آخر لجميل وهو "المسرّات والأحزان" الذي تم إنتاجه لصالح مهرجان "بغداد عاصمة الثقافة العربية"، وجاء المنع بعد شكوى قدمتها شركة إيرانية تتعلق بعدم تسديد حقوقها المالية.

وتعرض أحد أفلام الياسري إلى المنع وهو "بغداد حلم وردي" الذي أنتج هو الآخر لصالح المهرجان "بحجة أنه يثني على صدام حسين، رغم أن سيناريو الفيلم قُرئ من لجنة ضمت سبعة أعضاء من وزارة الثقافة دون أن يشيروا لوجود مثل هذه الفكرة".

 

على شاشة التلفزيون

منذ افتتاح تلفزيون العراق عام 1956 حتى العام الحالي، مُنعت العديد من الأعمال التلفزيونية من العرض لأسباب سياسية واجتماعية مختلفة. وكان يتم منع أعمال دول بعينها عن العرض إذا ما حصل خلاف سياسي أو حرب بين تلك الدولة والحكومة العراقية، كمنع عرض الأعمال الفنية الإيرانية بعد حرب الخليج الأولى والأعمال الكويتية بعد حرب الخليج الثانية.

في 2011، صادق البرلمان العراقي على قرار منع عرض المسلسل السوري "الحسن والحسين" على قناة عراقية لتطرّقه لما يُعرف في التاريخ الإسلامي بـ"الفتنة الكبرى" وهي واحدة من أهم الأحداث التي أدت لانقسام المسلمين بين سنة وشيعة وخوارج.

وتطرق المسلسل إلى حياة حفيدي الرسول محمد، الحسن والحسين، ودورهما في الدفاع عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان ومساندتهما والدهما عليا بن أبي طالب، حتى مقتل الإمام الحسين في عهد يزيد بن معاوية، وهي فترة تاريخية حافلة بالأحداث والصراعات والخلافات المذهبية.

في العام الماضي، أثارت عدة مسلسلات الجدل في العراق بعد الإعلان عن تنفيذها أو عرضها على القنوات الفضائية أولها الجدل حول عرض مسلسل "معاوية" الذي أثار الكثير من ردود الفعل حتى قبل عرضه، ليصل إلى التهديد بإنتاج عمل يحمل اسم "شجاعة أبي لؤلؤة" وهو قاتل الخليفة عمر بن الخطاب.

حصل ذلك قبل أن تُنهي هيئة الإعلام والاتصالات العراقية الجدل بقرارها منع بث العملين، وذكرت وكالة الأنباء العراقية حينذاك أن "التوجيه يأتي في إطار الرغبة في عدم بث أي أعمال فنية تتناول موضوعات تاريخية جدلية ومنها العملان الفنيان المذكوران".

الخلافات حول الدراما في العراق لم تكن لأسباب دينية فحسب. ففي الموسم الرمضاني الماضي أيضاً احتدم النقاش بعد عرض المسلسل العراقي "الكاسر" لأسباب اجتماعية. وهو يروي قصة "شيخ عشيرة" محب للنساء وذي سلوك إجرامي، الأمر الذي اعتبرته العديد من الجهات إساءة إلى أعراف وتقاليد العشائر العراقية جنوب العراق.

تم إيقاف العمل من قبل هيئة الإعلام والاتصالات، رغم تصريح بطله غالب جواد بأنه "لا يمثل أي جهة لا جنوبية ولا شمالية ولا غربية، بل هو عمل ريفي غير واقعي".

انتقدت "منظمة المرأة العراقية" المسلسل العراقي "انفصال" الذي يعرض حالياً في رمضان، وطالبت بإيقاف عرضه، لأنه "يصور المرأة...

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Wednesday, March 20, 2024

مواضيع ذات صلة:

هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".