تُعد الأعمال الدراميّة التلفزيونية كغيرها من الفنون مرآة تُعبّر بالعادة عن نبض المجتمع ويعكس سلبياته بغرض النقد والتقويم إضافة إلى مهمة الفُرجة والترفيه التي يُصرّ غالبية النقّاد على أنها الغاية البعيدة في أيّ عمل يتم إنتاجه وتسويقه.
وكغيرها من القطاعات، حرص النظام السوري منذ استلام الحكم في سوريا على تطويع الأعمال الدرامية وتدجينها بشكل أو بآخر عبر عدّة طرق، من أهمّها تحويل الوسط الفنّي إلى وسط مُوالٍ للسلطة بالترغيب أو الترهيب، وإعمال مقصّ الرقابة في جميع الأعمال المعروضة على الشاشة بحيث لا يمكن أن يمرّ أي عمل أو أي مشهد غير خاضع للسُّلطة أو موجّه منها.
وبعد اندلاع الحرب في سوريا ركّز النظام السوري بشكل أكبر على فحوى الأعمال التي يُنتجها أو يُخرجها أشخاص دانوا له بالولاء في الوسط الفنّي أو في ميدان شركات الإنتاج، بغية تسويق رؤيته للحرب في سوريا وتبرئته من مُجمل الانتهاكات التي رافقت الحراك بشقّيه السلمي والمسلّح، وإرسال رسائل للخارج لا تختلف كثيراً عن تصريحات مسؤوليه الرسمية.
"بيادق ناعمة"
بعد إلقاء نظرة على الأعمال الدرامية السورية (غير المشتركة) التي تُنافس الدراما العربية بأنواعها في موسم رمضان الحالي، يتجدد السؤال عن علاقة موضوعاتها وطريقة الطرح بالنظام الذي يسيطر على مختلف المواقع التي يتم فيها تصوير هذه المسلسلات، ومدى سطوته في توجيهها حسب رغبته.
يقول الناشط السوري الإعلامي أحمد المحمد: "منذ استلام حافظ الأسد للحكم حتى الآن، لا شيء (من الدراما) يُمثّل السوريين في سوريا سوى اسم الدولة فقط، فقد استطاع النظام إلى حدّ كبير أن يجعل صُنّاع وممثّلي الدراما السورية مجرّد بيادق ناعمة في يده، وأن يؤدّوا ما يريدون تحت شعار الفنّ".
وغالبية فنّاني ومُنتجي الدراما السورية، بحسب المحمد "ليسوا فقط مُوالين للنظام السوري من باب سياسي، إنما هم أدوات حقيقية في يده ومجنّدون لتحقيق غاياته، ومن يخرج منهم عن هذا الإطار يتم استبعاده وإنهاء مسيرته الفنية بشكل صامت".
بالتالي، فإن "الدراما السورية مجرد صدى ورسائل لما يريد النظام السوري تقديمه للداخل والخارج".
ماذا عن تناول الأعمال قضايا اجتماعية من قلب الشارع السوري وأحيائه الفقيرة وتاريخه على مختلف المراحل؟ يقول المحمد لـ"ارفع صوتك" إن "النظام يسمح دائماً بإلقاء الضوء على قضايا الفقر والعيوب الاجتماعية بين الناس، لكنه يمنع بشكل قطعي تداول أي آراء سياسية من شأنها أن تضعف موقفه أو تظهره في مظهر الحكم الديكتاتوري أو القمعي".
ويستدرك "حتى الأعمال التي حاولت تفسير الثورة الشعبية في سوريا مثل مسلسل (الولادة من الخاصرة) بأجزائه الثلاثة، حاولت بشكل غير مباشر تبرئة النظام وإظهار أن المسؤول عن القمع هم فقط مجرد مسؤولين يرتكبون انتهاكات فردية".
وتنافس في الموسم الحالي عدة أعمال لاقت صدى واسعاً بين السوريين والجمهوري العربي، مثل "تاج" من بطولة تيم حسن وبسام كوسا، ومسلسل "بيت أهلي" بطولة أيمن زيدان وسلوم حداد، و"ولاد بديعة" من بطولة سلافة معمار ومحمود نصّار، بالإضافة لمسلسل "العربجي" بطولة باسم ياخور وديمة قندلفت، ومسلسل "أغمض عينيك" من بطولة أمل عرفة ومنى واصف وعبد المنعم عمايري، و"مال القبّان" من بطولة خالد القيش وسلاف فواخرجي وغيرها.
واللافت هذا العام، أن أبرز الفنانين المشاركين في هذه الأعمال، ظهروا في صورة جماعية مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، شاركها بعضهم على صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي.
وقالت وكالة "سانا" الرسمية عن هذا اللقاء بين الفنانين والأسد، بأنه تضمن "حواراً حول صناعة الدراما وتحديات الإنتاج، والنصوص والتصوير، ودور الأعمال الدرامية حالياً داخل المجتمع، وسبل دعم صناعتها في المرحلة المقبلة".
تعزيز رواية النظام
لا يتوقّف الأمر عند توجيه الدراما ومنع أيّ عمل يعارض السُّلطة، إنما دخل المتنفّذون التابعون للنظام السوري في باب شركات الإنتاج بواجهات فنية للاستفادة من تحقيق أرباح عالية، كما يقول الناقد الفني السوري عبد القادر المنلا.
يوضح المنلا لـ"ارفع صوتك" أن جزءاً من الدراما السورية "حاول قبل وصول بشار الأسد للحكم عام 2000 أن يأخذ اتجاهات بعيدة عن سلطة الحكم، في محاولات المخرجين هيثم حقي ومأمون البنّي وغسان جبري على سبيل المثال، ثم ازداد بعد ذلك تحكّم الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري في صناعة الدراما، وظهر هذا جلياً بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011".
فقد سعى النظام بعد 2011، وفق المنلا، إلى "جعل الدراما السورية مجرّد بوق إعلامي يعزّز رواياته من جهة، ويوحي بأنه لم يتأثر بمجريات الحرب من جهة ثانية، كما استعان بمخرجين يقومون بهذا الدور بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل المخرجَين نجدة أنزور والليث حجو".
وحول بعض الأعمال التي تحدثت عن قضايا فساد داخل مؤسسات النظام، يعتقد المنلا أن النظام "له دور أيضاً في إقناع المشاهدين بأن الدوائر العليا منه بريئة من ذلك، وأن الفساد يُمارَس بشكل فردي وتتم ملاحقته ومحاربته بلا هوادة من قبل الحكومة".
وشهدت سنوات الحرب في سوريا انقساماً في المواقف السياسية بين الفنانين السوريين، وانقسموا ثلاثة أقسام، حيث اختار بعضهم تبنّي مواقف النظام بشكل حادّ والدفاع عن رؤيتها ورواياتها، فيما وقف آخر ضد النظام وأعلن تأييده للثورة الشعبية، بينما قررت الأغلبية منهم الصمت وعدم إظهار أي موقف تجاه ما يجري من مبدأ "فصل الفن عن السياسة".
