من احتفالات رمضان في العاصمة المصرية القاهرة- تعبيرية
من احتفالات رمضان في العاصمة المصرية القاهرة- تعبيرية

قبل حوالي 81 عاماً، غنّى الفنان المصري محمد عبد المطّلب أغنيته الشهيرة "رمضان جانا"، لتصبح جزءاً من مشهدية شهر رمضان منذ ذلك الحين حتى الآن في مختلف الدول العربية.

لشدّة شهرة الأغنية التي ألفها حسين طنطاوي ولحنّها محمود الشريف، قال مغنّيها "لو أنني أخذت جنيهاً واحداً مقابل كل مرة تُذاع فيها الأغنية لأصبحتُ مليونيراً".

زاد إدراج هذه الأغنية في مسرحية "العيال كبرت" التي عرضت عام 1979 من شهرتها، بعد أن غنّاها في المسرحية كل من أحمد زكي وسعيد صالح ويونس شلبي ونادية شكري لوالدهم رمضان السكّري (لعب دوره الفنان حسن مصطفى)، ولا يزال هذا المقطع من المسرحية يتردد على مواقع التواصل الاجتماعي ويلقى تفاعلاً حتى أيامنا هذه.

كانت مصر بفعل موقعها الرائد في السينما والمسرح والغناء، ولا تزال كذلك ولكن بنسبة أقلّ حتى اليوم، ترفد الدول العربية بأغنيات تجتمع عليها الكثير من الشعوب الناطقة بالعربية، فكيف الحال إذا كانت المناسبة شهر الصوم الذي يحتفي به المسلمون العرب كل عام؟

من الأغاني الأخرى التي خرجت من مصر وباتت تُغنّى وتذاع في دول عربية "وحوي وحوي... إيّاحة"، وهي أغنية لحُنها فولكرولي من كلمات حسين حلمي المانسترلي وغناء أحمد عبد القادر، بالإضافة لأغنية "هاتوا الفوانيس يا اولاد" الموجهة للأطفال، وغناها محمد فوزي.

 

كما لحّن سيد مكاوي من كلمات الشاعر فؤاد حدّاد سلسلة أغنيات لعب فيها الأول دور المسحّراتي. وأيضاً غنّت الفنانة اللبنانية صباح في أحد أفلامها المصرية مع فؤاد المهندس دويتو غنائي من ألحان محمد الموجي وكلمات الشاعر الغنائي الشهير حسين السيد، وفيه غنت صباح "الراجل ده هايجنني.. ييجي رمضان وخْناقُه يزيد.. عايز طباخّة سكة حديد"، فيرد المهندس "يا خواتي صايم وراجل شقيان، ومراتي عايزة تجوعني حتى في رمضان".

وتعتبر هذه من الحوارات الغنائية النادرة التي تتناول تأثير الصيام على طباع الناس.

في لبنان، يعتبر الفنان أحمد قعبور أحد أبرز الفنانين الذين خصصوا في أغانيهم مساحة لرمضان وطقوسه، كما كتب لحّن أغنيات مسلسل رمضاني شهير في لبنان في فترة التسعينيات بعنوان "حلونجي يا اسماعيل".

وكتب ولحّن أغنية قعبور "علّوا البيارق"، التي غناها أطفال دار الأيتام الإسلامية في بيروت قبل ما يزيد على ثلاثين عاماً. وظلّت الأغنية تستعاد من اللبنانيين طوال ثلاثة عقود في كل رمضان.

من كلماتها "يا نايم وحّد الدايم يا نايم وحّد الله/ مرحبا يا مسحِّر يا مرحبا/ المدينة عَصَوْتَك عم بتشرّع أبوابها/ وعّي أهالينا/ ضوي ليالينا..".

وفي العراق، تشترك بعض مناطقه، خصوصاً مدينة البصرة، مع دول خليجية في إحياء طقوس رمضانية يطلق عليها اسم "القرقيعان"، وهي معروفة بهذا الاسم في الكويت والسعودية وجنوب العراق، بينما تعرف في بغداد بـ"ماجينا".

خلالها يقوم الأطفال بترديد أغنية "ماجينا يا ماجينا حلّي الچيس وانطينا/ تنطونا لو ننطيكم/ بيت مكة نوديكم/ رب العالي يخليكم/ تعطونا كل ماجينا/ ما جينه.. ياما جينه"، في أزقة وأحياء بغداد القديمة.

يقول الباحث في تراث وفلكلور الشعوب وهاب شريف في مقابلة مع "ارفع صوتك"، إن "أصل كلمة الماجينا هي (لولاك ما جئنا) وكان يرددها الفقراء والأيتام بمناسبة ولادة الإمام الحسن التي تصادف ليلة النصف من رمضان، ومن هنا جاء الاحتفال بهذه الليلة".

وهناك رواية أخرى عن "الماجينا"، مفادها أن "سيده بغدادية يهودية اسمها (ريجنا) كانت تحسن للأطفال والناس وتشاركهم أفراحهم ومسراتهم، وكان الأطفال يقفون عند باب بيتها".

هذه الأغنية ترتبط بطقس شعبي متوارث، لكن هناك غيرها الكثير من الأغنيات التي غناها فنانون عراقيون لرمضان، أنتجت بمناسبة "الشهر الفضيل" حديثاً، بينها أغنية لحاتم العراقي تقول كلماتها "هل هلالك يا رمضان/ شهر التوبة والغفران/ يا رب اقبل مني صيامي/ شهر الطاعة يا رحمن".

وأعادت الفنانة العراقية رحمة رياض غناء "مرحب مرحب يا هلال" بصوتها، وهي أغنية أنتجت كجزء من حملة إعلانية لمؤسسة إعلامية سعودية، ونالت شهرة واسعة في الخليج وفي العالم العربي في نسختها الأولى عام 2016 ولا تزال تلقى نجاحاً جماهيرياً مرتبطاً برمضان إلى الآن. 

مواضيع ذات صلة:

Models are dressed in traditional Iraqi costumes during a fashion show at the Iraqi National Museum during the holy month of…
من عرض أزياء للملابس العراقية التقليدية في المتحف الوطني في بغداد- تعبيرية

"يكاد يكون (كتاب ألف ليلة وليلة) عَلَماً ثانياً على بغداد، لأن آثار حضارتها المادية ألح عليها طغيان الدهر حتى محاها، أما هي في هذا الكتاب فلا يزال سناها باهياً لم يخُب وصداها مدوياً لم ينقطع"، يكتب أحمد حسن الزيّات في كتابه "في أصول الأدب"، الذي أفرد فيه فصلاً كاملاً للحديث عن تاريخ الحكايات العربية التي جمعت في كتابٍ اشتهر بِاسم "ألف ليلة وليلة".

يرى الزيّات أن لهذه الحكايات فضل كبير على بغداد بعدما حفظت للتاريخ حضارتها الغابرة وخلّدتها بين الناس كـ"متحف للأعاجيب" مؤدية في ذلك دوراً مناظراً لما فعلته النقوش التي خلّفها الفراعنة على جدران معابدهم ومقابرهم.

ورغم أن أحداث القصص تدور في كثير من مدن العراق مثل البصرة والموصل والأنبار وواسط إلا أن بغداد استأثرت بالاهتمام الأكبر باعتبارها مدينة مركزية للسياسة والعلم والمعرفة والترف، كما يقول محمد عبدالرحمن يونس في بحثه "القاهرة في حكايات ألف ليلة وليلة".

بحسب يونس فإن الحكايات منحت بغداد أفضلية على مدن عربية كبيرة أخرى كالقاهرة ودمشق ليس فقط من حيث عدد الحكايات وإنما على مستويات عديدة مثل تعدد القصص وتشعّب الملامح الاجتماعية والسياسية والثقافية للمدينة وقتها بسبب قُدرة بغداد المنفتحة حضارياً على استيعاب الجنسيات المختلفة.

وفقاً للكتاب فإن بغداد امتلكت سوراً عظيماً كان يُغلق عند الغروب مخافة تسلل الأعداء إليها ليلاً، وحفلت دروبها وأسواقها بمغامرات كبار التجار بيعاً وشراءً، وكثيراً ما شهدت الجولات السرية للخليفة العباسي هارون الرشيد لرصد أحوال الرعية.

بشكلٍ غير مباشر انتقدت حكايات "ألف ليلة وليلة" بشدة حالة الطبقية التي تردّى إليها المجتمع البغدادي والذي انقسم إلى "سباع تفترس كل شيء؛ المال والنساء وأموال الخراج وإلى كلاب مذعورة لا يحقُّ لها الاقتراب من مكامن السباع المفترسة"، وفقاً لما أورده دكتور محمد يونس في دراسته "ملامح شخصيّة الخليفة هارون الرشيد في حكايا ألف ليلة وليلة".

فيروز وأم كلثوم
بغداد في الأغاني.. أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وكاظم الساهر وآخرون
من جيل المغنين والمغنيات الجدد، أطلقت الفنانة الأردنية ديانا كرزون في العام 2016 أغنية بعنوان "ودّيني على بغداد/ روحي مشتاقة لبغداد" من كلمات أحمد هندي وألحان علي بدر، وقد حصدت ملايين المشاهدات عبر موقع "يوتيوب". كما غنت الفنانة السورية فايا يونان في العام 2018 قصيدة للشاعر اللبناني زاهي وهبي وألحان حازم شاهين مطلعها "بغداد بين النهرين كتبها الله قصيدة/ بغداد بين الشفتين تعويذة عذراء".

أشهر قصص بغداد

يروي أنس داود في كتابه "الأسطورة في الشعر العربي الحديث" أن شوارع بغداد شهدت العديد من حكايات "ألف ليلة وليلة" مثل قصة علاء الدين التاجر الثري الذي سافر من مصر إلى بغداد وهاجمه الأعراب في الطريق ونهبوا تجارته فخسر كل أمواله لكنه ينجح في الوصول إلى بغداد ويلتقي بالمغنيّة "زبيدة العوديّة" التي يتزوجها. ذات ليل يمرَّ هارون الرشيد متنكراً في زي الدراويش بمنزلها ويستمع إلى قصة التاجر فيأمر بمساعدته وإنقاذه من محنته.

أيضاً عرفت بغداد قصة سندباد الذي خاض العديد من المغامرات البحرية ثم بنى لنفسه داراً فسيحة في بغداد كانت مليئة بالجواري والعبيد وأقام مجالساً يروي فيها طرائف رحلاته، وغير ذلك من الحكايات التي كشفت كثيراً من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل عاصمة العباسيين في ذلك الوقت.

وفي هذا السياق، تقول سهير القلماوي في كتابها "ألف ليلة وليلة"، إن هناك حكايات أخرى حملت تأثيراً بابلياً مثل قصة بلوقيا وقصة مدينة النحاس وقصة عبدالله بن فاضل وإخواته، وتتابع أن بعض القصص التي دارت حول الخلفاء وبلاطهم منحتنا صورة اجتماعية مميزة عن حجم الثراء والبذخ الذي تنعّموا فيه في ذلك الوقت.

 

هارون وزبيدة

لعب معظم الخلفاء العباسيون دوراً هامشياً في أغلب الحكايات العربية مثلما جرى مع المستنصر بالله بن المرتضى والمنتصر والمستعين، باستثناء الخليفة هارون الرشيد الذي نال أهمية كبيرة في هذا الكتاب بعدما تركّزت عدة حكايات عليه وعلى بلاطه، وربما كان لذيوع هذه الحكايات دوراً أساسياً في الشهرة الكبيرة التي نالها الرشيد في العصور الحالية شرقاً وغرباً.

تعتبر القلماوي، أن قصص هارون الرشيد وطريقته في التعامل مع الحكم مثّلت ركناً أساسياً من حصة بغداد من الحكايات.

قدّم الكتاب الرشيد باعتباره شخصية ذات هالة أسطورية فرضت قبضة من حديد على دولته مترامية الأطراف، فكان يكفي ذِكر اسمه ليرتعد الولاة والعمّال والجُباه حتى ولو كانوا في الأصقاع البعيدة عن بغداد، حسبما يذكر يونس في بحثه.

أسطرة الليالي العربية لشخصية هارون قدمته بأشكالٍ متعددة تناقضت مع صورته الورعة التي قدّمتها كتب التاريخ التقليدية كرجل "يصلي كل يومٍ وليلة مئة ركعة"؛ فهو، بحسب "ألف ليلة وليلة" شخص طائش غاضب يتوعّد خولي بستانه الشيخ إبراهيم بالصلب إن لم تحسن جاريته الغناء، وهو نهم في شرب الخمر حتى أنه كان يتورط في القسم على أمور يندم عليها حينما يفيق من حالة السُكر ويحتاج إلى فتوى "مصطنعة" لتبرّأته منها.

وفق "ألف ليلة وليلة" فإن الرشيد كان حريصاً في أوقاتٍ كثيرة على التأكيد على شرف نسبه فكان يقسم قائلاً "وحق اتصال نسبي بالخلفاء من بني العبّاس"، وأنه كان يعامل وزيره جعفر البرمكي باحتقار غير مبرّر حتى أنه كان يخاطبه من وقتٍ لآخر بـ"كلب الوزراء"، وكان يتوعّده بالصلب لو لم يُنفذ تعليماته كما يجب.

في المقابل قدّمته حكايات أخرى كشخصٍ مغامر يقوم بجولات ليلية متنكراً بصحبة الوزير جعفر أو معاونه مسرور السيّاف ليتفقد أحوال الرعية ويرصد تصرفاتهم، وفي الصباح كان يغدق العطاء للصالحين منهم ويأمر بمعاقبة المجرمين، وفي حكاية أبي الشامات أظهر الرشيد إعجاباً بالموسيقى فهو يطلب الاستماع إلى وصلة غناء حتى "يحصل لنا انتعاش، فإن السماع لقومٍ كالغذاء ولقوم كالدواء"، حسبما ذكرت القصة على لسان الرشيد.

بحسب الحكايات فإن الرشيد ظهر عاشقاً للنساء وامتلك آلاف الجواري الحِسان أشهرهن الجارية "دنانير" التي أشعلت خلافاً كبيراً بينه وبين زوجته  زبيدة التي كان يكنّ لها الخليفة العباسي لها محبّة كبيرة أيضاً ومنحها مكانة كبيرة في دولته.

المساحة الكبيرة التي نالها هارون الرشيد حتّمت أن تظهر زوجته زبيدة في أكثر من موضع كأهم امرأة في السُلطة العباسية، وكنموذج نسائي موازٍ للرشيد فهي أيضاً تملك الجواري والعبيد والقصور وصلاحيات كبيرة تخوّل لها إصدار الأوامر لتُنفذ دون مناقشة من جميع مسؤولي الدولة، فكان يعرّفها مسرور السياف بـ"زوجة أمير المؤمنين عم النبي"، وكان على الجميع "تقبيل الأرض فور رؤيتها" إجلالاً لمكانتها.

في حكاية "هارون الرشيد مع محمد بن علي الجوهري"، تستدعي زبيدة تاجراً ثرياً يقيم في بغداد ولما حاول التملُّص من الدعوة تلقى تهديداً مبطّناً من خادمتها "يا سيدي لا تجعل السيدة زبيدة تغضب عليك وتبقى عدوتك، قُم كلّمها". في الحكاية خاف الجوهري من غضب زبيدة وما قد يجلبه عليه من نفي خارج بغداد أو مصادرة أمواله.

ومن خلال قصة أخرى يمكن تبيّن مدى غيرتها من تعلّق هارون بإحدى جواريه وتُدعى "قوت القلوب"، فتدبّر محاولة فاشلة لقتلها.