شهدت الدول العربية حملات لتعليق المهرجانات الفنية تضامناً مع غزة.

دخل التفاعل مع حرب غزة أروقة المهرجانات والفعاليات الفنية، وسط تباين واضح في تعاطي النشطاء ومستخدمي مواقع التواصل، عربياً ودولياً.

وفي الوقت الذي يُشيد متضامنون مع الفلسطينيين بالرسائل التي يبثّها فنانون عالميون خلال مشاركتهم في المهرجانات للمطالبة بوقف الحرب وحماية المدنيين في القطاع، عبر تصريحاتهم وأزيائهم، ينخرط المتضامنون أنفسهم في حملات لإلغاء أو تأجيل المهرجانات والفعاليات الفنية في الدول العربية.

في هذا التقرير، نسلط الضوء على الجدل الذي صاحب ولا يزال، أبرز المهرجانات في الدول العربية.

 

مهرجان جرش

الجدل تفجر مؤخراً في الأردن بعد أن نقلت وسائل إعلام محلية عن وزيرة الثقافة هيفاء النجار، تأكيدها انعقاد الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان خلال الصيف الحالي (4 يوليو)، قبل أن تتراجع معلنة أن إقامة المهرجان "لا تعتبر أولوية نتيجة للأوضاع المأساوية التي يمر بها الشعب الفلسطيني".

ترك الباب مفتوحاً على الاحتمالات رفع وتيرة النقاش في البلد الذي يستضيف النسبة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين ويطرح نفسه الأقرب للشأن الفلسطيني.

بدأ الجدل مع حملة أطقلها نشطاء للمطالبة بإلغاء المهرجان تضامناً مع غزة، ورفضاً لإقامة فعاليات فنية وترفيهية تتنافى مع الموقف الرسمي الأردني تجاه الأحداث التي يعيشها القطاع، حسب ما تفصح تغريداتهم وتدويناتهم على مواقع التواصل.

وذهب مشاركون في الحملة إلى ربط مصير الأردن بـ"معركة غزة"، معتبرين أن الأولوية "تتجاوز الرقص والغناء الذي سيقدم في المهرجان".

وأشار متفاعلون مع الحملة إلى أن عقد المهرجان سيؤدي إلى تناقض بين الموقف الأردني الرسمي والشعبي، معتبرين أن الإصرار على المهرجان سيؤثر على "موقف الأردن المشرف" وفق تعبير البعض.

في سياق الرفض أيضاً، أعاد النشطاء في الحملة التذكير بسوابق تم فيها إلغاء المهرجان نتيجة لأحداث مشابهة لما تشهده غزة، منهم الناشطة الحقوقية هالة عاهد التي غردت على منصة "إكس": "توقفت فعاليات المهرجان في 1982 و2006 بسبب الاحتلال الإسرائيلي للبنان.. لماذا تقام فعالياته هذا العام؟"

على الجانب الآخر، وجد المهرجان مدافعين عن انعقاده أطلقوا حملة #مع_مهرجان_جرش، متهمين فيها جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف وراء حملة المقاطعة "عبر محاولة استغلال الأحداث في غزة لتحقيق هدفهم القديم بإلغاء المهرجان دون مراعاة للاعتبارات الاقتصادية والسياحية".

وتحدث مؤيدون عن خصوصية المهرجان التي تتضمن فعاليات ثقافية وفنية "رصينة" إلى جانب مساهمته في تعزيز السياحة واستفادة المجتمع المحلي من معارض الحرف اليدوية التي تقام على هامشه.

وفي محاولة لفرض توازن بين عقد المهرجان والأحداث في غزة، هددت رابطة الكتاب الأردنيين بمقاطعة المهرجان في حال عدم "تحويل كل فعاليات المهرجان إلى فعاليات وطنية وقومية تعكس تطلعات شعبنا ونضال الأشقاء وتؤكد ثوابت الأمة في اعتبار قضية فلسطين قضية وجود لا حدود، وصولاً إلى الأهداف القومية العليا للوطن والأمة" وفقاً لبيان صادر عنها.

يُعدّ مهرجان جرش الذي انطلق للمرة الأولى عام 1980 في مدينة جرش الأثرية، من أقدم المهرجانات الثقافية والفنية العربية.

 

مهرجان موازين

تأسس مهرجان موزاين في 2001 ويُنظم بشكل دوري في العاصمة المغربية الرباط، ما بين شهري مايو ويونيو تحت رعاية ملكية، وتحول مع الوقت إلى حدث عالمي بسبب طبيعة المشاركين وحجم الحضور والتغطية.

الكثير من الجدل يحيط انعقاد المهرجان لهذا العام نتيجة تزامنه مع استمرار الحرب في غزة.

أطلق رافضون لانعقاد المهرجان حملة تحت عنوان "لا ترقص على جراح إخوانك" تطالب بتعليق فعاليات المهرجان لهذا العام تعبيراً عن التعاطف مع الشعب الفلسطيني في غزة.

ودخلت شخصيات سياسية بارزة على خط الحملة، مثل رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران الذي قال إن "الوقت غير مناسب للاحتفالات في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة".

غير أن اللافت في الحملة المناهضة لموازين انتشار فيديوهات لفلسطينيين يطالبون فيها المغاربة بـ" احترام مأساتهم"، والعمل على تعليق المهرجان.

 

موسم الرياض

شكلت النسخة الرابعة من موسم الرياض التي عقدت بعد أيام من بدء العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة، الصدام الأول بين الحرب والفعاليات الفنية في الدول العربية.

ورغم الحملة الواسعة لتأجيل الفعالية، أنجزت هيئة الترفيه السعودية برنامج الموسم وفقاً لما كان مخطط قبل اندلاع الأحداث.

وكان أبرز موقف مقاطعة للمهرجان، واعتذار عن المشاركة في عمل فني مقرر ضمن فعالياته، للفنان المصري محمد سلام، الذي خرج على متابعيه بفيديو ضجت به مواقع التواصل ووسائل الإعلام العربية، يعتذر عبره عن المشاركة بسبب "استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة".

موقفه هذا، تسبب في حرج للعديد من الفنانين الذين تعرضوا للانتقاد بدورهم إلى جانب حملات لمقاطعة أعمالهم الفنية.

 

مهرجان بيت الدين

في لبنان أعلنت لجنة مهرجانات بيت الدين الدولية "تعليق" أنشطة وأعمال دورة المهرجان لهذا العام، في ظل استمرار حرب غزة والمواجهات في جنوب لبنان.

وبررت رئيسة لجنة مهرجانات بيت الدين نورا جنبلاط القرار بـ"الأوقات العصيبة التي يمر فيها جنوب لبنان وأهله، وما تعيشه فلسطين من حالة إبادة جماعية متواصلة"، حسب بيان صادر عن اللجنة.

ووسط الإشادة بالقرار، لفت متفاعلون على مواقع التواصل الاجتماعي لاختلاف حالة لبنان عن غيرها من الدول، بالنظر إلى تبادل القصف بين حزب الله وإسرائيل، ودخول لبنان طرفاً في الحرب بشكل يعقّد أساساً فرص نجاح المهرجان.

مواضيع ذات صلة:

Models are dressed in traditional Iraqi costumes during a fashion show at the Iraqi National Museum during the holy month of…
من عرض أزياء للملابس العراقية التقليدية في المتحف الوطني في بغداد- تعبيرية

"يكاد يكون (كتاب ألف ليلة وليلة) عَلَماً ثانياً على بغداد، لأن آثار حضارتها المادية ألح عليها طغيان الدهر حتى محاها، أما هي في هذا الكتاب فلا يزال سناها باهياً لم يخُب وصداها مدوياً لم ينقطع"، يكتب أحمد حسن الزيّات في كتابه "في أصول الأدب"، الذي أفرد فيه فصلاً كاملاً للحديث عن تاريخ الحكايات العربية التي جمعت في كتابٍ اشتهر بِاسم "ألف ليلة وليلة".

يرى الزيّات أن لهذه الحكايات فضل كبير على بغداد بعدما حفظت للتاريخ حضارتها الغابرة وخلّدتها بين الناس كـ"متحف للأعاجيب" مؤدية في ذلك دوراً مناظراً لما فعلته النقوش التي خلّفها الفراعنة على جدران معابدهم ومقابرهم.

ورغم أن أحداث القصص تدور في كثير من مدن العراق مثل البصرة والموصل والأنبار وواسط إلا أن بغداد استأثرت بالاهتمام الأكبر باعتبارها مدينة مركزية للسياسة والعلم والمعرفة والترف، كما يقول محمد عبدالرحمن يونس في بحثه "القاهرة في حكايات ألف ليلة وليلة".

بحسب يونس فإن الحكايات منحت بغداد أفضلية على مدن عربية كبيرة أخرى كالقاهرة ودمشق ليس فقط من حيث عدد الحكايات وإنما على مستويات عديدة مثل تعدد القصص وتشعّب الملامح الاجتماعية والسياسية والثقافية للمدينة وقتها بسبب قُدرة بغداد المنفتحة حضارياً على استيعاب الجنسيات المختلفة.

وفقاً للكتاب فإن بغداد امتلكت سوراً عظيماً كان يُغلق عند الغروب مخافة تسلل الأعداء إليها ليلاً، وحفلت دروبها وأسواقها بمغامرات كبار التجار بيعاً وشراءً، وكثيراً ما شهدت الجولات السرية للخليفة العباسي هارون الرشيد لرصد أحوال الرعية.

بشكلٍ غير مباشر انتقدت حكايات "ألف ليلة وليلة" بشدة حالة الطبقية التي تردّى إليها المجتمع البغدادي والذي انقسم إلى "سباع تفترس كل شيء؛ المال والنساء وأموال الخراج وإلى كلاب مذعورة لا يحقُّ لها الاقتراب من مكامن السباع المفترسة"، وفقاً لما أورده دكتور محمد يونس في دراسته "ملامح شخصيّة الخليفة هارون الرشيد في حكايا ألف ليلة وليلة".

فيروز وأم كلثوم
بغداد في الأغاني.. أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وكاظم الساهر وآخرون
من جيل المغنين والمغنيات الجدد، أطلقت الفنانة الأردنية ديانا كرزون في العام 2016 أغنية بعنوان "ودّيني على بغداد/ روحي مشتاقة لبغداد" من كلمات أحمد هندي وألحان علي بدر، وقد حصدت ملايين المشاهدات عبر موقع "يوتيوب". كما غنت الفنانة السورية فايا يونان في العام 2018 قصيدة للشاعر اللبناني زاهي وهبي وألحان حازم شاهين مطلعها "بغداد بين النهرين كتبها الله قصيدة/ بغداد بين الشفتين تعويذة عذراء".

أشهر قصص بغداد

يروي أنس داود في كتابه "الأسطورة في الشعر العربي الحديث" أن شوارع بغداد شهدت العديد من حكايات "ألف ليلة وليلة" مثل قصة علاء الدين التاجر الثري الذي سافر من مصر إلى بغداد وهاجمه الأعراب في الطريق ونهبوا تجارته فخسر كل أمواله لكنه ينجح في الوصول إلى بغداد ويلتقي بالمغنيّة "زبيدة العوديّة" التي يتزوجها. ذات ليل يمرَّ هارون الرشيد متنكراً في زي الدراويش بمنزلها ويستمع إلى قصة التاجر فيأمر بمساعدته وإنقاذه من محنته.

أيضاً عرفت بغداد قصة سندباد الذي خاض العديد من المغامرات البحرية ثم بنى لنفسه داراً فسيحة في بغداد كانت مليئة بالجواري والعبيد وأقام مجالساً يروي فيها طرائف رحلاته، وغير ذلك من الحكايات التي كشفت كثيراً من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل عاصمة العباسيين في ذلك الوقت.

وفي هذا السياق، تقول سهير القلماوي في كتابها "ألف ليلة وليلة"، إن هناك حكايات أخرى حملت تأثيراً بابلياً مثل قصة بلوقيا وقصة مدينة النحاس وقصة عبدالله بن فاضل وإخواته، وتتابع أن بعض القصص التي دارت حول الخلفاء وبلاطهم منحتنا صورة اجتماعية مميزة عن حجم الثراء والبذخ الذي تنعّموا فيه في ذلك الوقت.

 

هارون وزبيدة

لعب معظم الخلفاء العباسيون دوراً هامشياً في أغلب الحكايات العربية مثلما جرى مع المستنصر بالله بن المرتضى والمنتصر والمستعين، باستثناء الخليفة هارون الرشيد الذي نال أهمية كبيرة في هذا الكتاب بعدما تركّزت عدة حكايات عليه وعلى بلاطه، وربما كان لذيوع هذه الحكايات دوراً أساسياً في الشهرة الكبيرة التي نالها الرشيد في العصور الحالية شرقاً وغرباً.

تعتبر القلماوي، أن قصص هارون الرشيد وطريقته في التعامل مع الحكم مثّلت ركناً أساسياً من حصة بغداد من الحكايات.

قدّم الكتاب الرشيد باعتباره شخصية ذات هالة أسطورية فرضت قبضة من حديد على دولته مترامية الأطراف، فكان يكفي ذِكر اسمه ليرتعد الولاة والعمّال والجُباه حتى ولو كانوا في الأصقاع البعيدة عن بغداد، حسبما يذكر يونس في بحثه.

أسطرة الليالي العربية لشخصية هارون قدمته بأشكالٍ متعددة تناقضت مع صورته الورعة التي قدّمتها كتب التاريخ التقليدية كرجل "يصلي كل يومٍ وليلة مئة ركعة"؛ فهو، بحسب "ألف ليلة وليلة" شخص طائش غاضب يتوعّد خولي بستانه الشيخ إبراهيم بالصلب إن لم تحسن جاريته الغناء، وهو نهم في شرب الخمر حتى أنه كان يتورط في القسم على أمور يندم عليها حينما يفيق من حالة السُكر ويحتاج إلى فتوى "مصطنعة" لتبرّأته منها.

وفق "ألف ليلة وليلة" فإن الرشيد كان حريصاً في أوقاتٍ كثيرة على التأكيد على شرف نسبه فكان يقسم قائلاً "وحق اتصال نسبي بالخلفاء من بني العبّاس"، وأنه كان يعامل وزيره جعفر البرمكي باحتقار غير مبرّر حتى أنه كان يخاطبه من وقتٍ لآخر بـ"كلب الوزراء"، وكان يتوعّده بالصلب لو لم يُنفذ تعليماته كما يجب.

في المقابل قدّمته حكايات أخرى كشخصٍ مغامر يقوم بجولات ليلية متنكراً بصحبة الوزير جعفر أو معاونه مسرور السيّاف ليتفقد أحوال الرعية ويرصد تصرفاتهم، وفي الصباح كان يغدق العطاء للصالحين منهم ويأمر بمعاقبة المجرمين، وفي حكاية أبي الشامات أظهر الرشيد إعجاباً بالموسيقى فهو يطلب الاستماع إلى وصلة غناء حتى "يحصل لنا انتعاش، فإن السماع لقومٍ كالغذاء ولقوم كالدواء"، حسبما ذكرت القصة على لسان الرشيد.

بحسب الحكايات فإن الرشيد ظهر عاشقاً للنساء وامتلك آلاف الجواري الحِسان أشهرهن الجارية "دنانير" التي أشعلت خلافاً كبيراً بينه وبين زوجته  زبيدة التي كان يكنّ لها الخليفة العباسي لها محبّة كبيرة أيضاً ومنحها مكانة كبيرة في دولته.

المساحة الكبيرة التي نالها هارون الرشيد حتّمت أن تظهر زوجته زبيدة في أكثر من موضع كأهم امرأة في السُلطة العباسية، وكنموذج نسائي موازٍ للرشيد فهي أيضاً تملك الجواري والعبيد والقصور وصلاحيات كبيرة تخوّل لها إصدار الأوامر لتُنفذ دون مناقشة من جميع مسؤولي الدولة، فكان يعرّفها مسرور السياف بـ"زوجة أمير المؤمنين عم النبي"، وكان على الجميع "تقبيل الأرض فور رؤيتها" إجلالاً لمكانتها.

في حكاية "هارون الرشيد مع محمد بن علي الجوهري"، تستدعي زبيدة تاجراً ثرياً يقيم في بغداد ولما حاول التملُّص من الدعوة تلقى تهديداً مبطّناً من خادمتها "يا سيدي لا تجعل السيدة زبيدة تغضب عليك وتبقى عدوتك، قُم كلّمها". في الحكاية خاف الجوهري من غضب زبيدة وما قد يجلبه عليه من نفي خارج بغداد أو مصادرة أمواله.

ومن خلال قصة أخرى يمكن تبيّن مدى غيرتها من تعلّق هارون بإحدى جواريه وتُدعى "قوت القلوب"، فتدبّر محاولة فاشلة لقتلها.