الصفحة الرئيسية (مؤرشفة)

العراق.. المخدرات وصراعات العشائر والسياسة تزعزع محافظة ميسان

فرانس برس
23 فبراير 2022

تلقي أحداث عنف وقعت مؤخراً بظلالها على مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان العراقية الجنوبية التي باتت في الآونة الأخيرة مسرحاً لتصفية الحسابات السياسية والعشائرية وتجارة وتهريب المخدرات.

وشهدت المدينة اغتيالات في وضح النهار استهدفت قضاة وضباطا في الشرطة وقياديين في فصائل مسلحة نافذة، فيما تحوّلت المحافظة الواقعة على الحدود مع الجارة إيران، إلى مركز لتجارة المخدرات وتعاطيها، بحسب القوات الأمنية.

ويقول النائب المستقل، أسامة كريم البدر، من مكتبه بمدينة العمارة إن "تجارة المخدرات والصراعات العشائرية هما العاملان الرئيسيان في تردي الوضع الأمني في ميسان".

في بلد ينتشر فيه الفساد على نطاق واسع، وكذلك الأسلحة والفصائل المسلحة ونفوذ العشائر، تجد القوى الأمنية نفسها في مواجهة تحديات خطيرة، لا سيما عندما تتضافر المشاكل. فأي نزاع عشائري قديم قد يعود فجأة إلى الواجهة مع تصاعد خلافات سياسية أو في إطار الصراع للسيطرة على شكل من أشكال التهريب.

النائب العراقي المستقل أسامة كريم البدر

ومع التصعيد الأخير في أعمال العنف مطلع فبراير، عززت القوات الأمنية نقاط التفتيش عند مداخل محافظة ميسان والدوريات فيها، وفق صحافي في وكالة فرانس برس.

وأمر رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، الذي زار المحافظة مؤخراً، بتشكيل قيادة عمليات خاصة بميسان والشروع بتنفيذ خطة أمنية فيها وتغيير قياداتها الأمنية.

وأسفرت تلك العملية الأمنية لملاحقة "تجار المخدرات ومثيري النزاعات العشائرية" في ميسان عن توقيف عشرات المطلوبين، بينهم بتهم إرهاب، حتى الآن.

لكن الأعراف العشائرية الراسخة في ميسان من شأنها عرقلة عمل القوات الأمنية، كما يرى الصحافي والناشط صباح السيلاوي. ويقول "في محافظة ميسان، هناك أعراف عشائرية سائدة غير موجودة في بعض محافظات العراق"، مضيفاً: "الشرطي أو ضابط المخابرات والأمن لا يستطيع أن يؤدي واجبه لأنه سوف يتعرض للتهديد العشائري، وستهدد عائلته وقد يقتل".

"الدولة أو الفوضى"

وقال الكاظمي مؤخراً خلال جلسة لمجلس الوزراء "أمامنا خياران: إما الدولة وإما الفوضى التي يريد البعض تكريسها".

وتزايدت في السنوات الأخيرة تجارة المخدرات وتعاطيها في العراق، خصوصا في جنوب ووسط البلد الذي بات طريقاً أساسياً لتهريب وتجارة المخدرات، لا سيما مادة الكريستال.

في ديسمبر، أعلنت مديرية مكافحة المخدرات بوزارة الداخلية أن "محافظتي البصرة وميسان تحتلان المرتبة الأولى بالتهريب والتعاطي في المحافظات الجنوبية".

ومطلع فبراير، تعرض قاض مختص بقضايا المخدرات للاغتيال على أيدي مسلحين بينما كان عائداً إلى منزله بسيارته، في قضية أحيت الجدل بشأن العنف في ميسان. وتجري القوات الأمنية يومياً مداهمات في المحافظة.

ويقول قائد عمليات ميسان اللواء الركن محمد جاسم الزبيدي إن "هذه المحافظة حدودية وهي طريق لتهريب المخدرات".

ويضيف: "نستولي على عدد من الأسلحة والأعتدة يومياً"، مشيرا إلى أن "خطتنا مستمرة وتستمر لحين فرض الأمن والنظام في هذه المحافظة"، ومعتبراً في الوقت نفسه أن "الأوضاع باتت هادئة نسبياً".

قائد عمليات ميسان اللواء الركن محمد جاسم الزبيدي

ويؤكد الشيخ كريم الحسني، أحد وجهاء العشائر البارزين في المحافظة، وجود "تعايش سلمي" في المحافظة، رافضا الانتقادات الموجهة الى العشائر. لكنه يقول إن أحد "أكبر مشاكل" المحافظة هو منفذ الشيب الحدودي مع إيران.

وتتنافس الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية على السيطرة على المعابر الحدودية في العراق.

ويقول الشيخ بينما يجلس في قاعة الاستقبال بمنزله مرتدياً زيا عربيا وكوفية سوداء، "حصلت أمور كثيرة في السابق بالمنفذ"، فيما "يفترض بهذا المنفذ أن يعود بالفائدة على ميسان والعراق لا أن يكون منفذ صراع".

"تهديد"

ويقرّ ضابط يعمل في منفذ الشيب الحدودي مع إيران ورفض الكشف عن اسمه خشية التعرض لتهديدات، بوجود "تنافس من أجل السيطرة على منفذ الشيب بين أبناء العشائر وكذلك بين عناصر مسلحة تابعة لفصائل مسلحة".

ويضيف: "يقوم هؤلاء كذلك بتهديد العاملين في المنفذ بالقتل عند كشفهم عن مواد مهربة مثل المخدرات ومواد غذائية منتهية الصلاحية".

ويشهد العراق منذ أشهر الماضية، عقب إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت في أكتوبر، توترات سياسية حادة رافقتها أعمال عنف، فيما رفضت أطراف سياسية نتيجة الانتخابات.

كريم الحسني أحد وجهاء العشائر البارزين في ميسان

ويرى صباح السيلاوي أن تردي الأوضاع الأمنية في ميسان سببه أيضاً "الأحزاب المتناحرة على السلطة والمصالح".

وزادت تصفية الحسابات السياسية الوضع تعقيداً في بلد ترتبط فيه غالبية التيارات السياسية بفصائل مسلحة. وفي يناير، عثر على قيادي في التيار الصدري مقتولاً.

وتعرض في الشهر التالي حسام العلياوي، وهو مسؤول في الشرطة، للاغتيال. وقتل قبل ذلك شقيقاه في العام 2019، أحدهما قيادي في عصائب أهل الحق، أحد فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران.

ودعا الأمين العام للعصائب، قيس الخزعلي، في تغريدة إثر ذلك زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى "إعلان البراءة من هؤلاء القتلة". في المقابل، دعا الصدر إلى وقف العنف ووجه بتشكيل لجنة من قياديي تياره للتفاوض مع أطراف من عصائب أهل الحق لإعادة الهدوء.

فرانس برس

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.