الإسراء والمعراج.. النقاش القديم الجديد!
المشكل الفعلي ليس فيما قاله إبراهيم عيسى

وأنت تتهجم على الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى، هل كنت تعرف أن النصوص والمراجع التي يستند إليها مؤيدو واقعة الإسراء والمعراج تعج بالكثير من الروايات المتناقضة والاختلافات، منذ زمن النبي نفسه؟  

هل قرأت في وقت سابق أن عددا من الرواة ومن كتبة التراث الإسلامي، مثلا، اختلفوا حول زمن وقوعها؟ على سبيل المثال، الحافظ ابن حجر العسقلاني أورد أكثر من عشرة أقوال مختلفة ومتناقضة بخصوص الإسراء والمعراج؛ حيث وجد، بين الرواة، من اعتبر أن الواقعة حدثت قبل البعثة، ومنهم من اعتبر أنها حدثت بعد الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، بينما كان منهم من قال إنها حدثت قبل الهجرة بخمس أو ست سنوات، ومنهم من قال إن الواقعة كانت قبل الهجرة بسنة ومنهم من قال قبلها بشهرين.  

بمعنى أن الرواة أنفسهم اختلفوا في زمن الواقعة، مما يعني أنها كانت موضع نقاش منذ قرون! 

كما أن الزمان لم يكن نقطة الخلاف الوحيدة بين الرواة وكتبة التراث، بل المكان أيضا، حيث اختلف الرواة حول مكان انطلاق الرحلة. بعض الروايات اعتبرت أن رحلة الإسراء انطلقت من بيت أم هانئ، ابنة عم الرسول (وابنة أبي طالب). روايات أخرى قالت إن النبي كان نائماً في بيته حين بدأت الرحلة.  

فقهاء ورواة آخرون لم يختلفوا في المكان والزمان فقط، بل في طبيعة الواقعة نفسها: هل تمت الرحلة بالروح فقط، أم بالروح والجسد معا؟ حتى أن بعض الفقهاء قالوا إنها كانت مجرد رؤيا، استنادا إلى ما ورد في الآية 60 من سورة الإسراء “وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ“. 

بشكل عام، لمن يقرأ ويبحث ليفهم بدل الاعتماد على السماع وضجيج مواقع التواصل، فإن عددا كبيرا من الفقهاء والرواة وكتبة التراث تحدثوا بإسهاب عن الإسراء والمعراج وناقشوا الواقعة من عدة جوانب: طبيعتها، زمانها ومكانها. ألا يعني هذا، ببساطة، أن النقاش حول الواقعة كان موجودا منذ زمن النبي نفسه؟  

من جهة أخرى، ومنذ يوم الواقعة نفسه، فقد طرح منكروها عددا من الأسئلة التي يمكن أن نعتبرها مشروعة: مثلا، لماذا كانت الواقعة سرية؟ أليس الهدف منها أن تكون إحدى معجزات النبي؟ فكيف لا يكون هناك شهود عن المعجزة حين وقوعها؟ 

المشكل الفعلي إذن ليس فيما قاله إبراهيم عيسى، لأنه في الحقيقة طرح أسئلة طرحها الفقهاء أنفسهم وناقشوها منذ زمن النبي والصحابة، وتحدثوا عن سخرية بعض الأشخاص من النبي لأنه لم يصدقوه. كما تحكي بعض الروايات أن حتى عددا من المسلمين حينها، والذين عاشوا مع النبي وآمنوا برسالته، لم يؤمنوا بالواقعة واعتبروها خرافة أو وحيا من الخيال.  

لكن المشكلة الحقيقية أننا لا نقرأ ولا نبحث لكي نحاول أن نفهم. كلما قامت ضجة على الإنترنت حول فيلم أو كتاب أو... شخص، نصاحب الضجة وندلي بدلونا فيها، كما لو أنه من "واجبنا" أن نصرخ ونندد، حتى لو عن جهل.  

هذا دون أن ننسى المشكل الحقيقي الآخر الذي يجعلنا نكتب في ذات الجملة إننا ننتمي لدين يدعو إلى العلم وإعمال العقل... وأن نرفض في نفس السطر وفي ذات الجملة أن نعمل العقل لنسائل بعضا من الموروث! 

فما أعجبنا!  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.