ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية في الشرق الأوسط
ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية في الشرق الأوسط

يهدد الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل الزيت والسكر والدقيق والأرز ، بسبب الأزمات في سلسلة التوريد العالمية والحرب الروسية على أوكرانيا، الأجواء الرمضانية ويزيد من معاناة الناس في الشرق الأوسط، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.

وحذرت الصحيفة أن تدهور المستوى المعيشي للناس يزيد من احتمال حدوث اضطرابات شعبية شبيه باحتجاجات الربيع العربي قبل عقد من الزمن، والتي كان أحد أسبابها ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وقالت سعاد عامر، 43 عاما، ربة منزل مصرية: "المائدة الرمضانية هذا العام ستحتوي على القليل من اللحم والبط".

وخلال الأيام الماضية، انتشرت مقاطع فيديو لأشخاص عاديين يتحدثون عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية على وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسم "ثورة الجياع"، وأعلنت الحكومة زيادة في المعاشات، ورواتب موظفي الخدمة المدنية ابتداء من أبريل بدلا من يوليو.

كما أعلنت مصر الأربعاء، أنها بدأت محادثات مع صندوق النقد الدولي بشأن حزمة مساعدات مالية جديدة، هي الرابعة في ست سنوات، مشيرة في بيان إلى أن صدمة الحرب الأوكرانية تسببت في ارتفاع الأسعار إلى مستويات "غير مسبوقة" ودفع المستثمرين الأجانب للفرار.

جاء هذا الإعلان بعد مجموعة من الإجراءات الأخرى التي تهدف إلى استقرار الاقتصاد وتخفيف آلام المواطنين، بما في ذلك وضع حد لسعر الخبز غير المدعوم، ورفع سعر الفائدة وتحرير سعر صرف الجنية.

وقالت رئيسة بعثة الصندوق إلى مصر، سيلين آلار، في بيان إن "التغير السريع في البيئة العالمية وتأثير التداعيات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا يفرضان تحديات مهمة على البلدان في مختلف أنحاء العالم، ومنها مصر".

وقال هشام علي، (62 عاما) يعمل في كشك لبيع الفاكهة في حي العباسية بالقاهرة: "لا أحد يشتري لأن الناس يخافون من الأسعار. لا يوجد مال". وأكد أنه لا يلوم زبائنه؛ لأنه براتبه الذي يقل عن 6 دولارات في اليوم بالكاد يستطيع إطعام أطفاله الفاكهة.

وقال المصريون الميسورون إنهم لم يدخروا أي أموال هذا العام، ولن يشتروا الملابس والهدايا في العيد.

الفقراء سيعانون

وفي المغرب، يدمر الجفاف، الأسوأ منذ 3 عقود، الاقتصاد بالفعل، مما سيدفع الناس للاستغناء عن عناصر كثيرة في المائدة الرمضانية.

وقالت نادية القباج، متعهد تقديم الطعام في العاصمة المغربية الرباط، كانت تستعد لبيع الحلويات الرمضانية التقليدية مثل الشباكية، إنه مع ارتفاع تكاليف الطحين واللوز والزبدة والزيت، اضطرت إلى رفع أسعارها بنسبة 10 في المائة، بالرغم من انخفاض نسبة الإقبال على الشراء.

وأكدت أن العديد من المحلات ستتوقف عن بيع الحلويات في رمضان هذا العام بسبب ارتفاع تكاليف المكونات وعدم قدرة الناس على الدفع والشراء.

وأشارت إلى أن بعض المغاربة سيكونون قادرين على التكيف مع ارتفاع الأسعار من خلال استهلاك كميات أقل من الأطعمة والزيت عن طريق شوي الطعام بدلا من القلي. وأضافت "لكن الفقراء يعانون. ماذا سيأكلون في الإفطار؟".

من جانبه، قال عبد الهادي السباعي، 72 عاما، وهو سائق سيارة أجرة في بيروت، إن أسرته، المكونة من خمسة أفراد، تستهلك كيسين خبز يوميا، يبتلعان الكثير من دخله، الذي تقلص مع ارتفاع أسعار الوقود.

مع اقتراب شهر رمضان، أكد السباعي أن طاولات الإفطار هذا العام لن يكون فيها سوى العدس والفاصوليا. وتابع: "كانت المائدة الرمضانية في الأعوام السابقة غنية باللحوم وجميع أنواع الحلويات". وأضاف "لكن مرت ستة أشهر منذ أن تناولت اللحوم. وبالطبع، أصبح السمك حلما".

وفي تونس، يقول المواطنين إنهم بدأوا يفقدون صبرهم إزاء وعود الرئيس قيس سعيد التي لم يتم الوفاء بها بالإنقاذ الاقتصادي. 

مع انتشار الاستياء في مصر، ضغطت الحكومة على التجار لتخفيض الأسعار. وقال أشرف زكي، 50 عامًا، جزار في القاهرة افتتح واحدًا من هذا القبيل، إن الحكومة ضغطت عليه وعلى جزارين آخرين لخفض أسعارهم.

ويعتقد المحلل السياسي عبد المنعم سعيد، أن جهود الحكومة لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد المصري ستعمل على تهدئة الجمهور  لتجنب الاضطرابات.

وأضاف سعيد: "درجة الدعم كافية. لن يحدث اضطرابات، لأننا دولة مستقرة، ونحن نبني البلد، ويمكن للناس رؤية نتائج السنوات القليلة الماضية بأعينهم".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".