صورة أرشيفية لاحتجاج قرب البرلمان اللبناني
صورة أرشيفية لاحتجاج قرب البرلمان اللبناني

"كيف لم ينفجر حتى الآن؟" يسأل وزير الداخلية اللبناني السابق مروان شربل في معرض ابداء استغرابه من الوضع الأمني المتماسك حتى الآن في لبنان، ويضيف "يكاد الأمر لا يصدق، أي بلد في العالم يشهد اجتماعياً ومعيشيا وسياسياً ما يشهده لبنان، ولا ينفجر؟". 

ولكن الانفجار لا يبدو بعيداً إلى هذا الحد مؤخراً، إذ يتصدر هاجس الأمن الاجتماعي اهتمامات المراقبين للساحة اللبنانية المتداعية بفعل الأزمة المالية والسياسية التي تعيشها البلاد. لاسيما وأن المواطن اللبناني تحديداً يدفع الثمن الأكبر للتخبط الحاصل، ويتكبد ما ينتج عنه من صعوبات حياتية ومعيشية وأثمان مادية ومعنوية باهظة.

وبفعل الاحتقان والضغط السائد، والآخذ بالازدياد، بات الانفجار الاجتماعي، نتيجة تتوقعها أعلى المراجع الأمنية في البلاد، وتحذر منها التقارير الدولية التي ترصد أحوال لبنان وسكانه، خاصة وأنه ما من إجراءات حكومية أو سياسية تتخذ في سبيل كبح الانهيار، فيما كل متطلبات الانفجار باتت متوفرة على الساحة اللبنانية.

الضغط يرتفع

الدولار سجل بالأمس رقماً قياسيا جديداً أمام الليرة اللبنانية، بسعر صرف تخطى الـ 43 ألف ليرة، فيما التوقعات تشير إلى مزيد من التراجع للعملة المحلية التي تصرف عبرها رواتب الموظفين في القطاع العام، والنسبة الأكبر من موظفي القطاع الخاص، فضلاً عن الموازنات الإدارية والحكومية، التي تمول نشاط وعمل الإدارات والأجهزة الرسمية في البلاد.

في المقابل، أسواق البلاد تسير وفق سعر الدولار، كذلك كافة المتطلبات الحياتية، ما انعكس ارتفاعاً هائلاً في أسعار السلع والخدمات، وفاقم الأزمة المعيشية على المواطنين الذين يواجهون عجزاً تاماً عن تأمين احتياجاتهم، في ظل ارتفاع متزايد لنسب البطالة تقارب الـ 40 في المئة وفق التقديرات.

ومن المتوقع أن يزداد الضغط المعيشي على سكان البلاد، نتيجة حزمة ضرائب تستعد السلطات لإقرارها، بدأت من رفع تعرفة الاتصالات الخليوية، وستمتد على قطاع الكهرباء الذي لا يؤمن أكثر من تغذية ساعتين في اليوم، كما من المتوقع أن ترتفع أسعار السلع والمواد الغذائية والبضائع المستوردة ما بين 20 و50 في المئة خلال الأشهر المقبلة مع إقرار "الدولار الجمركي" الذي سيرفع نسبة الرسوم على واردات البلاد، التي تشكل 80 في المئة من حاجاتها.

وفي هذا السياق أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش'' في تقرير نشرته مطلع الأسبوع أن "غالبية سكان لبنان عاجزون عن تأمين حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وسط أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث تتحمل الأسر ذات الدخل المحدود العبء الأكبر.

وحضت الحكومة اللبنانية والبنك الدولي على اتخاذ إجراءات عاجلة للاستثمار في نظام حماية اجتماعية قائم على الحقوق ويضمن مستوى معيشيا لائقا للجميع، مشيرة إلى أكثر من نصف اللبنانيين منذ ما قبل الأزمة المالية، لم يحصلوا على أي نوع من الحماية الاجتماعية، فيما النسبة اليوم أكبر بكثير.

 كل ذلك يضاف إليه إعلان عن إعادة جدولة لنسب الضرائب على موظفي القطاع الخاص، أثار في الأسابيع الماضية غضباً شعبياً عارما، وصل إلى حد إصدار دعوات لعودة التحركات الاحتجاجية في الشارع فيما لو فرضت الضرائب التي أقرتها وزارة المالية، والتي تقتطع نسب كبيرة من الرواتب دون أي مقابل.

أما على المقلب السياسي، فالأمور تراوح مكانها، حيث الفراغ الرئاسي سيد الموقف، ولا أمل في الأفق من وصول الأطراف السياسية الممثلة في المجلس النيابي إلى أي اتفاق على اسم رئيس جمهورية، فيما حكومة تصريف الأعمال التي يترأسها نجيب ميقاتي، تفتقد إلى الصلاحيات لممارسة أي مهمات إنقاذية من الواقع الحالي.

 ويزيد الانقسام، الجدل الدستوري والميثاقي الدائر حول ممارسة حكومة تصريف الأعمال لمهامها ومهام رئيس الجمهورية في غيابه، وهو ما ترك توترا طائفياً في البلاد، بين بعض الأحزاب السياسية المسيحية والإسلامية، يزيد من تأزيم الوضع ويهدد بصدامات غب الطلب السياسي.

الانفجار قادم.. عاجلا أم آجلا

هذا الواقع دفع بمدير عام جهاز الأمن العام في لبنان، اللواء عباس إبراهيم إلى التحذير من أن "المجد الموروث أستبيح وأوشك ان يتهدم" في إشارة إلى لبنان، وذلك نتيجة فقدان "اكتمال الإطار الدستوري والمؤسساتي وانتظامه تحت قبة القانون الذي يضمن العدالة والمساواة لجميع اللبنانيين."

تحذيرات إبراهيم جاءت خلال زيارة له للرابطة المارونية في لبنان، أكد فيها أن "الخطر الداهم يتهدد لبنان"، مضيفاً أن "لا استقرار على المستوى الأمني إلا بشرطين: الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي، وإن سبب عدم الاستقرار السياسي مرده الى الخلافات المستشرية في الداخل اللبناني، والنكايات المتبادلة بين الأفرقاء السياسيين".

 ونبه إلى أن الأمور ستتجه نحو الأسوأ في حال لم يتم انتخاب رئيس للجمهورية، وأن القطاع الأمني هو من أكثر القطاعات تأثرا، وأن الأوضاع آخذة في التفاقم، مشدداً على أن الوضع الاجتماعي سينفجر آجلا أو عاجلا. ويجب تدارك الأمر بعمل مكثف وجاد في كل الاتجاهات". 

تحذيرات جاءت بمثابة جرس إنذار، مبني على معطيات، لاسيما وان القيادات الأمنية في البلاد دائما ما تنتهج التطمين في خطابها العام، ما يجعل التحذيرات من هذا النوع موضع قلق وارتياب مما قد تحمله الفترة المقبلة من توترات اجتماعية، بدأت تظهر على شكل جرائم وسرقات وأحداث فريدة، ما كانت تشهدها البلاد من قبل.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والصحافي اللبناني غسان جواد أن جهاز "الأمن العام"، على تماس مباشر ويومي مع الناس، وبالتالي "يستطيع أن يقوم بتقدير الموقف اجتماعيا بكونه جهازا أمنيا ومدنيا وسياسيا، ولديه معلومات حول المجتمع، وحول الواقع الاجتماعي، ما يسمح له بتقدير الموقف انطلاقا من المعطيات والأرقام التي لديه."

وعليه، يضيف جواد، "إذا ما استمر استعصاء الحلول الداخلية، وتصعيبها من الخارج، فيما يتوسع خط الفقر ليشمل فئات اجتماعية جديدة، فمن المتوقع أن يصل البلد إلى مرحلة لا تستطيع الناس احتمالها".

حينها يمكن لأي شرارة، وفق ما يقول جواد لموقع "الحرة"، أن تؤدي إلى عودة الاحتجاجات والفوضى الاجتماعية، "ليبقى السؤال حول الحجم الذي قد تبلغه هذه الاحتجاجات وقدرة ما تبقى من مؤسسات حكومية لبنانية على التعامل معها".

الانفجار قائم بالفعل

إلا أن ما تشهده البلاد بشكل شبه يومي من أحداث وتوترات متنقلة بين المناطق، والتي تتخذ بمعظمها طابعاً فردياً، تدفع الكثيرين إلى اعتبار أن الفوضى الاجتماعية باتت أمرا واقعاً وقائما في البلاد.

آخر تلك الأحداث شهدها لبنان أمس الأربعاء، مع اعتداء مسلح سجلته الكاميرات لأحد المواطنين الذي أقدم على إطلاق النار من مسدسه الحربي على مواطن آخر في مدينة طرابلس، على خلفية أفضلية مرور في الشارع، فكان خير تجسيد للانفلات الذي تشهده الساحة اللبنانية، وحجم التوتر الذي يعيشه السكان.

عناصر من الشرطة اللبنانية -أرشيف
لبنان.. فيديو يوثق إطلاق رصاص على رأس سائق بسبب خلاف مروري
أثار مقطع مصور يظهر عملية قتل راكب دارجة نارية في لبنان لسائق سيارة بسبب خلاف بسيط على أفضلية المرور غضب الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، داعين إلى ضبط حالة انفلات السلاح الفردي المنتشر بين سكان البلاد بشكل كبير.

وفي ليل اليوم نفسه، شهد لبنان واقعة اعتداء مسلح آخر على دورية لليونيفل جنوب لبنان خلال قيامها بمهمتها متوجهة إلى العاصمة بيروت، الأمر الذي أدى إلى مقتل عنصر من الكتيبة الإيرلندية وجرح 3 عناصر آخرين، ما عزز من مخاوف الناس والقلق العام على اتجاه البلاد.

في هذا السياق يرى النائب اللبناني أشرف ريفي، الذي شغل سابقاً منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي، أن لبنان يعيش حاليا الانفجار الاجتماعي، وهو يترجم بأحداث أمنية متفرقة كالتي نشهدها حالياً."

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن مجموعة تلك الأحداث المتفرقة تعكس حالة اجتماعية بحد ذاتها غير مقبولة ولا يتحملها البلد." متوقعاً أن تشهد البلاد هذا النوع من الأحداث بوتيرة أكبر، كلما طال أمد الأزمة دون حلول.

تقدير يتوافق مع ما يراه جواد من ناحيته في حديثه لموقع "الحرة"، إذ يعتبر أن مشهد الفوضى الاجتماعية والانفجار في لبنان بدأ بالفعل، "حين نرى إشكالات وقتل على أتفه الأسباب، نكون دخلنا بالفعل بالفوضى الاجتماعية، فالناس بلغت مراحل توتر تؤدي بها إلى عدم تحمل أي موقف، دون اللجوء إلى العنف."

ويشير الكاتب السياسي اللبناني إلى إمكانية تجدد التظاهرات والاحتجاجات، "أو قد نشهد هجمات على أملاك عامة، ومؤسسات الدولة ووزارات من قبل محتجين، فضلاً عن ارتفاع نسب الجريمة والسرقات والخطف، وتبدل شكل الجرائم وأساليبها، وهذه من ملامح الفوضى الاجتماعية التي بدأنا نراها بالفعل."

لكن الأخطر بحسب جواد، إذا ما استمر الضغط على الناس ورواتبهم وما تبقى من طبقة وسطى في البلاد، حينها قد يصل لبنان إلى "الفوضى العارمة، وهذا ما يجري التحذير منه، حيث قد نشهد أشكالاً أخرى من الانفجار الاجتماعي كتقطيع الطرقات والاعتداء على الناس وأرزاقهم، وهناك كثير من السيناريوهات التي لا يتمناها أحد". 

وتسجل القوى الأمنية اللبنانية نسب مرتفعة لجرائم السرقة والسلب وسرقة السيارات واقتحام الممتلكات وغيرها من الجرائم المرتبطة بالأزمة والواقع المعيشي، مقابل تراجع لأنواع أخرى من الجرائم، كما سجل ارتفاع ملحوظ في نسب عمليات الخطف ولاسيما الخطف مقابل فدية، الذي تنتهجه عصابات منظمة من أجل تحصيل الأموال.

المشكلة تتفاقم.. والحل سياسي

ويتفق المراقبون على أن الحل الرئيسي في البلاد ينتج سياسياً، ويرى ريفي في هذا السياق أن التأثيرات الاجتماعية هي المحرك الأكبر لهذه الفوضى التي يشهدها لبنان. ولكنه يشدد على أن أصل المشكلة في البلاد سياسي، "فكل الأمور في لبنان تبدأ من السياسة وتنعكس على صعد أخرى، المنظومة التي تقود البلاد اليوم، هي السبب الرئيسي فيما وصلنا إليه من انهيار مالي ومعاناة معيشية واجتماعية التي بدورها تدفع نحو الفوضى والانفجار، والأهم أن هذه المنظومة الحاكمة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، لا يمكن أن نتأمل منها إيجاد حل لما أنتجته من مشاكل". 

ويضيف النائب اللبناني أن الإجراءات الحكومية المتخذة وطريقة إدارة الأزمة "تفاقم المشكلة بشكل أكبر"، حيث كانت وزارة الداخلية قد أطلقت خطة أمنية لمواجهة التفلت الأمني المسجل في مدينة طرابلس شمال البلاد، وهو ما اثار انتقادات من كون الحلول المنتظرة من قبل الناس هي حلول معيشية تنهي ظواهر الفوضى والتوتر الاجتماعي.

ويؤكد ريفي أن مشكلة طرابلس مثلاً ليست أمنية، وانما سياسية ومعيشية، ولا تعالج إلا بحلول سياسية ومعيشية اجتماعية قبل الحلول الأمنية، "وصحيح أن هناك بعض المشاكل التي تتطلب تدخلاً أمنياً، ولكن الحل النهائي لها ليس أمنياً."

بدوره يرى جواد أن "طبيعة النظام اللبناني ولّاد للمشاكل والأزمات، والأداء الحكومي لناحية زيادة الضرائب التي اقترحها وزير المال، ستؤدي إلى مزيد من الضغط على الشرائح الاجتماعية وتدفعها إلى التحرك."

ويجزم الكاتب السياسي أن الحلول المنتظرة ذات طابع سياسي قبل أي جانب آخر "تبدأ من انتخاب رئيس جمهورية. فهذه الخطوة من شأنها أولا أن تخرج البلاد من الانقسام الطائفي الحاد الذي وصلت إليه حالياً، والاستعصاء الذي تعيشه المؤسسات، ويؤدي إلى إعادة انتظام العمل العام والشأن العام السياسي، وبالتالي يفتح أفق إلى إمكانية الحل، وبالتالي لا يمكن الحديث عن حل جذري بدون إعادة تكوين السلطة في لبنان، بشكل متوازن يعكس تمثيل كافة الأطراف والمكونات، والشروع بحل الازمات الاجتماعية والاقتصادية."

ويشير جواد أيضاً إلى وجود عوامل خارجية، من شأنها أن تساهم في تخفيف الضغط عن لبنان، "هناك متنفسات مطلوبة لبقاء الدولة والنظام، فمثلاً لو يسمح للبنان بالحد الأدنى استجرار عشر ساعات كهرباء من الخارج، من مصر أو الأردن أو إيران أو روسيا أو الجزائر أو أي جهة مستعدة لذلك، سيغير ذلك من واقع البلاد كليا، ما من شأنه أن ينشط كامل الاقتصاد اللبناني، ويعيد خلق فرص عمل، ولكن لا يمكن إغلاق الأفق على البلاد بهذا الشكل، فيما يبدو الحل السياسي بعيد جداً".

الوضع الأمني.. ممسوك وليس متماسكا

إلا أن المشهد الاجتماعي القاتم، لا ينعكس تشاؤماً على الصعيد الأمني، حيث يتفق المراقبون على أن الأمن ممسوك بدرجة عالية حتى الآن في لبنان، ولا خوف من هذه الناحية.

الفضل في ذلك يعود بحسب وزير الداخلية السابق مروان شربل إلى الجهود الجبارة التي تبذلها الأجهزة الأمنية اللبنانية كافة، والتي لا زالت حتى الآن تضبط الوضع، ويوضح أن "هناك كشف للجرائم بحدود 90 في المئة، وهناك جرائم تكشف قبل وقوعها، ونسبتها عالية جداً، كل ذلك في حين أن العناصر الأمنية يعيشون ما يعيشه كافة المواطنين وأوضاعهم في أحيان كثيرة أسوأ من أحوال المواطنين."

أما بالنسبة إلى ما يحصل من أحداث متفرقة، يقول شربل إنها يمكن أن تحصل بغض النظر عن الوضع المعيشي والاجتماعي، والدليل أنها موجودة ونسبتها عالية منذ ما قبل الأزمة في لبنان، "ومن خبرتي كانت تحصل كل هذه الأمور، لكنها اختلفت في الشكل والأسلوب وباتت مرتبطة أكثر بالوضع المعيشي".

يشدد شربل في حديثه لموقع "الحرة" على أن "الأمن في لبنان ممسوك، ولكن غير متماسك، والسبب في ذلك هو الخلافات السياسية القائمة بين الأطراف اللبنانية، وهذا ما أوصلنا في الأساس إلى الوضع الذي نعيشه حالياً، والفراغ السياسي القائم اليوم، يجعل ما نعيشه بالأمس أفضل مما نعيشه اليوم وما سنعيشه غداً، ولكن لا أحد يعلم متى تتدحرج الأمور بعدم وجود رأس لهذه الدولة".

ويلفت إلى أن كافة مظاهر وجود الدولة منعدمة في لبنان، "إدارات الدولة متوقفة لا تعمل والموظفين مضربين، والأصعب من ذلك أن القضاء متوقف عن العمل وبالتالي لا محاسبة ولا رقابة ولا غيره، تنعدم كافة مظاهر وجود الدولة، ولا أعلم إلى أي حد يمكن للأجهزة الأمنية المحافظة على ضبطها للأمور، ولكنها الضمانة الوحيدة المتبقية لوجود الدولة، قبل أن تمسك الميليشيات بالوضع الأمني في المناطق".

من جهته يختم جواد مؤكداً أن القرار السياسي الداخلي والخارجي لا يوحيان باحتمال وقوع توتر أمني على خلفية سياسية في لبنان، "ولكن التوتر الاجتماعي المتوقع يأتي على خلفية العجز التي تعانيه الناس بغالبية الشرائح الاجتماعية، وهذا هو الفقر الحقيقي، العجز أمام الحاجات الرئيسية من فرص عمل وطبابة وكهرباء وكلفة الخدمات، الانفجار الاجتماعي لا يتعلق فقط بالجوع، وقد لا يكون لبنان وصل بعد إلى فقر الطعام بشكل عام، لكن كافة المواطنين وصلوا إلى مرحلة يشعرون فيها بالعجز عن الإيفاء بمتطلبات الحياة على كافة الجوانب، وفي العصر الحديث لم يعد الفقر هو الجوع فقط".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.