هدى مثنى تتحدث في مقابلة صحفية في مخيم روج في سوريا في شهر نوفمبر الماضي.
هدى مثنى تتحدث في مقابلة صحفية في مخيم روج في سوريا في شهر نوفمبر الماضي.

قالت امرأة هربت من منزلها في ولاية ألاباما عندما كانت في سن العشرين، لتلتحق بتنظيم داعش، ولديها الآن طفل من أحد مقاتلي التنظيم، إنها لا تزال تأمل في العودة إلى الولايات المتحدة، وتدخل السجن إذا اقتضى الأمر، لتنشر الوعي ضد المتطرفين.

وفي مقابلة نادرة في معسكر اعتقال روج في سوريا حيث تحتجزها القوات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة، قالت هدى مثنى إنها تعرضت لغسيل دماغ على أيدي المتاجرين بالبشر عبر الإنترنت للانضمام إلى الجماعة الإرهابية عام 2014، وتأسف على كل شيء باستثناء ابنها الصغير، وهو في سن الالتحاق بروضة الأطفال.

وقالت المرأة ذات الـ28 عاما، لصحيفة The News Movement التي مقرها في الولايات المتحدة: "إذا كان علي الدخول إلى السجن لتنفيذ العقوبة، فسأفعل ذلك ... لن أقاوم ذلك". وأضافت "آمل أن تنظر حكومتي إلي كشابة في ذلك الوقت وساذجة".

عبارة كررتها في مقابلات إعلامية عدة منذ فرارها من آخر جيوب التنظيم المتطرف في سوريا في أوائل عام 2019.

لكن قبل أربع سنوات، عندما كان التنظيم في ذروة قوته، كانت متحمسة في الدفاع عن المتطرفين على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك في مقابلة مع BuzzFeed News. وقتها كان تنظيم داعش يحكم "الخلافة الإسلامية" التي أعلنها بنفسه على مساحة ما يقارب ثلث كل من سوريا والعراق. في عام 2015، دعت الأميركيين في منشورات عبر حسابها في تويتر للانضمام إلى داعش وتنفيذ هجمات في الولايات المتحدة، مقترحة إطلاق نار من عجلة مارة أو عمليات دهس بالسيارات تستهدف التجمعات في الأعياد الوطنية.

صورة غير مؤرخة لهدى مثنى.

في مقابلتها مع TNM، تزعم مثنى الآن أن عناصر داعش أخذوا هاتفها وأرسلوا منه تلك التغريدات.

ولدت هدى مثنى في ولاية نيو جيرسي لأبوين يمنيين، وكانت تحمل جواز سفر أميركيا. ونشأت في منزل أسرة مسلمة محافظة في هوفر، ألاباما، خارج برمنغهام. وفي عام 2014، أخبرت عائلتها أنها ذاهبة في رحلة مدرسية، لكنها سافرت إلى تركيا وعبرت من هناك إلى سوريا، وقد صرفت سرا شيكات أقساط الدراسة، لدفع تكاليف سفرها.

وفي عام 2016، ألغت إدارة أوباما جنسيتها، قائلة إن والدها كان دبلوماسيا يمنيا معتمدا وقت ولادتها - وهو إلغاء نادر لجنسية المولد. وعارض محاموها هذه القرار، قائلين إن الاعتماد الدبلوماسي للأب كان انتهى قبل ولادتها.

وأكدت إدارة ترامب أن مثنى لم تكن مواطنة ومنعتها من العودة، حتى في الوقت الذي كان فيه البيت الأبيض يضغط على الحلفاء الأوروبيين لإعادة مواطنيهم المحتجزين لتقليل الضغط على معسكرات الاعتقال في سوريا.

ووقفت المحاكم الأميركية إلى جانب الحكومة في ما يتعلق بمسألة جنسية مثنى. وفي يناير الماضي رفضت المحكمة العليا النظر في دعواها القضائية الرامية لعودتها إلى الولايات المتحدة. وقد تركها ذلك هي وابنها يقبعان في معسكر اعتقال في شمال سوريا يأوي آلافا من أرامل مقاتلي الدولة الإسلامية وأطفالهن.

وبحسب تقرير أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش الشهر الماضي، فإن حوالي 65600 من أعضاء داعش المشتبه بهم وعائلاتهم - سوريون وأجانب - محتجزون في معسكرات وسجون في شمال شرق سوريا تديرها الجماعات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة.

ويتم إيواء النساء المتهمات بالانتماء إلى داعش وأطفالهن القصر إلى حد كبير، في مخيمي الهول وروج، في ظل ما وصفته الجماعة الحقوقية بـ "ظروف مهددة للحياة". وضمن المعتقلين أكثر من 37400 أجنبي، من بينهم أوروبيون وأميركيون شماليون.

وأشارت هيومن رايتس ووتش ومراقبون آخرون إلى ظروف معيشية مزرية في المعسكرات، بما في ذلك عدم كفاية الطعام والماء والرعاية الطبية، فضلا عن الاعتداء الجسدي والجنسي على النزلاء من جانب الحراس وزملائهم المحتجزين.

وألقت السلطات التي يقودها الأكراد ونشطاء باللوم على الخلايا النائمة للتنظيم في تصعيد العنف داخل معسكرات اللاجئين، بما في ذلك قطع رأس فتاتين مصريتين، تتراوح أعمارهن بين 11 و 13 عاما، في مخيم الهول في نوفمبر. وأصابت الضربات الجوية التركية التي استهدفت الجماعات الكردية في ذلك الشهر منطقة قريبة من الهول. وزعم مسؤولو المخيم أن الضربات التركية كانت تستهدف قوات الأمن التي تحرس المخيم.

وكتبت هيومن رايتس ووتش: "لم يمثل أي من الأجانب أمام سلطة قضائية ... لتحديد ضرورة وشرعية احتجازهم، مما يجعل احتجازهم تعسفيا وغير قانوني"، وأضافت أن "الاحتجاز على أساس الروابط الأسرية فقط يرقى إلى عقوبة جماعية، جريمة حرب".

ولم تجد الدعوات لإعادة المعتقلين إلى أوطانهم آذانا صاغية في أعقاب فترة حكم داعش الدموية، التي اتسمت بالمذابح وقطع الرؤوس وغيرها من الفظائع، والتي بُث كثير منها للعالم في أفلام مصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن مع مرور الوقت، بدأت وتيرة عمليات الترحيل في الارتفاع. وقالت هيومن رايتس ووتش إن حوالي 3100 أجنبي - معظمهم من النساء والأطفال - أعيدوا إلى بلادهم خلال العام الماضي. وكان معظمهم من العراقيين الذين يشكلون غالبية المعتقلين، ولكن تمت إعادة مواطنين أيضا إلى أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا وهولندا وروسيا والمملكة المتحدة.

وأعادت الولايات المتحدة ما مجموعه 39 مواطنا أميركيا. ومن غير الواضح عدد الأميركيين الآخرين الذين بقوا في المعسكرات.

حاليا، تحاول هدى مثنى تصوير نفسها على أنها كانت ضحية لتنظيم داعش.

في حديثها مع TNM، تصف مثنى كيف، بعد وصولها إلى سوريا في عام 2014، تم احتجازها في بيت ضيافة مخصص للنساء غير المتزوجات والأطفال. قالت: "لم أر قط هذا النوع من القذارة في حياتي، كان هناك نحو 100 امرأة وضعف العدد من الأطفال، يركضون، وكثير من الضوضاء، وأسرّة قذرة".

"كان السبيل الوحيد للهروب هو الزواج من مقاتل". وتزوجت بالفعل ثلاث مرات. قُتل زوجاها الأول والثاني، أحدهما والد ابنها، في معركة. وبحسب زعمها، طلقت زوجها الثالث.

لم يعد التنظيم المتطرف يسيطر على أي أرض في سوريا أو العراق، لكنه يواصل شن هجمات متفرقة ولديه أنصار في المخيمات ذاتها. تقول مثنى إنه لا يزال يتعين عليها توخي الحذر بشأن ما تقوله خوفا من الانتقام.

"حتى هنا، الآن، لا أستطيع أن أقول بشكل كامل كل ما أريد قوله. لكن بمجرد أن أغادر، سأفعل. سأنشط ضد هذا"، تقول، "أتمنى أن أتمكن من مساعدة ضحايا داعش في الغرب على فهم أن شخصا مثلي ليس جزءا من التنظيم، وأنني أنا أيضا ضحية لداعش".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يمثل الهزارة ثاني أكبر أقلية في أفغانستان بعد الطاجيط
ينتمي شيعة أفغانستان إلى أقلية الهزارة وهي ثاني أكبر أقلية في البلاد بعد الطاجيك.

لم يكن التفجير الذي استهدف حافلة للشيعة في منطقة (دشت برتشي) في العاصمة كابل الأسبوع الماضي سوى امتداد للحملة الدموية المتواصلة التي يشنها تنظيم داعش على الشيعة في أفغانستان منذ سنوات.

عمليات تفجير في المساجد والأسواق والمناسبات الدينية والاجتماعية وضحايا بالمئات، فلماذا يستهدف التنظيم شيعة أفغانستان بكل هذه الضراوة والوحشية؟

 

مخطط مسبق

 

العمليات التي يشنها تنظيم داعش ضد الشيعة في أفغانستان عشوائية في معظمها ولا تطال إلا أهدافا مدنية، وهدفها الأساسي إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. لكن  في حملته العشوائية هذه يبدو أن التنظيم يستند إلى مخطط مسبق هدفه محاربة نفوذ إيراني مزعوم في البلاد، وتقويض حكم حركة طالبان.

ففي "بحث" مطول بعنوان "أفغانستان ضحية المشروع الرافضي "، نشره التنظيم على حلقات في إحدى مجلاته الرسمية، تتبع داعش ما يعتبره نفوذا إيرانيا متغلغلا في البلد. وتضمن "البحث" كمية غزيرة من المعلومات والمعطيات عن شبكة المصالح الإيرانية المزعومة، بدءاً بالمساجد والحسينيات والمراكز الثقافية والهيئات الدعوية، إلى المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الأهلية، ودور الرعاية والمراكز الصحية والمبادرات الإغاثية، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إذاعية وتلفزية، وشركات الاتصالات والمقاولات التجارية والمشاريع الزراعية، والمدارس والمعاهد العلمية والجامعات وغيرها مع ذكر أسمائها وأماكن وجودها والمسؤولين عنها.

ويرى التنظيم "أن إيران من خلال الشيعة في أفغانستان تريد الوصول إلى أرقى المناصب للتحكم في الطبقة الحاكمة" في الحكومات السابقة، وبناء علاقات متينة مع الحكومة الحالية، والسيطرة على أفغانستان عبر شبكة المصالح وعلاقات النفوذ التي رعتها منذ سنوات. 

وبالتالي، فالتنظيم تتملكه قناعة راسخة أن التصدي "للتوسع الإيراني" يبدأ بمخطط إبادة للشيعة في أفغانستان. واختار للقيام بذلك بنك أهداف سهلة، لكنها تؤدي غرضه في نشر الرعب وبث الفوضى، ورفع حصيلة الضحايا، وقد افتخر في أحد منشوراته بالمقابر الجماعية التي خلفتها تفجيراته في كابل وهيرات ومزار الشريف وباميان وقندهار.

 

عقيدة الإبادة

 

لا يمكن فهم السلوك العدواني لداعش ضد الشيعة سواء في أفغانستان أو باكستان أو العراق أو عمان إلا في ضوء أدبيات الإبادة التي أرساها شيوخ التنظيم منذ عشرين عاما، وكرسها التنظيم على امتداد مسيرته الدموية عبر مئات المنشورات والإصدارات والفتاوى الدينية.

ثمة توتر دائم بين المذاهب والطوائف الإسلامية، ويوجد في التراث السني  والشيعي معا أفكار تلغي وجود الآخر، وتتهمه حتى بالكفر والمروق من الدين، لكن تنظيم داعش ينفرد بأفكاره الخاصة في هذا الجدل، لم يشاركه فيها أحد بما في ذلك تنظيم القاعدة.

كان أبو مصعب الزرقاوي أول من أسس للنزعة الإبادية ضد الشيعة، وحاول أيمن الظواهري وأسامة بن لادن في عدد من الرسائل المتبادلة بينهم إقناعه بالعدول عن مواقفه، لكن دون جدوى. وأصر في رسالته إلى أسامة بن لادن على أن قتال الشيعة مقدم على قتال القوات الأميركية.

وكان الشرط الذي وضعه لبيعة القاعدة أن يوافق قادتها على مشروعه الدموي القائم على "إبادة عوام الشيعة" بعد تكفيرهم. وكان أسلوبه المفضل في حربه الإبادية هذه، حسب تعبير أبو ميسرة الشامي القيادي في تنظيم داعش، "المفخخات يفجرها في أسواقهم وأحيائهم وحسينياتهم ولا يمر يوم إلا ويقتل العشرات والمئات من عوامهم ورموزهم".

أشاد تنظيم داعش في ولاية خراسان بحرب الزرقاوي على الشيعة، واعتبر أن حربه على شيعة أفغانستان هي امتداد للحملة التي أطلقها ضد الزرقاوي في 2004.

 

الحرب الطائفية وإحراج طالبان

 

يعتبر تنظيم داعش أن استهداف الشيعة مقدمة ضرورية لفرض "حالة التوحش"، وإطلاق شرارة الحرب الطائفية التي سيجد "السنة" أنفسهم مجبرين على الانخراط فيها. وهو ما سبق أن عبر عنه  الزرقاوي سابقا بالقول إن استهداف الشيعة سيؤدي إلى رد انتقامي منهم تجاه السنة. وهكذا  إذا نجح المخطط" أمكن إيقاظ السنة الغافلين"، بتعبيره هو نفسه.

أصدرت ولاية خراسان مجموعة من الإصدارات والمقالات التي تحرض على قتال الشيعة، وتحاول بواسطة وسائل كثيرة إقناع الأفغان بوجوب المشاركة في هذا القتال باعتباره "واجبا شرعيا"، بدعوى تحالفهم مع القوات الأميركية، وولائهم لإيران ومشاركتهم في الحرب معها في سوريا.

وتراهن ولاية خراسان في استهداف الشيعة على خلق فوضى شاملة، وحالة من حرب الكل ضد الكل في أفغانستان، وهذا الوضع يخدم أجندتها على مستويات عديدة:

أولا: إغراق أفغانستان في مستنقع من الاضطرابات الأمنية، وتقويض حكم حركة طالبان، من خلال تحميلها مسؤولية الفشل في حماية الأقليات بالبلاد، وإدخالها في حالة مستمرة من الاستنزاف.

ثانيا: إحراج حركة طالبان أمام إيران وهي من أهم الشركاء الإقليميين للحركة، ويسعى الطرفان إلى بناء علاقات استراتيجية بينهما لمواجهة الضغوط الغربية. وقد صرح في هذا السياق الممثل الخاص للرئيس الإيراني وسفير إيران في أفغانستان حسن كاظمي قمي بأن "إيران تريد من أفغانستان أن تكون عونا إستراتيجيا لها، وإن خلق أي تباعد وخلاف بين البلدين هو مشروع أميركي، وإن أفضل وسيلة لتقوية العلاقات يكون بربطها بالاقتصاد ومشاريع البنى التحتية". وهذا التباعد الذي يخشاه السفير الإيراني هو بالضبط ما يبحث عنه تنظيم داعش في أفغانستان.

تعتبر داعش في خراسان أن الشيعة وطالبان وجهان لعملة واحدة، وقد نشرت حوارا في مجلة "صوت خراسان" مع أحد أبرز قادتها "الشرعيين"، الذي سرد ما اعتبرها "أدلة شرعية" وشواهد تاريخية أن الشيعة يجري عليهم من الأحكام ما يجري على الصوفية. وتعتبر داعش أن طالبان امتداد للطائفة الصوفية الديوبندية. وتكفر الحركة الشيعة وطالبان معا.

لذلك يرى التنظيم في خراسان أن استهداف "الشيعة" هو في الوقت ذاته استهداف لحركة "طالبان القبورية"، كما يصفها التنظيم، وكثيرا ما نفذ عمليات مزدوجة ومتزامنة تستهدف الطرفين في وقت واحد. مثل العملية التي نفذها في 19 من أبريل الماضي، عندما فجر حافلة تقل مواطنين شيعة في نقطة تفتيش تابعة لطالبان في كابل.