حركة طالبان "تدقق" في فيديو يظهر عمليات إعدام ينفذها مقاتلوها

عزز المتشددون في طالبان سيطرتهم على أفغانستان من خلال سلسلة من القرارات التي تتجاوز رغبات بعض مسؤولي الحركة بالعاصمة كابل، حسبما ذكرت صحيفة "واشنطن بوست".

وأفادت الصحيفة بأن المرشد الأعلى لطالبان، هيبة الله أخوندزاده، وزملاؤه من المتشددين المقيمين في قندهار، ثاني أكبر مدينة بأفغانستان، يعملون على قمع الحريات الاجتماعية حيث تنتقل حركتهم من شن تمرد في المقام الأول إلى حكم دولة كبيرة ومتنوعة.

وأظهرت القيود الصارمة التي أصدرها أخوندزاده الشهر الماضي بمنع النساء من الالتحاق بالجامعات والعمل في المنظمات الدولية، أن السلطة الحقيقية لا تزال موجودة في قندهار وليس في كابل، موطن وزارات طالبان ورئيس الوزراء بالإنابة، بحسب الصحيفة.

وقاد أخوندزاده، وهو رجل دين شديد المحافظة، حركة طالبان منذ عام 2016 ونادرا ما يظهر علنا لكنه يلتقي على نحو خاص مع مسؤولين دينيين محليين. 

وعلى الرغم من تعيينه وزراء وحكام طالبان بعد انهيار الحكومة الأفغانية السابقة عام 2021، يحتفظ أخوندزاده بالكلمة الأخيرة في جميع قرارات السياسة الوطنية الرئيسية.

قال أحد مسؤولي طالبان في كابل على مستوى الوزارة: "في البداية، تلقينا للتو إرشادات" من المرشد الأعلى لصياغة السياسة، مضيفا: "الآن بالنسبة لأي شيء مهم، نحتاج إلى الحصول على موافقة (من) قندهار".

وقال إنه في حالات أخرى، تأتي الأحكام مباشرة من قندهار دون التشاور مع كابل، على الرغم من أن القرارات يتم الإعلان عنها رسميًا من قبل الوزارات الحكومية.

وقال المسؤول "لا يتفق الجميع" مع الأحكام الأخيرة، في إشارة إلى أعضاء طالبان في كابل وعلى مستوى المقاطعات الأخرى. 

لكنه قال إن قندهار تطالب بمزيد من الرقابة على السياسة وأن الوزراء الذين يفتقرون إلى التواصل المباشر مع قندهار يتعرضون للتهميش بشكل متزايد. 

وأكد مسؤولان آخران في طالبان رسم المرشد الأعلى للجماعة للتحولات الأخيرة في صنع سياسة الدولة.

وتحدث المسؤولون الذين تمت مقابلتهم في هذا المقال بشرط عدم الكشف عن هويتهم؛ لأنهم غير مخولين لمناقشة المفاوضات الجارية أو الخلافات السياسية الداخلية.

وقال مسؤول إغاثة في كابل لديه معرفة مباشرة بالمفاوضات داخل قيادة طالبان، إن المرشد الأعلى "يتولى المزيد من السيطرة" على السياسة الوطنية. 

في المقابل، نفى نائب المتحدث باسم طالبان، قاري محمد يوسف أحمدي، حدوث أي تحول في صنع السياسة أو العملية التنفيذية للجماعة.

وقال "إن قادة ووزراء وأعضاء مجلس الوزراء في إمارة أفغانستان الإسلامية يضعون السياسات بتوجيه" المرشد الأعلى وأن توجيهاته تستند بالكامل إلى الشريعة الإسلامية.

ومنذ أن سيطرت على أفغانستان، عملت طالبان بشكل مطرد على قمع حقوق المرأة، حيث مُنعت غالبية الموظفات الحكوميات على الفور من القدوم إلى العمل عام 2021.

في مارس 2022، صدر حكم مفاجئ صدر في اللحظة الأخيرة بمنع الفتيات من التعليم الثانوي. كما قيدت بشدة حرية النساء في الملابس وفرضت إلزامية ارتداء الملابس التي تغطي كامل جسم المرأة. 

وفي نوفمبر، مُنعت النساء من دخول الحدائق العامة وصالات الألعاب الرياضية.

ومؤخرا، أعلنت وزارة التعليم العالي بحكومة حركة طالبان ، حظر التعليم الجامعي للنساء في أفغانستان إلى أجل غير مسمى، في رسالة وجهتها إلى جميع الجامعات الحكومية والخاصة.

يأتي الحظر المفروض على التعليم العالي للنساء بعد أقل من ثلاثة أشهر من إجراء الآلاف منهن امتحانات القبول بالجامعات في أنحاء البلاد.

كما منعت النساء من العمل في المنظمات الإغاثية الدولية المهتمة بتقديم المساعدات التي تشتد إليها الحاجة في البلاد.

على الرغم من العديد من الإجراءات أثارت غضبًا عالميًا واحتجاجات في جميع أنحاء أفغانستان، إلا أن القيادة العليا لطالبان رفضت إلغاء أي من القرارات، ودافعت عنها باعتبارها قضايا داخلية يجب أن تكون بعيدة عن التدخل الخارجي.

وقال أحمدي، نائب المتحدث باسم طالبان، إن الأحكام ضرورية لطالبان لإرساء الشريعة الإسلامية على مستوى البلاد، وأن "مسؤولية" المجتمع الدولي هي الاستمرار في مساعدة الشعب الأفغاني.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.