تم توقيع الاتفاق السعودي الإيراني في الصين
تم توقيع الاتفاق السعودي الإيراني في الصين

ذكر تقرير مطول نشرته شبكة "سي أن أن"، الاثنين، أن الاتفاق السعودي الإيراني قد ينعكس على دول بالمنطقة ومنها العراق وإسرائيل ولبنان واليمن.

وأعلنت السعودية وإيران، الجمعة الماضي، الاتفاق على إعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بينهما منذ عام 2016، وفقا لبيان مشترك صدر عن البلدين.

وقال البيان المشترك الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية السعودية "واس" إنه وبعد محادثات في الصين "تعلن الدول الثلاث أنه تم توصل السعودية وإيران إلى اتفاق يتضمن الموافقة على استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما وإعادة فتح سفارتيهما وممثليتاهما خلال مدة أقصاها شهران".

وأضاف أن "الاتفاق جاء استجابة لمبادرة من الرئيس الصيني شي جين بينغ وبدعم من الصين لتطوير علاقات حسن الجوار"، بالإضافة إلى تأكيد البلدين "على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".

وتقول سي أن أن إنه قبل إعادة السفراء إلى مناصبهم، من المرجح أن تناقش الدولتان سبل إنهاء نحو سبع سنوات من العداء، وهي مهمة كبيرة بالنظر إلى الآثار المترتبة على ذلك.

وتحدث المصالحة فيما تجد إيران نفسها معزولة بشكل متزايد على المسرح العالمي وتغير السعودية مسار سياستها الخارجية لصالح الدبلوماسية بدلا عن المواجهة. ومع التركيز على التنمية الاقتصادية، تحركت السعودية وجارتها الإمارات في السنوات الأخيرة لإصلاح العلاقات مع معظم خصومهم الإقليميين.

وتراجعت الرياض عن السياسة الخارجية المتشددة التي تبنتها عندما دخل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى المشهد بعد أن تولى والده الملك سلمان العرش في عام 2015. وقد تصالحت مع تركيا، وانخرطت مجددا مع سوريا، ودعمت وقف إطلاق النار في اليمن.

وقطعت السعودية العلاقات مع إيران، في عام 2016، بعد اقتحام سفارتها في طهران في أثناء خلاف بين البلدين بشأن إعدام الرياض رجل دين شيعي، كما أنها جاءت بعد عام على بدء العمليات العسكرية من "التحالف العربي بقيادة السعودية" ضد الحوثيين في اليمن.

وكان لـ"الحرب الباردة" الإيرانية السعودية تأثير على كل صراع في المنطقة تقريبا، لذلك يمكن أن يكون لحلها تداعيات قوية على هذه الصراعات وفقا لسي أن أن.

اليمن

اليمن من أكثر الدول تضررا من خلاف الرياض وطهران. دعم البلدان الفصائل المختلفة في الحرب الأهلية اليمنية عام 2014، وفي عام 2015، تدخل تحالف تقوده السعودية لمحاربة المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران الذين اجتاحوا أجزاء واسعة من البلاد.

وقال فراس مقصد، الزميل الأول في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة والأستاذ المساعد بجامعة جورج واشنطن، لسي أن أن إن "حرب اليمن كانت على الأرجح الأولوية على جدول أعمال البلدين".

وشهدت البلاد هدوءا نسبيا في أعقاب هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة في أبريل الماضي، وانتهت تلك الهدنة في أكتوبر، لكن يبدو أنها صامدة على أي حال، وانخرطت السعودية في محادثات مباشرة مع الحوثيين.

وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، في بيان السبت، أن المصالحة "ستسرع وقف إطلاق النار وتساعد في بدء حوار وطني وتشكيل حكومة وطنية شاملة في اليمن".

وقال حسين إيبش، الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن العاصمة، لشبكة سي أن أن إن إيران قد تستخدم نفوذها ضد الحوثيين للدفع باتجاه حل للحرب.

وأضاف: "من المحتمل جدا أن تلتزم طهران بالضغط على حلفائها في اليمن ليكونوا أكثر استعدادا لإنهاء الصراع في ذلك البلد ، لكننا لا نعرف حتى الآن ما هي التفاهمات التي تم التوصل إليها خلف الكواليس".

وأودى الصراع مذاك بعشرات آلاف اليمنيين وتسبب بأزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم مع نزوح ملايين الأشخاص، بحسب تقرير سابق لوكالة فرانس برس.

وفي تقرير سابق لموقع "الحرة"، قال المحلل السياسي السعودي، عبد الله الرفاعي، إن هذا "التقارب السعودي-الإيراني قد يؤثر على جميع الملفات، التي تشكل بؤر توتر في العلاقات".

وأضاف أن من أهم هذه الملفات التي سيطالها التأثير "الملف اليمني".

وقال مساعد بن محمد العيبان، وزير الدولة عضو مجلس الوزراء ومستشار الأمن الوطني السعودي، "إننا نثمن ما توصلنا إليه، ليحدونا الأمل أن نستمر في مواصلة الحوار البناء، وفقا للمرتكزات والأسس التي تضمنها الاتفاق، معربين عن تثميننا وتقديرنا لمواصلة جمهورية الصين الشعبية دورها الإيجابي في هذا الصدد".

وتعد السعودية وإيران أبرز قوتين إقليميتين في المنطقة، ولكنهما على طرفي نقيض في العديد من الملفات، إذ تبدي الرياض قلقها من نفوذ طهران الإقليمي وتتهمها بـ"التدخل" في دول عربية مثل سوريا والعراق ولبنان، ناهيك عن المخاوف من برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية.

وقد ذكر البيان المشترك أن البلدين اتفقا في المحادثات، التي أجريت بين 6 و10 مارس، على "احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".

لبنان

يعاني لبنان من أزمة مالية خانقة. فقد انسحبت السعودية، الحليف العربي الأقرب لها في السابق، منها إلى حد كبير في أعقاب خلاف دام سنوات بسبب نفوذ حزب الله المدعوم من إيران في البلاد.

ووصلت العلاقات إلى أدنى مستوياتها في عام 2021، عندما سحبت السعودية وبعض حلفائها العرب في الخليج سفراءهم من بيروت في أعقاب انتقادات سابقة لوزير الإعلام اللبناني آنذاك لحرب التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن.

وعاد المبعوثون في وقت لاحق، لكن العلاقات السعودية اللبنانية لا تزال فاترة.

وأشاد حزب الله ورئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، بالصفقة السعودية الإيرانية ووصفها ميقاتي بأنها "فرصة للتنفس في المنطقة والتطلع إلى المستقبل".

لكن محللين يقولون لسي أن أن إن هذا لا يعني أن علاقات لبنان مع الرياض ستتحسن تلقائيا.

وقال وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، الجمعة، إن لبنان بحاجة إلى "تقارب لبناني" لتحسين الوضع في لبنان، وليس "التقارب السعودي الإيراني".

وقال فراس مقصد: "لبنان ليس على رأس أولويات صناع القرار في الرياض".

وأوضح لسي أن أن "هناك الكثير من الملفات التبعية في الرياض يجب القلق بشأنها قبل معالجة التحديات في لبنان"، مضيفا أن لبنان حاليا أكثر أهمية للإيرانيين منه للسعوديين، وأنه ما لم يتغير ذلك، فإن حزب الله "في شكله الحالي" من المرجح أن يظل "اللاعب المهيمن في لبنان".

وألقى الخلاف السعودي الإيراني بثقله على لبنان الواقع تحت سيطرة النفوذ الإقليمي للبلدين، تُرجم ذلك من خلال الانقسام الحاد بين الفرقاء السياسيين، وما نتج عنه من تعطيل كل استحقاق رئيسي، وصولا إلى انزلاق البلد نحو الانهيار الكبير على مختلف الأصعدة منذ العام 2019، لاسيما بعد رفع المملكة مظلتها عنه، والتوقف عن مساعدته نتيجة مواقف حزب الله المناهضة لها.

وما أن أعلن انتهاء مرحلة الخلاف بين السعودية وإيران، حتى عبر محللون سياسيون لبنانيون عن تفاؤلهم بأن يساهم هذا التقارب في لجم الانهيار الاقتصادي، بدءا من وضع حد للفراغ الرئاسي وتشكيل حكومة.

لكن في المقابل يرى آخرون أن ملف بلدهم لم يعد ضمن اهتمامات الدول الإقليمية والدولية، وبالتالي أصبح بعيدا عن أي طاولة مفاوضات. وبين المتفائلين والمتشائمين هناك من يفضّل الترقب تاركا للأيام كشف انعكاسات هذه الانعطافة التاريخية المهمة.

إسرائيل

وشقّت المصالحة طريقها إلى الجدل السياسي الداخلي الإسرائيلي، وفقا لسي أن أن.

وقبل ساعات من الإعلان عن الصفقة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، في إيطاليا، يمجد أحد أهدافه الرئيسية: التطبيع مع السعودية.

بالنسبة لإسرائيل، يُنظر إلى السلام مع السعودية على أنه ذروة اتفاقيات التطبيع. على الرغم من استمرار العلاقات من وراء الكواليس لسنوات، فإن السلام الشامل سيكون إنجازا كبيرا، وأحد العناصر الرئيسية في تشكيل تحالف إقليمي لمواجهة إيران.

ثم ساد الواقع في وقت لاحق، الجمعة، وهو أن عدو إسرائيل القديم والأخير (إيران)، وصديق نتانياهو المقبل المفضل (السعودية)، كانا يتصالحان. وبدأت لعبة اللوم في المؤسسة السياسية الإسرائيلية، وفقا لسي أن أن.

ونقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن "مصدر سياسي رفيع في روما" لم تحدد هويته إلقاء اللوم على الحكومة السابقة بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد في المصالحة.

في المقابل، قال رئيسا الوزراء السابقين لبيد وبينيت إن نتانياهو يهمل الوضع في الشرق الأوسط، ويركز بدلا عن ذلك على جهود حكومته لسن إصلاح قضائي مثير للجدل.

وقال لبيد إن إلقاء اللوم عليه في تدهور العلاقة مع السعودية كان "وهميا"، وإنه أثناء وجوده وبينيت في السلطة، وقعت الرياض اتفاقية طيران مع إسرائيل، وتم ترتيب رحلات جوية مباشرة للحج واتفاق أمني متعلق بجزر في البحر الأحمر.

وأضاف "توقف كل هذا (...) عندما تم تشكيل الحكومة الأكثر تطرفا في تاريخ البلاد هنا وأصبح من الواضح للسعوديين أن نتانياهو كان ضعيفا وأن الأميركيين توقفوا عن الاستماع إليه".

وتابع "دول العالم والمنطقة تراقب إسرائيل في صراع مع حكومة مختلة تعمل في التدمير الذاتي المنهجي".

ولم يشر نتانياهو إلى الاتفاق في تصريحات قبل الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء الإسرائيلي، الأحد، وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إنه ليس لديها تعليق عليه.

وتعمقت حالة الاستقطاب السياسي الداخلي في إسرائيل على وقع صدور البيان الثلاثي المشترك الذي أعلن فيه عن استئناف العلاقات السعودية الإيرانية برعاية صينية.

وتخوض إيران حرب ظل مع إسرائيل منذ سنوات، إذ تتهم طهران، إسرائيل بالوقوف وراء سلسلة من الهجمات التخريبية والاغتيالات التي استهدفت برنامجها النووي.

وقال المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآب شتيرن، في تقرير سابق لموقع "الحرة" إن ما حدث من استقطاب سياسي حاد "يدل على عمق الأزمة الداخلية التي تعيشها البلاد".

العراق

وسارع العراق، الذي استضاف عدة جولات من المحادثات بين إيران والسعودية، إلى الترحيب بالمصالحة. ويقول محللون إن من مصلحة بغداد أن تستمر المصالحة لأن البلاد أصبحت ساحة للتنافس الإيراني السعودي منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

وقال إحسان الشمري، أستاذ السياسة في جامعة بغداد ورئيس المركز العراقي للفكر السياسي، لسي أن أن "لقد استخدمت إيران العراق لزيادة الضغط على السعودية في جميع المجالات، بما في ذلك الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية على وجه التحديد".

وأضاف أن العراق قد فاته تحسين العلاقات مع السعودية والاستثمارات الكبيرة المحتملة في البلاد بسبب النفوذ الإيراني الكبير.

ولطالما كان للأحزاب المتحالفة مع إيران نفوذ في السياسة العراقية وتسببت في بعض الأحيان في مأزق سياسي بلغ ذروته في أعمال عنف، وفقا لسي أن أن.

وقال الشمري إن السعودية تريد من إيران كبح جماح بعض حلفائها في العراق، لا سيما الجماعات المسلحة شبه العسكرية التي تعتبرها تهديدا أمنيا. لكنه أضاف أن هذا قد يكون مجرد حلم لأن إيران ترى العراق كدولة تابعة وأن حلفاءها في البرلمان سيرغبون في الحفاظ على مصالحهم وتحالفهم مع طهران.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية على طلب سي أن أن للتعليق.

ويتفق مراقبون على أن الاتفاق المفاجئ بين السعودية وإيران على استعادة العلاقات الدبلوماسية سينعكس إيجابيا على الوضع في العراق في ظل الصراع الدائم على النفوذ في هذا البلد بين القوتين الأبرز في المنطقة.

وأُعلنت الصفقة بعد محادثات استمرت أربعة أيام في بكين ولم يكشف عنها في حينها بين البلدين الخصمين، بعد قطيعة استمرت أكثر من سبع سنوات.

ولعب العراق دورا بارزا في التوصل للاتفاق بعد أن استضافت بغداد عدة جولات للحوار بين البلدين خلال السنتين الماضيتين.

وبدأت جلسات الحوار بين البلدين في أبريل 2021 بتسهيل من رئيس الحكومة العراقية السابق مصطفى الكاظمي الذي تربطه علاقات جيدة بالجانبين.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".