تمثال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وهو يزال من قبل الجموع في بغداد
تمثال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وهو يزال من قبل الجموع في بغداد

في التاسع عشر من مارس، قبل 20 عاما، أعلنت الولايات المتحدة إطلاقها حرب العراق بعد انتهاء مدة منحت للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لكي يغادر البلاد مع عائلته.

كانت الولايات المتحدة لا تزال تحت التأثير الهائل لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتخوض قواتها حربا في أفغانستان، حينما أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش العراق جزءا من "محور الشر،" الذي يضم إلى جانب العراق، إيران وكوريا الشمالية، وقال إن هناك معلومات استخبارية أن بغداد تمتلك "أسلحة دمار شامل".

الرئيس الأميركي الأسبق بوش متحدثا امام الامم المتحدة عن "محور الشر" الذي يضم "إيران والعراق وكوريا الشمالية"

إعلان الحرب

وقال الرئيس الأميركي  إن نظام صدام "لديه ما يخفيه عن العالم المتحضر". وأضاف أن "الولايات المتحدة الأميركية لن تسمح لأخطر الأنظمة في العالم بتهديدنا بأكثر الأسلحة تدميرا ".

كان هذا الخطاب بمثابة إعلان نوايا، خاصة أنه أتى بعد أربعة أشهر فقط من هجمات سبتمبر التي أودت بأرواح آلاف الأميركيين، وقال الرئيس فيه إن "العراق يواصل التباهي بالعداء لأميركا ودعم الإرهاب".

الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير خلال مفاوضات شن الحرب

وفي 17 مارس 2003، أعلن بوش إن الجهود الديبلوماسية مع مجلس الأمن "لم تعد مجدية"، ومنح صدام مهلة يومين لمغادرة البلاد، لتبدأ العمليات العسكرية الأميركية والبريطانية في العشرين من مارس.

صدام حسين منح مهلة يومين لمغادرة العراق قبل الحرب

معركة أم قصر

بدأت المعركة على السيطرة على الميناء العراقي البحري الوحيد "أم قصر"، بسهولة نسبية حيث تمكنت قوات المارينز الأميركية مسنودة بقوات بولندية وبريطانية من السيطرة على الميناء.

لكن المقاومة لم تكن خفيفة، كما توقع الجنود الأميركيون، وفقا لتقارير عسكرية وإخبارية، إذ تلقت القافلة العسكرية سيلا من قنابل الهاون والأسلحة الرشاشة.

استمرت المعركة الشرسة لعدة أيام قبل أن تنتهي بتأمين الميناء بالكامل واستسلام القوات العراقية المقاتلة فيه.

جندي من فصيلة "المغيرين" الأميركية التي هاجمت أم قصر

المهمة أنجزت

بالمقاييس العسكرية، كانت الحرب وجيزة نسبيا، حيث بدأت بإلقاء الطائرات الأميركية قنابل على مجمع محصن كان يعتقد أن صدام حسين يختبأ فيه.

بعدها استمرت موجات من القصف استهدفت المنشآت الحكومية والعسكرية، في الوقت الذي كانت فيه القوات العسكرية الأميركية تتحرك قادمة من الكويت جنوبا.

وفي مايو 2003، أعلن بوش أن "المهمة أنجزت"، لكن القوات الأميركية كانت قد دخلت بغداد في 9 أبريل، بعد أقل من شهر على بدء المعارك.

المهمة انجزت.. الشعار المثير للجدل الذي رفعه الرئيس الأميركي الأسبق بعد انتهاء المعارك وسقوط النظام العراقي

مجلس الحكم

تولت سلطة الائتلاف المؤقتة مسؤولية الحكم في العراق منذ دخول القوات الأميركية، وحتى تشكيل مجلس الحكم العراقي كأول هيئة عراقية تتولى مقاليد الأمور في البلاد.

وتشكل المجلس في يوليو من العام 2003 بمشاركة 25 من قادة المعارضة من الأطياف العراقية المختلفة، الذين تناوبوا على رئاسة المجلس دوريا، على شكل رئيس جديد – يتم اختياره وفق الحروف الأبجدية – كل شهر.

وتم حل المجلس في يوليو عام 2004 عقب تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي، واختيار رئيس مؤقت للبلاد هو غازي عجيل الياور.

مجلس الحكم العراقي

إقرار الدستور العراقي

بعد استفتاء شعبي كان من بين عمليات الاقتراع الأكثر مشاركة في البلاد، أدلى فيه 78 بالمئة من العراقيين بأصواتهم، اعتمد الدستور العراقي في أكتوبر 2005.

وكان هذا الدستور الأول، منذ سقوط الملكية عام 1958 الذي يشير بوضوح إلى فصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما أنه يشير بوضوح إلى عملية انتخابات دورية لتبادل سلمي للسلطة.

وفي يناير من نفس العام، تم تشكيل أول برلمان عراقي بعد انتخابات برلمانية هي الأولى التي تجري في البلاد بعد 2003، وتم اختيار إبراهيم الجعفري لتشكيل أول حكومة منتخبة على أن تدعو لانتخابات خلال عام، وجلال طالباني لرئاسة الجمهورية.

خلال مراسيم الاحتفال بالدستور العراقي الجديد عام 2005

الحرب الطائفية

بعد أشهر قليلة على إقرار الدستور، الذي تم وسط مقاطعة جزء كبير من السنة العراقيين، تم تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، وهو واحد من المراقد المقدسة للشيعة.

التفجير الذي حصل في 22 فبراير 2006 أدى إلى اندلاع حرب أهلية واسعة النطاق بين مجاميع مسلحة سنية وشيعية تقاتلت لسنوات، وكان بداية تمرد مسلح وأعمال تفجير هائلة قتل جراءها آلاف المدنيين.

ويقدر موقع USA Today عدد القتلى العراقيين منذ 2003 إلى 2011 بأكثر من مئة ألف، لكن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير.

مرقد العسكريين في سامراء بعد أيام من تفجيره عام 2006

الأيام "الدامية"

شن تنظيم القاعدة منذ 2007 هجمات منسقة عرفت باسم "الأيام الدامية" كان منها تفجير الصدرية في بغداد عام 2007 وراح ضحيته نحو 440 شخصا بين قتيل وجريح.

وحتى نهاية عام 2007 كان التنظيم قد شن ما لا يقل عن 10 هجمات، أغلبها تفجيرات انتحارية، راح ضحيتها أكثر من 3000 قتيل وجريح في عام واحد، وفقا لاحصائية رويترز.

وفي عام 2008 شن التنظيم ما لا يقل عن عشرة هجمات أخرى، راح ضحيتها أكثر من 4000 شخص بين قتيل وجريح.

واستمرت وتيرة التفجيرات المنسقة لسنوات، كان بعضها يحدث في مناطق مختلفة في نفس التوقيت.

موقع تفجير انتحاري في بغداد عام 2007


خروج القوات الأميركية

في عام 2011 أعلنت الولايات المتحدة سحب كافة جنودها من العراق، كانت البلاد وقتها تعيش فترة من التحسن النسبي للأمن.

وجاء الانسحاب عقب توقيع "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" عام 2008، وهي اتفاقية تضمنت تواريخ لانسحاب القوات الأميركية من العراق، وتسليم السلطة الأمنية للعراقيين مع إبقاء الدعم العسكري والأمني وعمليات التدريب.

والتزمت بغداد وواشنطن بمواعيد الاتفاقية، لكن الانسحاب الأميركي ووجه بانتقادات تزايدت بشكل كبير في عام 2014، عقب انهيار جزء كبير من القوات العراقية أمام مسلحي تنظيم داعش، وهو تنظيم متطرف انبثق عن جماعة "التوحيد والجهاد" الموالية للقاعدة.

جنود من قوات التحالف في العراق

تظاهرات الربيع العربي

في عام 2011 أيضا خرجت تظاهرات احتجاج واسعة في العراق، بالتزامن مع تظاهرات مماثلة اجتاحت عدة عواصم عربية وأسقطت الرؤساء في مصر وليبيا وتونس.

التظاهرات العراقية بدأت على شكل مطالبات بالخدمات ومزيد من الحريات، لكن قوات الأمن واجهتها بصرامة مما أدى إلى انتهائها من دون تحقيق تغييرات كبيرة.

تظاهرات 2011 في العراق

داعش

في يونيو من عام 2014 شن تنظيم داعش هجمات واسعة على مقار الجيش والشرطة العراقيين في الموصل، عقب أشهر من الغارات على مواكب النقل وعمليات الاغتيال والتفجيرات في المدينة.

أدت الهجمات التي توسعت بشكل كبير إلى سقوط أجزاء كبيرة من محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار في قبضة التنظيم، إضافة إلى مناطق من محافظات كركوك وديالى.

خلال الأشهر الستة الأولى من المعارك كان تنظيم داعش يسيطر على نحو ثلث البلاد، ووصل نفوذه إلى مشارف العاصمة العراقية بغداد كما سيطر على أجزاء كبيرة من المناطق الحدودية بين العراق وسوريا والأردن.

عنصر من تنظيم داعش في شارع بالموصل في العراق في 23 يونيو 2014

وبعد سيطرة داعش على تلك المناطق شكل العراق – عقب فتوى دينية – قوات الحشد الشعبي، وهي قوات عسكرية شبه رسمية مكونة من مسلحي الأحزاب الشيعية ومتطوعين بالإضافة إلى مسلحين مسيحيين وسنة.

وخلال فترة سيطرتهم على تلك المناطق، ارتكب مسلحو داعش عددا هائلا من الجرائم، مثل جريمة سبايكر التي راح ضحيتها مئات من المجنديين العراقيين، وجريمة القتل الجماعي للايزيديين، وجرائم استعباد المسيحيين والايزيديين.

عملية انتشال جثت من موقع سبايكر قرب تكريت -أرشيف

وفي ديسمبر من عام2017 أعلنت الحكومة العراقية تحرير جميع أراضي البلاد من سيطرة داعش، بعد دعم عسكري قدمه الأميركيون وشركاؤهم في التحالف لمواجهة التنظيم. لكن داعش لا يزال يشن هجمات متفرقة في المناطق التي كان يسيطر عليها سابقا.

تظاهرات تشرين

في أكتوبر من عام 2018 خرج آلاف العراقيين إلى ساحات تظاهر مركزية في معظم المحافظات الوسطى والجنوبية من البلاد مطالبين بتوفير الخدمات وتوفير مزيد من الحريات وانهاء ما اعتبروه نفوذا إيرانيا تمارسه طهران عبر جزء كبير من قوات الحشد الشعبي التي تمتلك علاقات مع الحرس الثوري الإيراني.

واستمرت التظاهرات طوال العام 2019، وبداية العام 2020.

وبعد نحو عامين من التظاهر، ومقتل أكثر من 800 محتج وإصابة عشرات الآلاف، انتهت التظاهرات بإسقاط حكومة عادل عبد المهدي وتشكيل حكومة جديدة برئاسة مصطفى الكاظمي وإقرار قانون جديد للانتخابات أفرز عام 2021 برلمانا مختلفا نسبيا عن البرلمانات السابقة بظهور عدة قوى مدنية.

لكن البرلمان الذي انسحبت منه الأغلبية الصدرية يحاول الآن إقرار قانون انتخابات مشابه للقانون الذي تم تغييره خلال الاحتجاجات.

 مقتل سليماني والمهندس

في ديسمبر من عام 2019، قام محتجون موالون في الأغلب لأحزاب تابعة لإيران، بالهجوم واقتحام الجزء الأمامي من السفارة الأميركية في بغداد.

كما قام المقتحمون، ومن بينهم قياديون في تلك الأحزاب، باحراق السياج الأمامي للسفارة، في تصرف اعتبر ردا على إحراق قنصليات إيرانية في عدد من المحافظات خلال احتجاجات تشرين – أكتوبر.

بعدها بأقل من شهر، نفذت طائرة أميركية بدون طيار هجمة قرب مطار العاصمة بغداد مستهدفة سيارة كانت تنقل الجنرال في الحرس الثوري قاسم سليماني ورئيس أركان الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وقتلتهما على الفور.

وانتقاما لمقتل سليماني، شنت إيران هجمات صاروخية على قاعدة عين الأسد العسكرية الأميركية في الأنبار، ولم يقتل أي جنود نتيجة الهجمات.

واستمرت الهجمات على القواعد العسكرية التي يتواجد فيها جنود أميركيون، لكن طهران لم تعلن المسؤولية عنها وتبنتها عادة مجاميع عسكرية مجهولة.

الضربة الأميركية أسفرت عن مقتل 8 أشخاص بينهم سليماني والمهندس

انسحاب الصدريين من برلمان عام 2021

منذ 2003 شكل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تحديا واضحا للحكومة العراقية والأميركيين، حيث كان دائما جزءا مؤثرا من السياسة العراقية، وأيضا كان مقاتلو "جيش المهدي" الذي يقوده جزء من تيار التمرد ضد وجود القوات الأميركية في البلاد.

وقادت القوات الحكومية حملة عسكرية ضد مسلحي التيار في مارس من عام 2008 في البصرة أسمتها عملية "صولة الفرسان".

في تلك الفترة كان رئيس الوزراء هو نوري المالكي، الذي قادت قواته أيضا عمليات أمنية ضد مسلحي التيار في بغداد وكربلاء، أدت إلى عداء مستمر بين المالكي والصدر لا يزال موجودا.

وفي 2021 أصبح الصدريون الكتلة الأكبر بأكثر من 70 نائبا في البرلمان العراقي، مقابل تحالف مكون من عدة أحزاب شيعية تحالفت لمنع الصدريين من تشكيل حكومة.

وكان نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، في القلب من التحالف الذي سمي "الإطار التنسيقي" للقوى الشيعية، الذي تمكن من تشكيل الحكومة الحالية بقيادة محمد شياع السوداني بعد انسحاب الصدريين من البرلمان.

تغير آراء العراقيين

وبعد عشرين عاما من الأزمات والحروب والمشاكل الأمنية المستمرة، بدا أن أغلبية العراقيين يراجعون موقفهم من الديمقراطية والحكومات التي تشكلت عنها، وفقا لاستطلاع مركز البارومتر العربي الذي أشار إلى أن الكثير من العراقيين يعتقدون أن الديمقراطية تجلب "مشاكل أمنية ونقصا في الاستقرار وعقبات اقتصادية كبيرة".

كما أن الأغلبية العظمى من العراقيين لا يزالون يعتقدون، وفقا للاستطلاع، بالحاجة إلى "تغيير شامل"، بعد عشرين عاما من "التغيير الشامل" الذي قادته الولايات المتحدة في البلاد.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".