سد عليبي في إسطنبول منذ أقل من أسبوع
سد عليبي في إسطنبول منذ أقل من أسبوع

أثار انخفاض مخزون المياه بخزانات السدود في مدينة إسطنبول التركية، المخاوف بشأن "كارثة محتملة على صعيد نقص الموارد المائية" في تركيا، بينما يدق خبراء تحدث معهم موقع "الحرة" ناقوس الخطر بسبب التداعيات البيئية والاقتصادية والسياسية لتلك الأزمة ومدى تأثيرها على سوريا والعراق.

أزمة مياه بإسطنبول

في مدينة إسطنبول التركية تراجعت كمية المياه في خزانات السدود إلى 29.7 بالمئة فقط من سعتها الإجمالية.

ويحيط بإسطنبول التي يقطنها 16 مليون نسمة بحسب التعداد الرسمي (و20 مليونا وفق تقديرات غير رسمية)، 11 سدا تمتلئ بشكل كامل خلال شهري نوفمبر وديسمبر حين تبلغ المتساقطات ذروتها.

لكن التغير المناخي العائد بالدرجة الأولى إلى انبعاثات غازات الدفيئة التي يتسبب بها النشاط البشري، يؤدي لتبدل الأنماط المناخية، ويصبح أحد مصادر القلق الدائمة للمسؤولين الأتراك، وفق وكالة "فرانس برس".

وفي 2023، عرفت تركيا فصل الصيف الأكثر حرا منذ بدء تسجيل البيانات، وتجاوزت درجة الحرارة عتبة 50 مئوية في 14 أغسطس، وذلك للمرة الأولى في التاريخ الحديث للبلاد.

وخلال هذا الصيف، شهدت إسطنبول هطول "كميات محدودة من الأمطار"، في حين أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة استهلاك المياه.

ما الأسباب؟

يوضح خبير البيئة والمناخ المقيم في إسطنبول، زاهر هاشم، أن إسطنبول تعد المركز الاقتصادي والتجاري والسياحي الأكبر في تركيا، وفيها يتم استنزاف المياه وتدمير النظم الهيدرولوجية مثل الجداول والأنهار والأراضي الرطبة، بسبب "مشاريع البنية التحتية المائية غير المستدامة"، مثل محطات توليد الطاقة الكهرمائية والسدود ومشاريع نقل المياه بين الأحواض المائية.

ويؤدي استخدام المياه في الزراعة بالطرق التقليدية إلى السحب المفرط والاستخدام غير الفعال للمياه من المصادر الطبيعية، وتتفاقم الأزمة بسبب تلوث الموارد المائية بالمخلفات المنزلية والصناعية والزراعية، ما يؤثر على عدد كبير من السكان الذين تعتمد سبل عيشهم على المياه، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

ويؤكد أن مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق مثل الطرق السريعة، وإنشاء المدن الجديدة، تستهلك كميات كبيرة من المياه أثناء مرحلتي البناء والتشغيل أو تشكل عاملا ملوثا للموارد المائية.

ويشير إلى وقوع تركيا في منطقة حوض البحر المتوسط، الذي من المتوقع أن يتلقى أكبر الآثار السلبية لتغير المناخ، وخصوصا فيما يتعلق بالموارد المائية.

ومن المتوقع أن تشهد معظم منطقة الشرق الأدنى، بما في ذلك تركيا، نقصا في توافر المياه يصل إلى 40 ملم سنويا، ومن المتوقع أن يبلغ هذا الانخفاض 80 ملم سنويا في هضبة الأناضول، حسب هاشم.

ومن جانبه يتحدث أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لموقع "الحرة"، عن سببين لانخفاض مخزون السدود في تركيا.

وفي منطقة جنوب الأناضول تم "تفريغ جزء كبير من مخزون السدود"، بعد الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا في فبراير الماضي، حسب شراقي.

وفي 6 فبراير، ضرب زلزال عنيف بلغت قوته 7,8 درجة مناطق شاسعة جنوب تركيا، مما أسفر عن مقتل أكثر من 50 ألف شخص.

وضرب الزلزال المدمر 11 محافظة تركية، ما تسبب في تضرر حوالي 14 مليون شخص، أي سدس سكان البلاد، جراء الكارثة، وأدى إلى انهيار 214 ألف مبنى، عدد كبير منها في كهرمان مرعش وهاتاي.

وأجبر الزلزال 3.3 مليون شخص على مغادرة مناطقهم، ويقيم حاليا أكثر من 1.4 مليون شخص في خيم وحوالي 46 ألفا في حاويات، فيما استقر الباقون في مهاجع ودور ضيافة، وفقا للأرقام الرسمية.

ويشير أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا إلى تخوفات لدى الحكومة التركية من أن تصيب تباعات الزلازل واحدا من تلك السدود، ما يتسبب في تدميره ويؤدي لحدوث طوفان على المنطقة، وقد دفع ذلك السلطات لـ"تفريغ جزء كبير من المخزون".

ويوضح شراقي أن هناك احتمالية لوقوع زلزال كبير آخر بتركيا، ولذلك قد أخطأت الحكومة التركية بأنشاء سدود ذات خزانات كبيرة بمنطقة الأناضول.

وعن السبب الثاني لانخفاض منسوب السدود التركية فهو "تراجع كميات الأمطار" هذا العام، وسط تغييرات مناخية يعاني منها العالم بأكمله، حسبما يوضح أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا.

"أزمة طاقة لا مياه"

في المقابل وعلى خلاف ما تقدم، يشير وزير الموارد المائية العراقي الأسبق، محسن الشمري، إلى أن تركيا تعاني من أزمة في الوقود والكهرباء وليس نقص المياه.

وتناقص تخزين المياه بخزانات السدود في إسطنبول "ناتج عن أزمة بتوليد الكهرباء ونقص الطاقة، ولا علاقة لذلك بالاحتباس الحراري والتغير المناخي"، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

كارثة مائية محتملة؟

تركيا من الدول التي تعاني من "الإجهاد المائي"، أي أن حجم المياه المستهلكة أكبر من حجم المياه الواردة من جميع المصادر، وفقا لهاشم.

ويبلغ نصيب الفرد في تركيا 1519 مترا مكعبا من المياه سنويا، ومع توقعات بزيادة عدد سكانها عام 2030 إلى 100 مليون نسمة، فمن المتوقع أن تكون كمية المياه للفرد 1120 مترا مكعبا سنويا، لذلك فإن البلاد في طريقها لأن تصبح دولة "فقيرة مائيا"، حسبما يوضح خبير البيئة والمناخ.

ويتوقع الخبير البيئي زيادة تلك المخاطر مع تفاقم أزمة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، وما ينتج عنه من جفاف وانخفاض هطول الأمطار وانحسار الثلوج.

لكن على جانب آخر، يؤكد عباس شراقي أن تركيا ليست على "شفا كارثة محتملة على صعيد نقص المياه".

ومازال يتساقط على تركيا الأمطار حتى لو قل معدلها، ولدى البلاد أكثر من 600 سد بسعة تخزينية تعادل 600 مليار متر مكعب من المياه، وفق أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا.

ويشدد شراقي على أن تركيا تستفيد من مخزون سدودها عند انخفاض معدل الأمطار، وهذا ما تفعله السلطات التركية حاليا.

لكنه يؤكد أن تركيا ستكون حريصة على عدم "الملأ الكامل لخزانات السدود"، كإجراء احترازي لتجنب وقوع كارثة في حال وقوع زلزال كبير جديد.

ما تأثير ذلك على سوريا والعراق؟

تعد تركيا التي يتدفق منها نهر الدجلة، الذي يصب مباشرة في العراق والفرات الذي يصل إلى سوريا، من المصادر الرئيسية للعراق الذي عرف من خلالها عبر قرون بـ"بلاد ما بين النهرين".

وتمتد رحلة نهر الفرات على نحو 2800 كلم، يعبر خلالها في تركيا (المنبع) وسوريا والعراق حيث يصب، ويخترق الأراضي السورية بنحو 600 كلم.

ونهر الفرات، أطول أنهار غرب آسيا، وينبع من جبال طوروس في تركيا ويتدفق منها إلى سوريا، من مدينة جرابلس في ريف حلب الشمالي مرورا بمحافظة الرقة شمالا ومنها إلى دير الزور شرقا، وصولا إلى العراق.

في العام 1987، وقعت سوريا اتفاق تقاسم مياه مع تركيا تعهدت بموجبه أنقرة أن توفر لسوريا معدلا سنويا من 500 متر مكعب في الثانية.

لكن هذه الكمية انخفضت بأكثر من النصف خلال الأشهر الماضية، ووصلت في فترات معينة إلى 200 متر مكعب في الثانية.

وتتهم السلطات السورية والأكراد تركيا بمنع تدفق المياه، جراء احتجازها كميات أكبر من المعتاد في السدود التي أنشأتها على مجراه قبل بلوغه سوريا.

أما العراق، فيعاني من انخفاض مثير للقلق في منسوب نهري دجلة والفرات، ويتهم تركيا بانتظام بخفض تدفق النهرين بشكل كبير بسبب السدود المبنية عند المنبع.

والعراق هو البلد الخامس الأكثر تأثرا بالتغير المناخي في العالم بحسب الأمم المتحدة.

ويعود ذلك إلى تراجع نسبة الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، لكن السلطات تحمّل جزءا من المسؤولية إلى سدود تبنيها الجارتان تركيا وإيران على منابع دجلة والفرات، ما يسبب انخفاضا في منسوب الأنهر التي تعبر العراق.

وفي ذلك السياق، يتهم الشمري تركيا بتطبيق ما يطلق عليه "نظرية سليمان ديمريل"، والمتعلقة بالطاقة مقابل المياه.

وتحبس تركيا المياه عن العراق حتى تصل إلى أهدافها وتحقق سياساتها في مبادلة المياه بالطاقة مع العراق وكذلك في توسيع أراضيها الزراعية على حساب حقوق العراقيين في مياه دجلة والفرات، وفق وزير الموارد المائية العراقي السابق.

ويتفق معه شراقي الذي يؤكد أن تركيا قامت ببناء 11 سدا على الحدود مع سوريا والعراق، ما تسبب في "جفاف وتعطيش دولتي الجوار".

وتسببت السدود التركية ذلك في نقص كمية المياه الواصلة لسوريا والعراق، حيث استغلت أنقرة الظروف السياسية في دمشق وبغداد لإقامة سدود تهدد الأمن المائي للبلدين، وفق أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا.

ومن جانبه يؤكد هاشم أن تركيا تعاني "نقصا في الموارد المائية" خاصة في السنوات الأخيرة، بسبب "التغيرات المناخية".

وأدى ذلك إلى انخفاض مستوى نهر الفرات الذي يجري في أراضيها مسافة 1070 كيلومترا قبل أن يدخل الأراضي السورية لمسافة 610 كيلومترات ثم يسير في الأراضي العراقية لمسافة 1130 كيلومترا، وفق خبير البيئة والمناخ المقيم في إسطنبول.

ويشير إلى "عدم وجود اتفاقيات دولية ثلاثية تجمع بين الدول الثلاث المتشاركة وتحدد حصة كل دولة من مياه النهر"، لكن مذكرة تفاهم، وقد حددت المذكرة حصة سوريا والعراق 500 متر مكعب في الثانية، نصيب دمشق منها 210 م3 /ثانية وبغداد 290 م3/ثانية.

ويرى أن الوضع السياسي في شمال سوريا، وسيطرة عدة قوى سياسية وعسكرية على المنطقة، وغياب الحوكمة والتخطيط والإدارة، عوامل "تزيد من أزمة الجفاف، وتعرقل تطبيق أي تفاهمات سياسية أو مائية بين الدول المتشاركة على النهر".

تهديد متوقع وتداعيات خطيرة

عندما تسعى تركيا لإعادة ملأ خزانات سدودها خاصة بمنطقة جنوب الأناضول، سوف يؤدي ذلك لمزيد من التداعيات السلبية المباشرة على سوريا والعراق، وفق شراقي.

ويشير أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا إلى أن سوف تحاول تركيا تخزين أكبر كمية ممكنة من الماء لتعويض النقص بخزانات سدودها، ولذلك فإن كمية المياه التي ستصل سوريا والعراق ستكون "أقل بشكل كبير".

وسوف يؤدي ذلك لـ"تفاقم الأزمة المائية" التي يعاني منها سوريا والعراق، ما سوف ينعكس سلبا على كافة مناحي الحياة اليومية للسوريين والعراقيين، حسبما يحذر شراقي.

ويتفق معه هاشم الذي يتوقع أن يشهد العراق وشمال سوريا "أزمة مائية شديدة حيث مياه الشرب أو الري"، بينما سوف تلقي الأزمة بظلالها أيضا على تركيا.

وسيكون لذلك آثار كبيرة على الزراعة حيث يدمر الجفاف المحاصيل الزراعية ويخفف إنتاجيتها.

ويوضح أن الزراعة تعتبر موردا أساسيا للاقتصاد في الدول الثلاث، ويهدد الجفاف الأمن الغذائي للمزارعين، ويدفعهم إلى الهجرة للمدن للعمل في قطاعات أخرى، الأمر الذي يهدد بانهيار القطاع الزراعي في مناطق واسعة.

ويؤدي الجفاف ونقص المياه إلى نفوق الثروة السمكية وزيادة تركيز الملوثات في الأنهار، كما يهدد الصحة العامة ويوفر بيئة لانتشار الأمراض السارية خصوصاً عند الأطفال وكبار السن، حسب تحذيرات خبير البيئة والمناخ المقيم في إسطنبول.

كما يهدد نقص الموارد المائية بنقص مستويات الأنهار في السدود الكهرومائية، مما يؤدي إلى نقص إمدادات الطاقة الكهربائية وزيادة الاعتماد على الطاقة التقليدية، وفق هاشم.

ويحذر هاشم من أن أزمات المياه تؤدي إلى "مشكلات وأزمات سياسية" بين الدول المتشاركة على الموارد المائية خصوصا في حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".