أكثر من 10 آلاف شخص قتلوا نتيجة الغارات الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر
أكثر من 10 آلاف شخص قتلوا نتيجة الغارات الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر

 أسفرت الحرب بين إسرائيل وحماس المستمرة منذ 7 أكتوبر الماضي عن خسائر بشرية فادحة وأوضاع إنسانية على حافة الانهيار، وفي وقت حذرت الأمم المتحدة من تحول القطاع إلى "مقبرة للأطفال" لايلوح في الأفق أي حل قريب وسط تصاعد الضغوط للتوصل لهدن إنسانية. 

ومنذ هجوم السابع من أكتوبر، حصدت الحرب أرواح أكثر من 10 آلاف فلسطيني بغزة، وتسببت في أزمة إنسانية حادة، يعاني معها مئات الآلاف غالبيتهم مدنيون، وتتمثل بغياب حاجيات العيش الأساسية، في انتظار إقرار هدنات أو وقف لإطلاق نار لم يتحقق حتى الآن.

وذكر تقرير مطول للإذاعة الوطنية العامة "أن بي آر"، أن استمرار الحرب يترافق مع مظاهرات لأهالي المختطفين، بهدف الضغط على الحكومة الإسرائيلية للإفراج عنهم، وسط مظاهرات عارمة مؤيدة للفلسطينيين يشارك بها مئات الآلاف حول العالم، علما أن عدد المختطفين لدى حماس يقدر بـ 240، وفقا للجيش الإسرائيلي.

وفي الأسابيع الأربعة التي تلت هجوم حماس، الذي أسفر عن مقتل 1400 شخص معظمهم من المدنيين وبينهم نساء وأطفال، يبدو أن لا نهاية تلوح في الأفق للحرب المستمرة، حيث يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، رفض الدعوات المطالبة بوقف إطلاق النار، وفقا للتقرير.

وقال نتانياهو في بيان، الجمعة، "لقد أوضحت أننا نمضي قدما بكل قوة وأن إسرائيل ترفض أي وقف مؤقت لإطلاق النار لا يتضمن إطلاق سراح الإسرائيليين المختطفين".

"مقبرة أطفال"

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الاثنين، إن حماية المدنيين "يتعين أن تكون الأهم" في الصراع بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، محذرا من أن قطاع غزة يتحول "مقبرة للأطفال".

وأضاف غوتيريش للصحفيين "العمليات البرية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية والقصف المستمر يضربان المدنيين والمستشفيات ومخيمات اللاجئين والمساجد والكنائس ومنشآت الأمم المتحدة التي تتضمن ملاجئ. لا أحد في مأمن".

ومضى يقول "في الوقت نفسه، تستخدم حماس ومسلحون آخرون المدنيين كدروع بشرية ويواصلون إطلاق الصواريخ بلا تمييز على إسرائيل".

خسائر ثقيلة

وقتل أكثر من 10328 فلسطينيا نتيجة الغارات الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر، وفقا لوزارة الصحة في القطاع، التي تقول إن غالبية القتلى هم من النساء والأطفال (4237 طفلا)،  وقد أصيب نحو 25 ألف شخص بجروح، ويقدر أن آلافا آخرين في عداد المفقودين.

وانقطع الإنترنت والاتصالات في قطاع غزة ليلة الأحد، للمرة الثالثة، مما أدى إلى عزل الفلسطينيين عن العالم الخارجي.

وقد تعرض محيط المستشفيات ومخيمات اللاجئين للقصف عدة مرات في الغارات الجوية الإسرائيلية.

وأصدرت منظمة الصحة العالمية نشرة قالت فيها إنها وثقت أكثر من 100 هجوم على مرافق الرعاية الصحية في غزة منذ 7 أكتوبر.

والمستشفيات التي لم تتعرض للهجمات مكتظة وبالكاد تعمل بسبب انخفاض الإمدادات وقلة الوقود أو عدم وجوده على الإطلاق، وفقا لمنظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة.

وحذرت المنظمة، الجمعة، من أن القصف ونقص الغذاء وضعف المراكز الصحية العاملة وانهيار البنية التحتية يشكل مخاطر خاصة على النساء الحوامل والأطفال.

وقالت "هناك نحو 50 ألف امرأة حامل في غزة، تلد أكثر من 180 امرأة كل يوم. ومن المرجح أن تعاني 15% منهن من مضاعفات الحمل أو الولادة ويحتجن إلى رعاية طبية إضافية".

وتقول إسرائيل إن غاراتها الجوية تستهدف البنية التحتية العسكرية لحماس ومستودعات الأسلحة في غزة. 

ويؤكد الجيش الإسرائيلي أنه يشن ضربات دقيقة تستهدف قادة حماس أو مواقع العمليات، وإنه لا يستهدف المدنيين، لكنه أيضا يتحدث عن تواجد مسلحين في مناطق مدنية بجميع أنحاء قطاع غزة، وفقا لوكالة "أسوشيتد برس".

وقالت وحدة المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي، في وقت سابق لموقع "الحرة"، إن "عدم المساس بالمدنيين خلال الغارات على القطاع يمثل مصلحة مشتركة لمواطني غزة ودولة إسرائيل".

وبالنسبة للخسائر الاقتصادية في إسرائيل، فقد نقل مراسل "الحرة" عن معطيات نشرتها "يديعوت أحرونوت"، الثلاثاء، أن تكلفة الحرب بلغت 50 مليار شيكل (أكثر من 12 مليار دولار أميركي) حتى الآن.

والضرر في بلدات غلاف غزة تسبب بخسارة 10 مليارات شيكل (2 مليار ونصف مليار دولار أميركي)، بالإضافة إلى أن  الضرر المتوقع للاقتصاد نتيجة التراجع المتوقع لدفع الضرائب يبلغ 15 مليار شيكل (أكثر من 3 مليار و800 مليون دولار أميركي).

جهود دبلوماسية

وقام وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بجولة سريعة أخرى في المنطقة في نهاية الأسبوع الماضي، في محاولة لتعزيز الشراكات الأميركية لمنع اتساع نطاق الأعمال العدائية، ومواصلة محاولة التوسط للتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يسمح بدخول المزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة وحماية المدنيين، وفقا للإذاعة.

وقام الأحد بزيارة غير معلنة للعراق والتقى برئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، في بغداد لأكثر من ساعة.

كما قام بلينكن بزيارات إلى إسرائيل والأردن واجتمع مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في رام الله بالضفة الغربية، الأحد.

وقال متحدث باسم عباس إنه دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة.

وردا على سؤال حول التقدم نحو وقف إطلاق النار أو وقف الأعمال العدائية للسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة، قال بلينكن إن فريقه يواصل العمل مع الحكومة الإسرائيلية، مشيرا إلى أن إطلاق سراح المخطوفين الذين تحتجزهم حماس هو جزء من المحادثات.

مغادرة عدد قليل

ولم يتمكن سوى عدد قليل من الأشخاص العالقين في غزة من المغادرة، وبعد مفاوضات شاقة بين إسرائيل وحماس ومصر، وافق مسؤولون على السماح بفتح معبر رفح، مما سمح بدخول بعض المساعدات ومغادرة بعض الرعايا الأجانب وعدد قليل من الفلسطينيين الجرحى.

لكن المسؤولين في غزة أغلقوا المعبر في نهاية الأسبوع، قائلين إنه لن يُسمح لحاملي جوازات السفر الأجنبية بالمغادرة ما لم يُسمح للجرحى من المستشفيات في مدينة غزة وشمال غزة بالوصول إلى المعبر، وفقا للإذاعة.

وأكد مسؤول أميركي، الأحد، أن أكثر من 300 أميركي غادروا غزة في الأيام الأخيرة، لكنه لم يؤكد عدد الأشخاص الذين بقوا داخل القطاع.

وتعبر شاحنات محملة مساعدات إلى غزة من مصر عبر رفح، لكن حجم المساعدات لا يزال أدنى من مستوى ما قبل السابع من أكتوبر، إذ تقول إسرائيل إن تفتيش الشاحنات يستغرق وقتا، كما أن لا وقود يتم إدخاله.

وقال غوتيريش "من دون وقود، سيموت الأطفال الحديثو الولادة والمرضى المعتمدون على أجهزة الإنعاش".

وتابع "السبيل للمضي قدما واضح. وقف إطلاق النار لأغراض إنسانية الآن. واحترام جميع الأطراف لالتزاماتها وفق القانون الإنساني الدولي الآن".

وندد غوتيريش بما "نشهده من انتهاكات سافرة للقانون الإنساني الدولي".

وتدخل المساعدات إلى غزة ببطء، وتطالب المنظمات الإنسانية بمزيد من الإمدادات.

وأفاد الهلال الأحمر الفلسطيني خلال عطلة نهاية الأسبوع أنه منذ 21 أكتوبر، دخلت 451 شاحنة على الأقل، أي حوالي 30 شاحنة يوميا، عبر معبر رفح.

وأضاف "لكن السلطات الإسرائيلية لم تسمح بدخول الوقود حتى هذه اللحظة".

وأوقفت السلطات الإسرائيلية إلى أجل غير مسمى تصاريح العمل لأكثر من 110 آلاف فلسطيني يعملون في إسرائيل أو المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وأعادت آلاف العمال إلى غزة.

تزايد الدعوات لوقف إطلاق النار

وقالت إسرائيل في بيان، الأحد، إنه "تم ضرب أكثر من 2500 هدف في قطاع غزة" من قبل قواتها البرية والجوية والبحرية خلال الأسابيع الأربعة الماضية.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، دعا المتظاهرون في جميع أنحاء العالم إلى إنهاء العنف ودعوا إسرائيل إلى وقف إطلاق النار.

وفي واشنطن العاصمة، تجمع عشرات الآلاف من الأشخاص، السبت، في واحدة من أكبر الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الولايات المتحدة منذ بدء الحرب.

وقالت إدارة بايدن إنها تواصل الوقوف إلى جانب إسرائيل و"حقها في الدفاع عن نفسها".

ولا يزال المشرعون الأميركيون يدعمون إلى حد كبير موقف بايدن المؤيد لإسرائيل، وهناك مخاوف متزايدة في الكابيتول بشأن ارتفاع عدد الضحايا في غزة، لكن قلة من المشرعين دعوا علنا إلى وقف القتال، وفقا للإذاعة.

واعتبارا من أوائل نوفمبر، عبر 18 عضوا في مجلس النواب عن موقف مغاير لإدارة بايدن المؤيد لإسرائيل، ووقعوا عريضة تدعو إلى وقف إطلاق النار.

ويعد السيناتور الديمقراطي، كريس مورفي، من أوائل أعضاء مجلس الشيوخ الذين عبروا علنا عن مخاوفهم بشأن رد فعل إسرائيل على حماس، داعين إلى "حملة (...) متناسبة".

وقال إن "المعدل الحالي للقتلى المدنيين داخل غزة غير مقبول"، وحث "إسرائيل على إعادة النظر فورا في نهجها والتحول إلى حملة أكثر تناسبا لمكافحة الإرهاب، تستهدف بشكل جراحي قادة حماس والجهاد الإسلامي والبنية التحتية الإرهابية مع إعطاء الأولوية القصوى لسلامة المدنيين وفقا للقانون".

ماذا بعد الهجوم البري؟

وبعد حوالي ثلاثة أسابيع من هجوم حماس، شن الجيش الإسرائيلي هجوما بريا على غزة.

وقال نتانياهو، الجمعة، "قواتنا تعمل على كافة الجبهات بكل قوة. انتصارنا سيكون حاسما وواضحا. وسيبعث برسالة إلى أعدائنا - رسالة سيتردد صداها لأجيال".

بحلول مساء الأحد، وصلت الفرقة 36 العسكرية إلى مواقع على طول ساحل غزة بعد توسيع العمليات البرية الإسرائيلية خلال الأيام السبعة الماضية، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن القوات مستمرة في التقدم ببطء وبحذر داخل مدينة غزة.

وأكد الجيش أن "سلاح الهندسة هدم عشرات الأنفاق" التابعة لحماس داخل قطاع غزة.

ونقلت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن الجيش الإسرائيلي قوله، الاثنين، إن ضربات جوية خلال الأيام الأخيرة تسببت بتضرر عدة أنفاق وقتل قياديين في حماس.

وقالت إن الجيش يعتقد أنه تسبب في أضرار جسيمة لأنفاق تابعة لحماس في غارات ليلية، فيما أكدت أن حصيلة قتلى العملية العسكرية البرية من الجنود والضباط الإسرائيليين وصلت إلى 30.

ويعتقد الجيش الإسرائيلي أن الهجمات المكثفة التي نفذها خلال الليل (الأحد الاثنين) في شمال قطاع غزة تسببت في أضرار جسيمة للبنية التحتية فوق وتحت الأرض التابعة لحركة حماس.

وهناك توترات متزايدة على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية حيث يواصل حزب الله إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل.

وفي خطاب ألقاه مؤخرا، توقف زعيم حزب الله، حسن نصر الله، عن الإعلان عن حرب شاملة مع إسرائيل، لكنه هدد بالتصعيد اعتمادا على التطورات في غزة.

ومع ذلك، يبقى التركيز الرئيسي للجيش الإسرائيلي على القضاء على حماس، وفقا للإذاعة.

ويشكل هدف القضاء على حماس تحديا عسكريا كبيرا من المرجح أن يستغرق ما بين شهرين إلى ستة أشهر، وفقا ليعقوب أميدرور، الجنرال السابق ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.