جنود إسرائيليون في غزة
إسرائيل تنفذ توغلات برية في غزة

أعادت التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن مستقبل غزة إلى الأذهان، تاريخ الصراع الطويل الذي شهده القطاع على مر العقود الماضية، الذي استمر حتى بعد تنفيذ خطة رئيس الحكومة الإسرائيلة السابق، أرييل شارون، عام 2005، عندما انسحبت إسرائيل من القطاع ومن 4 مستوطنات في الضفة الغربية.

وفي تصريحات، الأربعاء، أكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، على أن إسرائيل "لا يمكنها احتلال" قطاع غزة، بعد نهاية الحرب التي تخوضها حاليا ضد حركة حماس.

وقال بلينكن للصحفيين إثر لقاء لوزراء خارجية مجموعة السبع في طوكيو: "لا يمكن أن تستمر حماس في إدارة غزة. هذا ببساطة يمهد لتكرار ما حدث في السابع من أكتوبر.. ومن الواضح أيضا أن إسرائيل لا يمكنها احتلال غزة".

وأضاف: "الآن، الحقيقة هي أنه قد تكون هناك حاجة لفترة انتقالية ما في نهاية الصراع.. لا نتوقع إعادة احتلال وما سمعته من القادة الإسرائيليين هو أنه ليس لديهم نية لإعادة احتلال غزة".

وفي سياق حديثه عن مستقبل القطاع المحاصر، أفاد بلينكن بأن من الواضح أن إسرائيل "لن تستطيع إدارة غزة، إلا أنه قد تكون هناك حاجة لفترة انتقالية ما".

أسباب عدة دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من غزة عام 2005، وسحب نحو 8500 مستوطن يهودي، من بينها، بحسب ما ورد في خطة "فك الارتباط" عن غزة، "إبطال المزاعم المتعلقة بمسؤولية إسرائيل عن الفلسطينيين في القطاع، والوصول إلى واقع أمني وسياسي واقتصادي وديمغرافي أفضل".

ونصت الخطة على أنه "في كل تسوية دائمة مستقبلية، لن يكون هناك استيطان إسرائيلي في قطاع غزة".

وفيما يتعلق بالواقع الأمني بعد الإخلاء، قال شارون حينها: "ستمنح تلك الخطوة مواطني إسرائيل أقصى مستوى من الأمن".

ونصت الخطة حينها على أن "إسرائيل تشرف وتحافظ على الغلاف الخارجي في البر، وتسيطر بشكل متفرد على المجال الجوي لغزة، وتواصل الإبقاء على نشاط عسكري في المجال البحري لقطاع غزة"، أي أنها فرضت حصاراً على غزة.

كما نص القانون على أن "قطاع غزة سيكون مجرداً من السلاح الذي لا يتطابق مع الاتفاقات القائمة بين الأطراف، وستحتفظ إسرائيل لنفسها بالحق الأساسي بالدفاع عن النفس، بما في ذلك اتخاذ إجراءات وقائية، مثل رد الفعل، في ظل استخدام القوة ضد التهديدات الناشئة".

يذكر أن إسرائيل سيطرت على غزة في حرب 1956، قبل أن تنسحب سريعاً نتيجة الضغط الدولي، لتسيطر عليها من جديد خلال حرب عام 1967.

واستمر القطاع تحت الإدارة العسكرية الإسرائيلية حتى عام 1994، لتبدأ بعدها إسرائيل بنقل سلطتها عليه بصورة تدريجية للسلطة الفلسطينية، إلى أن انسحبت كلياً عام 2005، بعد أن اعتمد مجلس الوزراء الإسرائيلي في السادس من يونيو 2004 خطة شارون الخاصة "بفك الارتباط"، والتي أقرها الكنيست بكامل هيئته في 26 أكتوبر.

وأتت خطة شارون عقب "الانتفاضة الفلسطينية الثانية"، وبعد مساع إقليمية ودولية هدفت للتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، ومنح الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير، وقد تم إقرارها وسط معارضة كبيرة من قبل أوساط اليمين.

 

محطات الصراع

في العام التالي لانسحاب إسرائيل من غزة، فازت حركة حماس بالأغلبية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، فقطعت إسرائيل وأميركا المساعدات عن الفلسطينيين، لرفض حماس التخلي عن العنف والاعتراف بإسرائيل، كما ذكرت وكالة "رويترز".

واتسمت الأعوام التي تلت الانسحاب الإسرائيلي من غزة بزيادة مستويات التوتر والعنف، بما في ذلك إطلاق الصواريخ من غزة على إسرائيل، والهجمات الإسرائيلية على غزة.

وفي يونيو 2006، احتجز مسلحون من حماس المجند الإسرائيلي جلعاد شاليط، كرهينة، مما دفع إسرائيل إلى إطلاق عملية عسكرية ضد القطاع تحت مسمى "أمطار الصيف"، بدأتها بعمليات قصف واسعة أعقبها توغل بري.

وتوصل الجانبان بعد 5 أشهر، إلى وقف لإطلاق النار، لكن لم يفرج عن شاليط إلا بعد 5 سنوات، في عملية تبادل مقابل أكثر من ألف سجين فلسطيني في السجون الإسرائيلية.

وسيطرت حماس على غزة عام 2007، بعد معركة شنتها على قوات تابعة لحركة فتح. وفي العام التالي تم إطلاق صواريخ على بلدة سديروت جنوبي إسرائيل، مما دفع الجيش الإسرائيلي إلى شن عملية "الرصاص المصبوب" لوقف إطلاق الصواريخ وتدمير أنفاق التهريب في منطقة رفح الحدودية بين غزة ومصر، وقد استمرت المعارك 22 يوماً.

وبعد 4 سنوات، أطلقت حماس صواريخ على إسرائيل عقب مقتل قائدها العسكري أحمد الجعبري، مما دفع الجيش الإسرائيلي إلى الرد بضربات جوية على مدار 8 أيام.

مسلسل العنف استمر، وقد تمثل في 2014 بشن إسرائيل عملية "الجرف الصامد"، لوضع حد لإطلاق الصواريخ من غزة باتجاه بلداتها الجنوبية، وتدمير شبكة الأنفاق التي تربط بينها وبين القطاع، فيما أطلقت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، على عمليتها اسم "العصف المأكول"، بينما اختارت "سرايا القدس"، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، اسم "البنيان المرصوص" لعملياتها، وقد استمرت المعارك 50 يوماً.

بعد 4 سنوات، اندلعت احتجاجات فلسطينية على حدود قطاع غزة، مما دفع الجيش الإسرائيلي إلى استخدام النار لإبقائها خلف الحدود.

وعام 2021، أطلقت حماس صواريخ على إسرائيل، رداً على الاشتباكات التي وقعت بين فلسطينيين والجيش الإسرائيلي في المسجد الأقصى، فرد الأخير بشن غارات جوية على القطاع.

وفي عام 2022، أطلقت حركة الجهاد أكثر من ألف صاروخ رداً على استهداف الجيش الإسرائيلي قياديا كبيراً في الحركة. وفي يناير من العام الحالي أطلقت صاروخين باتجاه إسرائيل رداً على مداهمة القوات الإسرائيلية مخيماً للاجئين، فشن الجيش الإسرائيلي غارات جوية على القطاع.

وفي 7 أكتوبر الماضي، تسلّل مسلحون تابعون لحركة حماس من غزة إلى إسرائيل، وتم إطلاق آلاف الصواريخ من غزة باتجاه إسرائيل، في هجوم أسفر عن مقتل أكثر من 1400 شخص معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال، بحسب السلطات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل على الهجوم، بإعلان الحرب "للقضاء على حماس"، حيث تقصف قطاع غزة من الجو بالتزامن مع اجتياح بري للقطاع، مما تسبب حتى الآن بمقتل أكثر من 10 آلاف فلسطيني، معظمهم مدنيون، و40 بالمئة منهم أطفال.

إلغاء "فك الارتباط"

ألغى الكنيست الإسرائيلي في مارس من العام الجاري قانون فك الارتباط لعام 2005، الذي ألغى أحقية الوجود الإسرائيلي في المستوطنات التي تم إخلاؤها في الضفة الغربية، وهي "جانيم" و"كديم" و"حومش" و"سانور".

ومهّد التشريع الجديد الطريق أمام الإسرائيليين للعودة إلى هذه المواقع، بعد حظر دام 18 عاماً.

وخلال الحرب الجارية على غزة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، أن بلاده "ستسعى لتولي المسؤولية الأمنية في غزة لفترة غير محددة" بعد الحرب.

لكن بلينكن قال في تصريحات للصحفيين من طوكيو: "لا يمكن أن تستمر حماس في إدارة غزة. فهذا ببساطة يمهد لتكرار ما حدث في السابع من أكتوبر.. ومن الواضح أيضا أن إسرائيل لا يمكنها احتلال غزة"، وتحدث الوزير الأميركي كذلك عن "الحاجة لفترة انتقالية ما في نهاية الصراع".

وقبل ذلك أكد البيت الأبيض، أن الرئيس الأميركي جو بايدن، "لا يدعم احتلال إسرائيل لقطاع غزة بمجرد انتهاء الحرب".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.