رفع تخصيب اليورانيوم في طهران
رفع تخصيب اليورانيوم في طهران

اعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن شعور الأمن الذي طالما برّرت به إيران لشعبها والعالم، حضورها العسكري في العراق وسوريا "تحطم"، الأربعاء، مع أعنف هجوم منذ تأسيس الجمهورية الإسلام عام 1979.

وذكرت الصحيفة، أنه لسنوات عديدة، عللت إيران حضورها في العراق وسوريا، باعتباره استراتيجية لمواجهة الجماعات الإرهابية، كما أن المسؤولين الإيرانيين، كثيرا ما تفاخروا بأن محاربة الإرهابيين مباشرة أو من خلال الميليشيات بالوكالة في المنطقة تقي البلاد شر مخاطرهم بالداخل

ووقع التفجيران اللذان تبناهما تنظيم داعش، في محافظة كرمان جنوب إيران، خلال حفل تأبيني قرب ضريح  القائد العسكري قاسم  سليماني الذي قُتل في يناير 2020 في غارة أميركية في العراق.

وأعلن التلفزيون الرسمي الجمعة أن 89 شخصا قتلوا في التفجيرين بينهم نساء وأطفال، بعد وفاة خمسة جرحى بحسب آخر حصيلة.

وأوضحت الصحيفة، أنه حتى بعد إعلان تنظيم داعش مسؤوليتها عن الهجوم، أصر المسؤولون الإيرانيون والنقاد المقربون من الحكومة - كما فعلوا في أعقاب الهجوم مباشرة - على لوم إسرائيل.

وذهبت وكالة تسنيم للأنباء، الذراع الإعلامي للحرس الثوري، إلى حد الادعاء بأن "إسرائيل أمرت داعش بتحمل المسؤولية عن الهجوم".

وقال الرئيس إبراهيم رئيسي، متحدثا في حفل تشييع الضحايا، الجمعة، إن إيران سترد، ملقيا باللوم على كل من إسرائيل والولايات المتحدة.

"تشويه صورة"

ونقلت "نيويورك تايمز" عن محللين ومعارضين إيرانيين، أن إلقاء اللوم على إسرائيل والولايات المتحدة يبقى أكثر ملاءمة بكثير من الاعتراف بأن الدولة لا تستطيع حماية شعبها من الإرهاب.

وأشارت الصحيفة الأميركية، إلى أن هذا الهجوم "يشوه" الصورة التي تسعى إيران لرسمها عن نفسها، باعتبارها قادرة على استعراض قوتها في الحروب في جميع أنحاء المنطقة، مع بقائها بعيدة عن مثل هذا الانتقام الكبير في الداخل.

وأعلنت وزارة المخابرات الإيرانية، الجمعة، عن اعتقال 12 شخصا في ستة أقاليم مختلفة، فيما يتعلق بالهجوم لكنها لم توضح هوياتهم أو انتماءاتهم.

وأضافت، أن أحد الانتحاريين من طاجيكستان، لكن هوية الثاني لم تتأكد بعد.

وأفاد بيان للوزارة، بأن عملاء الأمن اكتشفوا المكان الذي أقام فيه المهاجمون في كرمان، واعتقلوا اثنين من شركائهم.

وأعلن تنظيم داعش، الخميس، مسؤوليته في تفجيري، الأربعاء، قائلا إن رجلين ارتديا أحزمة انتحارية ناسفة ونفذا الهجوم خلال مراسم إحياء ذكرى سليماني، لكن التنظيم لم يحدد ما إذا كان ذراعه في أفغانستان المعروفة باسم تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان هي المسؤولة عن التفجيرين اللذين وقعا بمدينة كرمان.

وقال مصدران مطلعان على معلومات استخبارية لرويترز، الجمعة إن اتصالات اعترضتها الولايات المتحدة أكدت ضلوع فرع تنظيم داعش بأفغانستان في التفجيرين.

وذكر أحد المصدرين "المعلومات الاستخبارية واضحة ولا جدال فيها".

وقال المصدران اللذان طلبا عدم نشر اسميهما لحساسية الأمر، إن المعلومات الاستخبارية ضمت اتصالات جرى اعتراضها وذلك دون تقديم مزيد من التفاصيل. ولم ترد من قبل تقارير عن اعتراض هذه الاتصالات.

وكشف بيان الوزارة الإيرانية، أن الشرطة عثرت على سترتين ناسفتين وأجهزة تفجير عن بعد وقنابل يدوية وآلاف الشظايا التي تستخدم في صنع سترات ناسفة وأسلاك وعبوات ناسفة تشير، كما قال المسؤولون، إلى أن المهاجمين كانوا يخططون لهجمات أخرى. 

وأصدر تنظيم داعش، الجمعة، بيانا جديدا هدد فيه بمزيد من الهجمات، وقال إن تفجيرات كرمان تمثل "بداية حربنا" مع إيران.

غضب وتصاعد انتقادات

وفيما يبقى من غير الواضح إلى أي مدى يقبل الرأي العام الإيراني مزاعم السلطات بوقوف إسرائيل وراء الهجوم، أشارت نيويورك تايمز إلى الانتقادات والغضب بدءا في التصاعد تجاه الحكومة.

وقال محافظون موالون لرجال الذين يحكمون البلاد، إن رد إيران الخجول على "الانتهاكات الأمنية الإسرائيلية شجعها أو دفع جهات فاعلة أخرى مثل داعش للهجوم على البلاد".

ونفذت إسرائيل العديد من الضربات على مر السنين ضد المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، إلى جانب اغتيال علمائها النوويين وغيرهم، بحسب نيويورك تايمز التي أشارت إلى أن "تلك الهجمات، على عكس الهجوم الأخير الذي تبناه داعش، استهدفت بشكل دقيق أهدافها".

يقول أبو ذر نصر، مواطن إيراني في 44 من عمرة من مدينة قم الدينية، "إننا نتلقى الضربات مراراً وتكرارا ولا نفعل شيئاً".

وتابع في مقابلة مع الصحيفة عبر الهاتف: "إذا كانت السياسة هي ضبط النفس، فيجب على المسؤولين التوقف عن خطابات التهديد التي تبدو فارغة ومزيفة.

وتدعم إيران وتساعد في تسليح حركة حماس، المصنفة على لوائح الإرهاب بعدد من الدول، والتي قادت هجوم 7 أكتوبر على إسرائيل، التي ترد بحملة قصف مدمرة على قطاع غزة.

كما أنها تسلح حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، الذين كثفوا هجماتهم على إسرائيل خلال حربها مع حماس.

وهاجم الحوثيون السفن في البحر الأحمر ومنعوا السفن المتجهة إلى إسرائيل من المرور عبر الممر التجاري الحيوي، مما أدى إلى تعطيل الشحن الدولي، في حين يشن وكلاء إيران هجمات شبه يومية على القواعد الأميركية في سوريا والعراق.

وخلال مناقشات متعددة على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، تساءل متحدثون من مدن مختلفة وفصائل سياسية مختلفة داخل إيران عن أسباب عدم اتخاذ قوات الأمن المزيد من الإجراءات والاحتياطات لتفادي الهجوم، في ظل تصاعد التوترات في المنطقة.

وسبق أنه أعلن تنظيم داعش عن مسؤوليته في عدد من الهجمات على إيران، من بينها هجوم عام 2018 على عرض عسكري إيراني أسفر عن مقتل 25 شخصًا، وهجومين منفصلين شنهما مسلحون على ضريح شيعي في شيراز عامي 2022 و2023 وأديا إلى مقتل نحو عشرة أشخاص.

تحديات متزايدة

واعتبرت الصحيفة، أنه بالنسبة للقيادة الإيرانية، فإن التهديد بشن هجمات إرهابية واسعة النطاق ينضاف إلى قائمة التحديات المتزايدة التي تواجه البلاد، محليا ودوليا. 

وذكرت أن الاقتصاد في حالة من الفوضى بسبب العقوبات الأميركية وسوء الإدارة والفساد، كما أن احتمالات الخيار الوحيد، الذي من شأنه أن يؤدي إلى تخفيف العقوبات، تبدو قاتمة، في إشارة إلى العودة لاتفاق نووي مع الغرب.

وتفرض الحرب بين إسرائيل وحماس بدورها تحديات جديدة على القيادة الإيرانية، حيث تشارك الميليشيات المتحالفة معها بنشاط في القتال، غير أن طهران تتجنب التدخل المباشر وتمدد الصراع ليصل إلى أراضيها.

وقال المحلل السياسي المقيم في طهران، ساسان كريمي، إن "الجمهورية الإسلامية تدرك تمامًا أن هذه الهجمات مجتمعة قد تكون فخا يهدف إلى توسيع دائرة الحرب لتصل إليها".

وتابع "الجميع غاضب. لكن القيادة تريد الرد بضبط النفس لتجنب خطأ استراتيجي قد يعرض قبضتها على السلطة محليا وإقليميا للخطر".

وحتى مع تصاعد خطاب الحرب، أصدر المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي تعليمات للقادة العسكريين بمتابعة "الصبر الاستراتيجي"، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة بأي ثمن، وفقا لمصدرين إيرانيين مطلعين على المناقشات الداخلية.

ومع ذلك، يدعو بعض المتشددين الإيرانيين، إلى الرد بقوة على الهجمات الأخيرة,

مهدي محمدي مستشار، رئيس البرلمان الإيراني والقائد السابق في الحرس الثوري، دعا إلى "الرد وإلا سيكون علينا كل يوم أن نبكي من أجل المزيد من الشهداء".

وتابع  في منشور على منصة إكس: "الرد عبر هجوم مشترك لا يعني دخول الحرب، بل يبقى ردعا".

وزار إسماعيل غني، خليفة قاسم سليمان كرئيس لفيلق القدس القوي بالحرس الثوري، الخميس، المقبرة في كرمان التي كانت مسرحا للهجوم الانتحاري.

وظهر غني مرتديا الأسود بدلاً من الزي العسكري، وركع على قبر اللواء سليمان، ووضع يديه على شاهد القبر وصلى، ومن حوله حشد كبير يهتف "انتقام، انتقام".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)
رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)

في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، اعتبر محللون أن قبول دولة الإمارات أوراق اعتماد سفير حركة طالبان الأفغانية، يعد "دليلا واضحا على الانقسام الدولي" بشأن كيفية التعامل مع نظام الحكم الجديد في أفغانستان.

ووفقا للصحيفة، فإن أبوظبي انضمت إلى "عدد صغير لكنه متزايد" من القوى الإقليمية التي أقامت علاقات مع طالبان، على الرغم من الجهود الغربية لعزل الجماعة الأصولية عقب سيطرتها على حكم أفغانستان في 15 أغسطس 2021.

وكانت كازاخستان قد قبلت، الشهر الماضي، قائمًا بالأعمال معيّن من قبل حركة طالبان، في حين زار رئيس الوزراء الأوزبكي، عبد الله أريبوف، أفغانستان، في أعلى زيارة لمسؤول أجنبي منذ عودة الحركة الأصولية إلى السلطة.

وفي هذا الصدد، أوضح الباحث البارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين، حسن الحسن، أن "طالبان متعطشة للاعتراف الدولي بها"، معتبرا أن قرار الإمارات قبول سفيرها "يحمل الكثير من الثقل".

طالبان شددت حملتها على النساء عقب عودتها للسلطة في 2021 - أرشيفية
ورغم أن أي دولة لم تعترف رسميا بحكومة طالبان، فإن تلك الجماعة المتشددة تقول إن "لديها دبلوماسيين في نحو 12 دولة، بما في ذلك الصين وروسيا والسعودية وقطر".

كما أقامت دول أخرى، بما في ذلك الهند، علاقات محدودة مع النظام في كابل.

وهنا، يرى الباحث  في "مؤسسة أوبزرفر للأبحاث" بنيودلهي، كابير تانيجا، أن جيران أفغانستان "يحشدون الجهود للتأكد من ضمان الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة".

وتابع: "لحسن الحظ أو لسوء الحظ، فإن الكيان الوحيد الذي يساعد على تحقيق ذلك هو طالبان"، لافتا إلى أن تلك الحركة "قد لا تملك دبلوماسيين أذكياء جدا، لكنها تمكنت من الاستفادة من الأوضاع العالمية".

عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.
من جانبه، قال مسؤول إماراتي للصحيفة اللندنية، إن قرار قبول سفير لطالبان "من شأنه أن يساعد في بناء جسور لمساعدة شعب أفغانستان".

وأضاف ذلك المسؤول أن هذا يشمل "تقديم المساعدات، ودعم الجهود التي تعمل نحو خفض التصعيد وتحقيق الاستقرار الإقليمي".

ووفقا لمراقبين، فإن القبول الإقليمي المتزايد "يوفر لطالبان فرص التجارة والاستثمار"، في وقت تواجه فيه البلاد التي يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة أزمة اقتصادية وإنسانية.

ونجحت شركات من دول مجاورة، في تأمين صفقات لبناء البنية الأساسية في أفغانستان، التي تملك موقعا استراتيجيا بين طرق التجارة في وسط وجنوب آسيا.

وصادقت طالبان على عشرات العقود للاستفادة من ثروة البلاد المعدنية غير المستغلة، التي تقدر بنحو تريليون دولار، و تشمل احتياطيات من النحاس والليثيوم.

وذهب بعض تلك العقود إلى مستثمرين من إيران وتركيا والصين، علما بأن الأخيرة تعهدت أيضًا بإدراج أفغانستان في مبادرة "الحزام والطريق".

وفازت شركة من أبوظبي بعقود لإدارة المطارات الأفغانية في 2022، متغلبة على اتحاد قطري تركي. وهناك الآن رحلات منتظمة بين كابل والإمارات.

تحذير من "الثقة"

وسعت حركة طالبان إلى تبديد الشكوك الدولية بشأن حكمها، قائلة إنها "منفتحة على المشاركة والاستثمار".

وأوضح رئيس المكتب السياسي لطالبان في قطر، سهيل شاهين، لفاينانشال تايمز: "إن سياستنا هي إقامة علاقات جيدة مع الجميع".

وبالنسبة للإمارات، فإن الأمن "يدفعها إلى النظر إلى التعامل مع طالبان باعتباره ضروريا"، كما قال جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات "غلف ستيت أناليتيكس"، ومقرها واشنطن.

وأضاف كافييرو: "هذا ببساطة يتعلق بكون أبوظبي براغماتية، وتسعى الاستفادة القصوى من الوضع في أفغانستان".

ومع ذلك، حذر بعض المحللين من أن "الثقة في حركة طالبان قد تكون خطأ مكلفا، فباكستان كانت من أوائل المؤيدين للشراكة العالمية مع كابل التي تديرها طالبان، لكنها عانت من زيادة كبيرة في العنف المسلح من قبل مجموعات أصولية، ومن بينها فرع طالبان الباكستاني".

وأدى عدم رغبة طالبان - أو عدم قدرتها - على وقف "طالبان باكستان"، إلى تدهور حاد في العلاقات، حتى أن إسلام آباد شنت غارات جوية على أهداف لحركة طالبان الباكستانية في أفغانستان.

وقال دبلوماسي غربي للصحيفة البريطانية، إن "الوجود الأجنبي الدبلوماسي والاقتصادي المحدود داخل أفغانستان، يعني أن العديد من البلدان لا تزال تكافح من أجل تحديد مدى التهديد الذي يشكله حكم طالبان".

وشدد على أن المخاطر "لا تزال مرتفعة"، مضيفا: "من الواضح أن الدرس المستفاد من التاريخ هو أحداث 11 سبتمبر".