عراقية في مظاهرة ضد الفساد في العراق سنة 2015/ وكالة الصحافة الفرنسية
مؤشر مدركات الفساد يصنف 180 بلداً وإقليماً من خلال مستويات فساد القطاع العام على مقياس من 0 إلى 100

كشفت منظمة الشفافية الدولية، في تقرير حديث نشرته على موقعها الرسمي، عن فشل معظم الدول العربية في تحسين مواقعها على مؤشر مدركات الفساد على مدى أكثر من عقد من الزمن، ما يُعيق حصول المواطنين على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والتعليم، بل ويهدد في كثير من الحالات حقهم في الحياة.

وأوضحت المنظمة أنه بحسب مؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2023، بلغ متوسط الدرجات المُجمَّعة للدول العربية 34 من أصل 100، مما يشير إلى طريق طويل ينبغي اجتيازه لضمان النزاهة والعدالة في مختلف أنحاء المنطقة.

وأُدرجت سبع دول عربية ضمن الدول التي سجّلت أدنى عشر درجات لمؤشر مدركات الفساد لهذا العام، بينما تعيش 80% من بلدان المنطقة في صراعات وتعاني من عدم الاستقرار على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. 

وعزت المنظمة هذه النتائج إلى ارتفاع مستويات الفساد السياسي الذي يُقوّض جهود مكافحة الفساد في مختلف أنحاء المنطقة، لافتة إلى أنه "رغم تعهدات البلدان العربية بمكافحة الفساد، غالباً ما تتخلى الحكومات عن الالتزام بها، كما أن الإدارات الجديدة كثيراً ما تتجاهل المبادرات، ما يؤدي إلى فقدان الزخم".

ورأت أنه في مختلف أنحاء المنطقة، تتبنى استراتيجيات مكافحة الفساد الحالية في المقام الأول نهج ردّ الفعل وليس النهج الوقائي. وقد فشلت العديد من الدول التي قامت بصياغة القوانين والسياسات في تعميم تدابير لمكافحة الفساد بشكل منهجي ودعمها بآلياتٍ فعالة للإنفاذ والوقاية.

ويصنف مؤشر مدركات الفساد 180 بلداً وإقليماً من خلال مستويات فساد القطاع العام على مقياس من صفر (شديد الفساد) إلى 100 (نظيف جداً).

ووفقاً للمؤشر، سجّل أكثر من ثلثي الدول أقل من 50 من أصل 100 درجة، مما يشير إلى أنها تعاني من مشاكل فساد خطيرة. فالمتوسط العالمي عالق عند مستوى 43 فقط، في حين أن الغالبية العظمى من الدول لم تحقق أي تقدم أو تراجعت في العقد الماضي، إضافة إلى ذلك، تراجعت 23 دولة إلى أدنى درجاتها حتى الآن هذا العام.

وفيما يتعلق بالعالم العربي، سجّلت الإمارات أعلى الدرجات بين الدول العربية 68 درجة، محتلة المرتبة 26 عالمياً، تلتها قطر بـ 58 درجة حيث احتلت المرتبة 40 عالمياً، بينما سجّلت ليبيا 18 درجة، واليمن 16 درجة، وسوريا 13 درجة، والمراتب 170 وعالمياً 176 و177 عالمياً على التوالي، أما الصومال فاحتلت المرتبة الأخيرة ضمن القائمة بنتيجة بلغت 11 درجة من 100.

وتصدرت الدنمارك بـ 90 درجة على المؤشر، تلتها فنلندا ونيوزيلندا بدرجات 87 و85 على التوالي.

ومنذ إنشائه في عام 1995، أصبح مؤشر مدركات الفساد المؤشر العالمي الرائد لرصد فساد القطاع العام. يسجل المؤشر النتائج لـ 180 بلدا وإقليما حول العالم وفق مدركات الفساد في القطاع العام، باستخدام بيانات من 13 مصدراً خارجياً، بما في ذلك البنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والشركات الخاصة للاستشارات وحساب المخاطر، والمجمعات الفكرية وغيرها. وتمثل درجات المؤشر آراء الخبراء ورجال الأعمال، وفقا للمنظمة.

دور الحروب والصراعات

تشرح المستشارة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة الشفافية الدولية، كندة حتر، أنه "في مختلف أنحاء المنطقة، يعوق تفشي الفساد التقدم، كما يؤدي إلى تعميق الظلم الاجتماعي والهيكلي. ورغم الرغبة في معالجة هذه القضايا، يعزز الافتقار إلى الالتزام المستمر بتدابير مكافحة الفساد انعدام الثقة بين الحكومات والمواطنين، ما يؤدي إلى تأجيج عدم الاستقرار السياسي، وتعزيز عدم المساواة، وتصعيد الصراعات".

وتعاني الدول من ظاهرة الفساد بنسبة متفاوتة، وتكاد لا تخلو دولة من هذه الأفة، كما يقول رئيس مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية، برهان الخطيب، مشيراً إلى أن "هناك أسباب ومظاهر عديدة للفساد ودور لكل مؤسسة من المؤسسات العاملة في الدول سواء في القطاع العام أو الخاص أو منظمات المجتمع المدني، فظاهرة الفساد تطال الجميع بنسب متفاوتة، وكل منها تساهم به سواء أكان بشكل منفرد أو في العلاقة التبادلية فيما بينها".

 وأكثر مظاهر الفساد تكمن كما يقول الخطيب لموقع "الحرة" في القطاع العام "نظراً لانعدام الرقابة أو بطء المؤسسات الدستورية في إصدار القوانين أو الأنظمة التي تكافح الفساد وغياب السياسات التي تساهم في اقامة الحوكمة الرشيدة، كما يقوّض الفساد السياسي جهود مكافحة الفساد لا سيما في لبنان والعديد من دول المنطقة". 

ويشير تقرير المنظمة إلى أن الحروب والصراعات في بلدان الشرق الأوسط وشمال فريقيا تحول دون تطوير نظم للنزاهة وسياسات وآليات فعالة لمكافحة الفساد، وتشكّل زيادة الدول العربية من نفقاتها الدفاعية استجابة للعديد من الصراعات مخاطر كبيرة للفساد. 

ويشرح التقرير أن حالة الحرب المستمرة في اليمن تخلق حلقة مفرغة من الفساد، حيث إن اقتصاد الحرب يسمح للفاسدين بتكديس الثروات والإفلات من المُساءلة، بينما يعجز الملايين من الناس عن الحصول على المساعدات الطارئة والرعاية الصحية.

أما فيما يتعلق بمصر، فيشير التقرير إلى أن درجتها تتذبذب حول 35 درجة لأكثر من عقد من الزمن، ولا تزال من بين الدول ذات الدرجات الأدنى في العالم في مؤشر سيادة القانون، نتيجة تأثير الجيش على عملية صنع القرار السياسي وتقويض القطاع الخاص بشكل كبير والإسهام في الأزمة الاقتصادية، إضافة إلى الانفاق المكثف على البنية التحتية، الذي يفتقر إلى الشفافية وإلى استراتيجية اقتصادية قوية، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الدّيْن الوطني.

وفي ليبيا يستخدم النفط كوسيلة للمناورة، ما يترك البلاد عالقة في مواجهة سياسية ويعرّض الموارد الطبيعية الغنية لخطر الاستغلال، أما في الأردن التي حصلت على 46 درجة، فيعتمد تحصيل الفرص غالباً على العلاقات الشخصية، ولذا، من الأهمية تحديد الأسباب الجذرية للفساد للتمكّن من محاربته.

بين الالتزام واللامبالاة

تواجه تونس (40 درجة) بحسب منظمة الشفافية الدولية، تحديات ديمقراطية كبيرة، حيث تشرح في تقريرها أن هيئة مكافحة الفساد قُوِّضت بشكل ملحوظ، ما وجه ضربة قاسية للمساءلة والشفافية، وعرّض سلامة الناشطين والمُبلِّغين عن الفساد للخطر، كما أدت حملة القمع المكثفة التي تشنها الحكومة على حقوق الإنسان إلى تفاقم هذه القضايا بصورة أكبر. 

أما لبنان (24 درجة) فشهد على مر السنين كما جاء في التقرير، تراجعاً كبيراً في المؤشر، حيث انخفضت درجته ستّ نقاط منذ عام 2012. ورغم دعوات المجتمع المدني التي تحث الحكومة على أخذ الفساد على محمل الجد، ترك انفجار مرفأ بيروت في عام 2020 البلاد دون مسار واضح للمُضيّ قدماً من أجل إنشاء نظام وطني قوي للنزاهة.

وتقوَّض العديد من جهود مكافحة الفساد في لبنان والعراق (23 درجة) بسبب الهياكل السياسية الضعيفة والافتقار المستمر إلى الإرادة لبناء نظم مناسبة للنزاهة.

وتظهر التقارير الأخيرة ممارسات فساد في البلدان المحيطة بغزة، ومن الأمثلة على ذلك كما ذكرت منظمة الشفافية الدولية استحصال "رسوم" على الحدود من أولئك الفارين من ويلات الحرب. 

وحصلت الكويت (46 درجة) هذا العام على أعلى درجة لها على المؤشر منذ عام 2015، ومهدت الطريق نحو التزامات أقوى لمكافحة الفساد على المستوى الوطني. 

يلاحظ كما يقول الخطيب "أوجه التشابه بين العديد من الدول على صعيد استشراء الفساد في كل مفصل من مفاصل الدولة"، ويضيف "يطال الفساد كذلك مؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، فالأولى تساهم بشكل كبير في ظهور الفساد في الدولة من خلال شبكة المصالح التي تبنيها مع المنظومة السياسية والإدارية لأجل تمرير مصالحها وصفقاتها".

 أما فيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني "التي تكونت باعتبارها لا تبغي الربح" نرى اليوم يقول الخطيب أنها "دخلت بشكل كبير وواسع في منظومة الفساد في العديد من الدول لا سيما تلك التي تعاني من الحروب والأزمات.. فمثلاً في لبنان ضجت الأروقة بالحديث عن السمسرات والصفقات والسرقات واستغلال معاناة اللبنانيين في أكثر من أزمة وأبرزها انفجار مرفأ بيروت.

كما يتبين من خلال التقرير الأخير الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية، بحسب الخطيب أن "الدول التي توفّر الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني والتنمية والإمكانيات المالية للصرف على المؤسسات الحكومية من هيكليتها وتنمّي مواردها البشرية وتعتمد آليات حديثة وتكنولوجية وكذلك الشفافية والمحاسبة من أعلى السلم الوظيفي إلى أدناه، تتقدم في المؤشر وتسجّل تطوراً في مكافحة الفساد". 

ويضيف "أما الدول التي تعاني من الحروب وعدم الاستقرار السياسي والدستوري والاجتماعي وعدم تحديث الإدارة العامة وعدم اعتماد الشفافية والمحاسبة وطغيان التنفيعات والوساطات والطائفية في تركيب المؤسسات الدستورية والإدارية فتحتل أدنى سلم المؤشرات.

سلسلة مترابطة

"إن الفساد لا يسرق الموارد فحسب، بل يسلب الأمل من الناس"، هذا ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالة مصورة بُثّت خلال افتتاح الدورة العاشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، في مدينة أتلانتا الأميركية، في شهر ديسمبر، والذي هدف إلى تقييم الجهود العالمية لمكافحة الفساد.

وحققت الاتفاقية منذ اعتمادها التزاماً شبه عالمي، كما ذكرت الأمم المتحدة "حيث بلغ عدد الدول الأطراف فيها 190 دولة، مما يمثل شهادة على التزام المجتمع الدولي الثابت بالقضاء على الفساد وتأثيره الضار على السلام والعدالة والتنمية المستدامة".

ودعا الأمين العام في رسالته "جميع الأطراف إلى اغتنام هذه الفرصة لتعزيز التعاون الدولي لمنع الفساد وكشفه ومحاكمته، بالشراكة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص".

وبالرغم من إعلان أكثر من دولة في المنطقة ولبنان السعي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلا انها لم تف بالتزاماتها بحسب الخطيب "فيما يتعلق بالعدالة وحقوق الإنسان وإقامة دولة القانون والمؤسسات"، ويعود ذلك إلى "غياب البنية التحتية المناسبة والنظم الوطنية للنزاهة، وغياب الشفافية والقضاء النزيه والعادل، حيث يشكل تراجع دور وأداء القضاء أبرز المؤشرات السلبية، فكيف إذا ضرب الفساد بناء وآلية عمل السلطة القضائية التي تقع المسؤولية الأساسية في مكافحة الفساد على عاتقها". 

ويتطلب التغيير الحقيقي في الدول العربية مراجعة الواقع، كما ترى منظمة الشفافية الدولية، وذلك "من خلال نهجٍ شامل يعالج الأسباب التي تكمُن وراء الفساد ويعطي الأولوية للوقاية بدلاً من البناء على نظم قائمة على أسس فاسدة للغاية، حيث لا يمكن للحكومات أن تدّعي نجاحها في مكافحة الفساد ما لم تتمكن جميع قطاعات المجتمع، وفي المقام الأول المجتمع المدني ووسائل الإعلام والقطاع الخاص، من المشاركة بشكل كاف في هذه العملية".

أما الخطيب فيرى أنه "لا بد من وضع سياسات واستراتيجيات صالحة التطبيق تراعي بيئة ومتطلبات كل دولة، تتركز في استقرار المؤسسات الدستورية والإدارية واعتماد الشفافية والمحاسبة والرقابة فيهما، وبناء الإدارة والمتكاملة وعدم اعتماد إصلاحات جزئية، فلا بد من حل شامل يطال القوانين والأنظمة وتطوير الموارد البشرية وتأمين وسائل العمل الحديثة".

ويختم مشدداً على أن "الأمن يوّلد الاستقرار، والاستقرار يوّلد الاستثمار والاستثمار يوّلد الازدهار".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".