لاجئون سوريون هاجروا من لبنان بطريقة غير شرعية يواجهون مصيراً غامضاً
لاجئون سوريون هاجروا من لبنان بطريقة غير شرعية يواجهون مصيراً غامضاً

يواجه لاجئون سوريون هاجروا من لبنان بطريقة غير شرعية، مصيراً غامضاً في عرض البحر، بعدما تم اعتراض مراكبهم من قبل خفر السواحل القبرصي.

وتتضارب المعلومات حول عدد المراكب التي غادرت الشاطئ اللبناني وعدد اللاجئين الذين تحملهم على متنها، حيث أشارت منصة "هاتف إنذار" إلى تلقيها طلب نجدة قبل يومين من مركبين يقلان 73 شخصاً، بمن فيهم العديد من الأطفال، وبعضهم مرضى، وقد علقوا في البحر منذ 4 أيام، ونفد طعامهم وشرابهم ولا يوجد لديهم وقود لمواصلة رحلتهم.

وانتقدت المنصة السلطات القبرصية بسبب ما وصفه بـ"الاعتداءات الشائنة" ضد الفارين من سوريا ولبنان، مشيرة إلى أنها هاجمت عدة قوارب تحاول الوصول إلى قبرص وعرقلة رحلتها، بالإضافة إلى تعليق حق اللجوء للمواطنين السوريين.

بينما أفاد موقع " alphanews" القبرصي بوصول ستة مراكب تحمل حوالي 500 لاجئ، أما شقيق أحد الركاب، فأكد إبحار ثمانية مراكب يوم الاثنين الماضي من شاطئ عكار إلى قبرص. 

كما شدد أحمد (شقيق وسام) في حديث مع موقع "الحرة" على عودة ثلاثة مراكب إلى لبنان، حيث "وصل اثنان منهما بسلام إلى شاطئ الميناء، بينما انقطع الاتصال بالمركب الثالث الذي كان على متنه شقيقي وعدد كبير من أقاربي وذلك عقب دخوله المياه الإقليمية، قبل أن يتبين أنه جرى توقيف ركابه من قبل الجيش اللبناني، ليطلق سراح بعضهم ويرحّل غير المسجلين في مفوضية شؤون اللاجئين في لبنان ومنهم أبناء عمي".

كلام أحمد يؤكده رئيس مركز سيدار، المحامي محمد صبلوح، لموقع "الحرة"، إلا أنه يقول "لا نعلم مصير غير المسجلين في المفوضية إلى حد الآن".


وعبّرت منظمة العفو الدولية عن قلقها في تغريدة عبر صفحاتها على موقع التواصل الاجتماعي "إكس" "إزاء التقارير التي تتحدث عن الظروف الخطيرة على متن قاربين متجهين إلى قبرص.

ومع اقتراب كل فصل صيف تنشط عمليات الهجرة غير الشرعية عبر الشواطئ اللبنانية لا سيما الشمالية منها، وذلك منذ لجوء عدد كبير من السوريين إلى لبنان عقب اندلاع الحرب في بلدهم، ومن ثم بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ نحو 5 سنوات.

وبعد حملة العنف والعنصرية التي يتعرض لها السوريون عقب جريمة خطف وقتل مسؤول حزب القوات اللبنانية، باسكال سليمان، واتهام سوريين بالوقوف خلفها، يتوقع زيادة كبيرة في أعداد المهاجرين منهم، وفقاً لما يقوله صبلوح، "ويبدو ذلك واضحاً من خلال تزايد عدد المراكب المهاجرة بشكل جماعي وليس فردي".

خيار "عبور الموت"

عزم وسام على مغادرة لبنان نهائياً بعد تعرضه لاعتداء وحشي في منطقة حارة صخر في جونية، على يد مجموعة من الغاضبين إثر جريمة قتل سليمان، بحسب ما يقوله شقيقه أحمد، الذي يضيف "تواصل وسام هاتفياً مع أحد المهربين الذي طلب منه 2650 دولاراً لحجز مقعد له على المركب".

لم يتردد وسام في تأمين المبلغ عبر الاستدانة من معارفه "للهروب من جحيم لبنان، وحين حان موعد الرحيل، ودّع زوجته وطفله على أمل اللقاء بهما في بلد يحترم حقوق الإنسان وكرامته".

أحمد أيضاً قرر الهجرة، ويقول "سأجازف في عبور الموت المتربص بالمهاجرين في البحر، رغم ما وجهه شقيقي وأقاربي ورغم علمي كذلك بتضييق السلطات القبرصية الخناق على كل من يقترب من شواطئها بطريقة غير شرعية، خاصة بعد زيارة الرئيس القبرصي إلى لبنان ومباحثاته مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي حول هذا الملف".

ويشدد أحمد "لم أعد أحتمل حالة الخوف والقلق التي أعيشها في هذا البلد. فمنذ مقتل مسؤول القوات اللبنانية، لم أعد أجرؤ على الخروج من المنزل. وبرغم تكويني صداقات ومعارف عديدة في المنطقة التي أقيم وأعمل فيها منذ عشر سنوات، إلا أن العنصرية لدى بعض اللبنانيين قد غلبت كل شيء".

ويضيف "للأسف أصبحنا نشعر أننا منبوذون من كل الدول، في وقت يستحيل علينا العودة إلى وطننا، فنحن من إدلب المعروفة بمناهضتها للنظام، بالتالي ترحيلنا يعني تسليمنا للموت"، مشدداً على أنه "في كل مرة يخالف فيها لاجئ القوانين يتم تحميل كل السوريين وزر ذلك، في حين لم نسمع أن الأستراليين تعاملوا مع اللبنانيين بعنصرية بعدما أقدم لبناني على طعن كاهن أمام العالم أجمع".

ولبحث ملف الهجرة غير الشرعية، زار الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، بيروت قبل أيام، حيث شدد بعد لقائه ميقاتي على "أهمية إيجاد حل شامل ومستدام لأزمة النازحين السوريين وما تتركه من انعكاسات على دول المنطقة وفي مقدمها لبنان وقبرص".
 
وأعلن أن "قبرص تتفهم الأوضاع اللبنانية وحساسية الموضوع بالنسبة إلى لبنان وأهمية الحل النهائي والشامل له، عبر الضغط على الاتحاد الأوروبي والمحافل الدولية لاستيعاب التحديات التي يواجهها هذا البلد".

كما عبّر عن تفهمه "لموقف لبنان الرسمي بأن الحل النهائي لن يتم إلا عبر عودتهم إلى أراضيهم، خاصة أن هناك مناطق معينة أصبحت آمنة في سوريا، وأكثرية النازحين هم نازحون اقتصاديون وعلى المجتمع الدولي والمنظمات الدولية العمل لتمويل مشاريع إنمائية في سوريا وتحفيز عودتهم الى بلادهم لحل هذه الأزمة التي لا تضرب أمن لبنان وقبرص فقط، بل أمن البحر المتوسط".

أما ميقاتي فشدد على أن "لدى لبنان وقبرص مصلحة مشتركة في معالجة التحديات التي يواجهانها بفعل الهجرة غير الشرعية، وهناك إمكانية للتعاون في تمكين المؤسسات المختصة من ضبط الحدود البحرية".

وأكد أن "الجيش والقوى الأمنية اللبنانية يبذلان قصارى جهدهم لوقف الهجرة غير الشرعية، ولكن لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال عودة أولئك الذين يبحثون عن الأمان إلى المناطق الامنة في سوريا أو تأمين إقامتهم في بلد ثالث".

يذكر أن عدد المهاجرين الوافدين إلى قبرص انخفض بشكل عام، إلا أن عدد الوافدين على متن قوارب من سوريا ولبنان زاد بحسب وكالة فرانس برس بنسبة كبيرة، حيث وصل إلى 4259 في عام 2023 مقارنة بـ 937 في عام 2022.

وفي منتصف الشهر الجاري، كشف وزير الداخلية القبرصي كونستانتينوس إيوانو، في منشور على منصة إكس، عن أن بلاده أعادت 3337 مهاجراً إلى بلادهم منذ بداية العام الجاري، في حين أعادت 2348 مهاجراً في الفترة نفسها من العام 2023.

الوجود والوجه.. القبيحان

تحوّل لبنان إلى منصّة انطلاق للمهاجرين غير الشرعيين، وبعد أن كانت غالبيتهم العظمى من السوريين، انضم إليهم لبنانيون ولاجئون فلسطينيون منذ الأزمة الاقتصادية.

وباتت قبرص الوجهة الرئيسية للاجئين الفارين من الأزمات في لبنان، وذلك لقربها الجغرافي من شواطئه، وكذلك اليونان وإيطاليا. وتنتشر شبكات السماسرة والمهربين في مختلف المناطق اللبنانية، مستغلة رغبة الناس في الوصول إلى أوروبا بأي ثمن، دون مراعاة للمخاطر الجمة التي قد تواجههم خلال رحلة الهجرة، سواء خسارة أرواحهم أو أموالهم.

وتشير إحصاءات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل "فرونتكس" أن شرق البحر الأبيض المتوسط تفوق في الربع الأول من العام الحالي على طريق غرب أفريقيا باعتباره المسار الأكثر نشاطا إلى الاتحاد الأوروبي بالنسبة للمهاجرين غير الشرعيين، مع تضاعف عدد عمليات الكشف عن المهاجرين إلى ما يزيد قليلا عن 13.700، واحتل السوريون والأفغان والمصريون صدارة الجنسيات المهاجرة عبر هذا الطريق.

وأفاد موقع "مهاجر نيوز" بوصول أكثر من 1000 شخص عبر البحر إلى قبرص من لبنان منذ بداية أبريل، كما تم تسجيل أكثر من 2000 مهاجر في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، مقارنة بـ 78 فقط خلال نفس الفترة من عام 2023، وفي الأول من أبريل فقط، وصل 271 مهاجراً، معظمهم من السوريين، كانوا على متن خمسة قوارب انطلقت من شواطئ لبنان.

وبعد بضعة أسابيع من التدفقات المستمرة، أعلنت الحكومة القبرصية بحسب ما ذكر الموقع "أنها لن تقوم بعد الآن بدراسة طلبات اللجوء المقدمة من السوريين، وتحرمهم من الحصول على الرواتب، وتختار بدلا من ذلك إبقائهم في مرافق المهاجرين القائمة".

يتابع صبلوح، قضية المراكب العالقة في عرض البحر، ويقول "ليست هذه المرة الأولى التي تقوم فيها قبرص بترحيل مهاجرين وصلوا إلى شواطئها من لبنان، منتهكة بذلك الاتفاقية الدولية الخاصة بوضع اللاجئين والتي تُلزم الدول على احتضان هؤلاء، علماً بأن لبنان لم يوقع على هذه الاتفاقية". 

وأشار صبلوح إلى تبني الاتحاد الأوروبي في العاشر من الشهر الجاري اتفاقية "ميثاق الهجرة واللجوء الجديد" الذي يشدد الضوابط الحدودية على الوافدين بشكل غير نظامي، ومن بين الإجراءات المثيرة للجدل التي يتضمنها، ترحيل أي مركب غير شرعي إلى الدولة التي ينطلق منها، وتستند قبرص على تطبيق هذا الميثاق للتهرّب من التزاماتها الإنسانية". 

وفوق هذا "قام خفر السواحل القبرصي، بتوجيه السلاح نحو ركاب أحد المراكب، حسبما أشارت إليه منصة هاتف إنذار" لذلك يشدد رئيس مركز سيدار "على ضرورة تحرّك المنظمات الدولية لإنقاذ هؤلاء اللاجئين، الذين لم يخاطروا بحياتهم لولا شعورهم بأن العيش في سوريا ولبنان يشكل خطراً أكبر عليهم. وسواء قبرص أو لبنان، فإن كلتي الدولتين تتعاملان مع المهاجرين على أساس أنهم أرقام وليسوا بشراً".

يُذكر أنّه يعيش في لبنان أكثر من 800 ألف لاجئ سوري مسجّلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بينما تُقدّر السلطات اللبنانية عددهم بأكثر من مليوني شخص. وقد شهد ملف اللاجئين السوريين في لبنان تصعيداً غير مسبوق في الفترة الأخيرة من قبل الحكومة اللبنانية التي تسعى لترحيلهم بكل الوسائل الممكنة، على الرغم من تحذيرات المنظمات الحقوقية من مخاطر الإعادة القسرية إلى سوريا، التي تعتبر بلداً غير آمن حتى الآن.

لكن الوجود السوري في لبنان ليس جديداً أو طارئاً، وفقاً لما يؤكده الرئيس الأسبق للائتلاف المعارض والمجلس الوطني السوري، جورج صبرا "فقد ساهم السوريون في إعمار هذا البلد منذ خمسينيات القرن الماضي، والمنتديات والجامعات اللبنانية تعرف المثقفين والسياسيين السوريين جيداً".

أما الوجود القبيح كما يصفه صبرا في حديث مع موقع "الحرة" فهو "وجود نظام الأسد الذي استمر لمدة ثلاثين عاماً في لبنان ولا يزال يحتل الذاكرة اللبنانية. أما السوريون الموجودون الآن في لبنان فبريؤون من هذا الوجود، لا بل قاوموا نظام الأسد لما فعله باللبنانيين، وبسبب موقفهم هذا هجّروا من بلدهم".

ويعتبر الوجه القبيح لما يجري الآن، بحسب صبرا، هو أن ضحايا يضطهدون ضحايا ويحملونهم مسؤولية الأزمات في بلدهم "لا شك أن لبنان يعاني من مشاكل بسبب حالة اللجوء، لكن لا يجوز لأي لبناني أن يحمل السوريين مسؤولية ما آلت إليه الأمور".

ويشير صبرا إلى أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة والسياسيين اللبنانيين هم الذين يتحملون الجزء الأكبر من المسؤولية، "لعدم تنظيمهم وجود اللاجئين السوريين منذ دخولهم، على عكس الأردن على سبيل المثال، التي تستضيف مليوني لاجئ إلا أنها نظمت وجودهم في مخيمات توفر الأمن والإغاثة لهم"، مؤكداً على أن "الصعوبات المترتبة على وجود اللاجئين يمكن حلها بشكل قانوني".

تعقيدات وتحذيرات

سجلت مفوضية شؤون اللاجئين في لبنان ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الهجرة غير الشرعية عبر البحر انطلاقاً من شواطئ البلاد خلال الفترة من يناير إلى 15 أبريل 2024.

وأوضحت الناطقة باسم المفوضية، دلال حرب، أنّه تمّ تسجيل 52 رحلة بحرية (فعلية أو محاولة) خلال هذه الفترة، شملت 2,636 راكباً غالبيتهم من السوريين. 

توزعت هذه الرحلات بحسب ما تقوله حرب لموقع "الحرة" على النحو التالي "خمس رحلات في يناير تقل 278 راكباً و12 رحلة في فبراير (606 راكباً)، 18رحلة في مارس (1,016 راكباً)، 17 رحلة في أبريل حتى 15 أبريل (736 راكباً)، بينما تم تسجيل 3 تحركات بحرية شملت 54 راكباً في ذات الفترة من عام 2023".

وفي عام 2023، سجلت المفوضية وفق حرب "65 حالة تحرك بحري (فعلية أو محاولة) و3,927 راكباً. توزعت هذه الحالات على النحو التالي: 29 مركباً تم اعتراضها أو فشلت في الوصول، وعلى متنها 1,692 شخصاً، بينما وصل 33 مركباً بنجاح إلى وجهتها (31 مركب إلى قبرص، مركب واحد إلى إيطاليا، ومركب إلى ليبيا)، وكان على متنها 2,126 راكباً، وتم إبعاد 3 مراكب تقل 109 ركاب إلى لبنان".

وبالمقارنة مع عام 2022، نجد بحسب حرب أن هناك زيادة في حالات التحرك البحري من شواطئ لبنان بنسبة 18.2٪، بينما انخفض عدد الركاب بنسبة 15.3٪ خلال نفس الفترة.

تواجه عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم بشكل طوعي تحديات عدة، "وتُعدّ سيطرة حزب الله العسكرية واحتلاله للأراضي السورية أحد العوائق الرئيسية أمام ذلك"، وفقاً لما يقوله صبرا، مشيراً إلى أن "معظم اللاجئين السوريين في لبنان ينحدرون من المناطق الحدودية التي يسيطر عليها حزب الله، مثل القصير وريف حمص الغربي وريف دمشق الغربي".

كما أن حزب الله يرغب وفق صبرا "بوقوع فتنة بين اللبنانيين واللاجئين لتغطية ممارساته وتنفيذه للمخطط الإيراني في المنطقة، كما أنه يستغلّ وميليشياته عدم تنظيم وضع اللاجئين في لبنان لتحقيق مكاسب اقتصادية من خلال تجارة الكبتاغون والسلاح، ممّا يساهم في تدمير الاقتصادين السوري واللبناني".

أما السلطات اللبنانية فتدرك بحسب صبرا "موقف نظام الأسد المعادي لعودة اللاجئين وسعيه لعرقلتها، إلا أنها تخفي موقفه بشأن ذلك"، مشدداً على ضرورة عدم تحويل اللاجئين السوريين في لبنان إلى ضحايا للصراع السياسي، "فذلك يسيء للعلاقات التاريخية بين الشعبين اللبناني والسوري ويعقّد الوضع في المستقبل".

مواضيع ذات صلة:

عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم
عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم

الحرة- ضياء عودة- دفعت "زوبعة منظمة" كما وصفها نشطاء حقوق إنسان وسياسي سابق، العشرات من العائلات الإيزيدية المقيمة في كردستان العراق للفرار إلى سنجار، وهي أرضهم الأم التي تعرضوا فيه للإبادة على يد تنظيم داعش في مثل هذا الشهر من عام 2014.

وقال الناشط الإيزيدي والمدافع عن حقوق الإنسان، فرهاد علي لموقع "الحرة" إنه ومنذ أمس الخميس غادرت أكثر من 700 عائلة إيزيدية كردستان العراق، "بسبب خطابات الكراهية التي صدرت من بعض رجال الدين في الإقليم".

وأوضح أن خطاب "رجال الدين" تسبب في حالة خوف وهلع بين الناس، مشيرا إلى "وضع صعب يشمل الإيزيديين المقيمين في المخيمات في إقليم كردستان وسنجار".

"العائلات لا تعرف ماذا تفعل ويريد أفرادها إيقاف (الزوبعة) الحاصلة وعدم بث خطاب الكراهية، والحفاظ على التآخي والتعايش بين جميع المكونات العراقية"، كما يتابع علي.

ونشر الناشط عدة تسجيلات مصورة عبر موقع التواصل "إكس" توثّق حركات الفرار باتجاه سنجار.  

ويضيف الناشط الإيزيدي مراد إسماعيل أن "خطابات الكراهية" التي دفعت العائلات الإيزيدية للفرار جاءت في أعقاب التصريحات الأخيرة لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، والتي أطلقها في ذكرى الإبادة التي نفذها تنظيم داعش.  

 

 

وقال في تغريدة عبر "إكس": "من المقلق كيف أن أفعال أو تصريحات أي فرد إيزيدي تؤدي إلى لوم المجتمع الإيزيدي بأكمله وتجريده من الإنسانية وتكفيره".

من جانبها، نفت السلطات الأمنية والإدارية في محافظتي دهوك وزاخو الأنباء التي تحدثت عن هروب نازحين من مخيمات الإيزيديين خوفا من انتقام متطرفين إسلاميين عقب تصريحات ششو، وفقا لمصادر الحرة.

 

ما قصة التصريحات؟

"خطاب الكراهية" الذي انتشر ضد أبناء المجتمع الإيزيدي في العراق جاء بعد حديث مصّور تناقله مستخدمون عبر مواقع التواصل لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، واتهم على إثره بالإساءة للنبي محمد والتحريض على الحرب بين الديانات.  

ونشروا تسجيلا مصورا مقتطعا عبر مواقع التواصل، ولم يتأكد موقع "الحرة" مما جاء فيه وما قاله ششو بالتحديد.

ورغم التوضيح الذي نشره القيادي الإيزيدي وتداولته وسائل إعلام لم تتوقف الحالة الخاصة ببث خطاب الكراهية ضد الإيزيديين، كما قال نشطاء حقوق الإنسان الذين تحدث معهم موقع "الحرة".  

وجاء في بيان قائد قوات سنجار أنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام أو المسلمين أو النبي محمد، وأضاف أنه أراد التذكير بأنه "مادام المتطرفون موجودون فإن الاعتداءات ضد الإيزيديين سوف تستمر".

وفي غضون ذلك أصدر "المجتمع الإيزيدي" بيانا، الجمعة، أوضح فيه أنه "تم استخدام جملة من كلام (ششو) عن الإبادات دون أن يكون قاصدا النبي محمد ولا الإساءة إلى شخصه الكريم".

وأضاف البيان: "ولم تكن العبارة تعبر عن موقفه ولا موقف المجتمع الإيزيدي ولا الديانة الإيزيدية المبنية على احترام الشعوب والعقائد"، مؤكدا على التوضيح الذي نشره ششو، وأن "كلماته كانت تستهدف المجاميع الإرهابية التي قامت بالإساءة للدين الإسلامي الحنيف أكثر من الإساءة إلى غيره".

واعتبر "المجتمع الإيزيدي" أن ما وصفهم بـ"أطراف الإسلام السياسي ومنابرهم الإعلامية تقوم على وسائل التواصل بتأجيج المشاعر الدينية للإخوة المسلمين، متحججين بكلمات غير مقصودة تم تفسيرها بشكل غير صحيح لقائد قوات سنجار".

وأشار إلى "حملة منظمة عبر مواقع التواصل للتحريض على قتل الإيزيديين، وهم الذين يعانون منذ سنوات طويلة من التكفير ولا يوفر المتطرفون جهدا إلا ويستغلونه لتهديد أبناء شعبنا المسالم"، وفق البيان.

وتابع في الختام: "نوجه أنظار الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والمجتمع الدولي إلى خطورة الوضع والمخاوف لدى المواطنين الإيزيديين العزل، وبشكل خاص المقيمين في مخيمات النزوح".

 

"مذكرة قبض وردود"

وذكرت وسائل إعلام عراقية أن محكمة استئناف نينوى أصدرت مذكرة قبض بحق قائد قوات سنجار، بتهمة الإساءة للنبي محمد و"التحريض على حرب بين الديانات".

المادة القانونية المنطبقة على التهمة هي رقم (195) من قانون العقوبات العراقي، كما جاء في المذكرة، التي لم تشر إلى صاحب الدعوى.

ونقل موقع قناة "روداو" عن  حيدر ششو، ابن شقيق قاسم ششو قوله إنه يعتقد بأن تصريحات عمه عن النبي محمد قد أسيء تفسيرها، مشيرا إلى أنه "تمت المبالغة في هذه المسألة رغم توضيحاتنا".

وأضاف أن الهدف من تأجيج الموضوع هو يهدف "خلط الأمور"، لافتا إلى أن الموالين لداعش قاموا باستغلالها، كما حذّر من أنه وفي حال الاستمرار بذلك فسوف يتخذون موقفا، مردفا: "الذين يعارضوننا اليوم لم يقولوا شيئا عن كل الانتهاكات التي ارتكبت بحقنا".

لكن في المقابل صدّرت عدة إدانات للحديث الذي أطلقه ششو، والذي اعتبر "مسيئا للنبي محمد".

وكان أبرزها من جمال الضاري الأمين العام للمشروع الوطني في العراق، إذ قال عبر "إكس": "ندين بأشد العبارات قيام المدعو قاسم ششو بالإساءة لرسولنا الكريم محمد  وللدين الإسلامي الحنيف، مستغلا ذكرى جريمة الإبادة الايزيدية لتمرير أجندته الخبيثة".

وأضاف الضاري: "وفي الوقت الذي نؤكد فيه رفضنا وإدانتنا لجرائم تنظيم داعش الإرهابي والتي لا تمت لتعاليم الاسلام، نطالب الحكومة العراقية وجميع القوى السياسية بالتصدي بحزم لهذه الإساءات".

كما طالب بـ"تقديم المحرضين والمسيئين إلى العدالة ليكونوا عبرة، لكل من يحاول بث الفرقة والإساءة للأديان والرسل والرموز الدينية المقدسة".

ولم يصدر أي بيان رسمي حتى الآن من الحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان العراق.  

ومن جهته أشار الناشط الحقوقي الإيزيدي مراد إسماعيل إلى "آلاف خطابات الكراهية والمنشورات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي انتشرت خلال الأيام الماضية".

وقال إسماعيل إن ما سبق يحدث "في ظل صمت المؤسسات الأمنية والقضائية".

وأوضح أن "مئات العائلات الإيزيدية تسارع الآن إلى مغادرة مخيمات النازحين نتيجة لخطاب الكراهية والتهديدات من المتطرفين في أعقاب تصريحات ششو".  

كما أضاف أن "الحكومة العراقية وحكومة كردستان لديهما المسؤولية القانونية لملاحقة هؤلاء المتطرفين الذين ينشرون الكراهية ضد الإيزيديين في المنتديات العامة ويحرضون على العنف ضدهم".

 

"في ذكرى الإبادة"

وسنجار، وهي منطقة جبلية في شمال غرب العراق، موطن لخليط من السكان الأكراد والعرب، والإيزيديين هم أقلية إثنية ودينية يتحدثون الكردية.

وفي أغسطس 2014، اجتاح تنظيم "داعش" جبل سنجار وقتل عناصره أعدادا كبيرة من هذه الأقلية واحتجزوا آلافا من النساء الفتيات واتخذوهن سبايا.

وفيما خطف أكثر من 6400 منهم، أُنقذ حوالي نصفهم أو تمكنوا من الفرار، بينما لايزال مصير الآخرين مجهولا.

وبعد ثلاث سنوات من الاجتياح، أعلن العراق عام 2017 الانتصار على التنظيم الذي ترك خلفه أكثر من 200 مقبرة جماعية يرجح أنها تضم حوالي 12 ألف جثة، وفقا للأمم المتحدة.

وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن 80 في المئة من البنية التحتية و70 في المئة من بلدة سنجار، أكبر مدينة في القضاء، دمر خلال النزاع ضد تنظيم "داعش" بين 2014 و2017.  

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، لا يزال حوالي 183 ألف شخص من سنجار نازحين، وهذا يشمل 85 في المئة من السكان الأيزيديين في القضاء.  

في الوقت الحالي، تستضيف 65 في المئة من البلدات والمدن في سنجار نصف سكانها الأصليين أو أقل، بينما لم تشهد 13 بلدة أي عودة على الإطلاق منذ 2014.

وبعد 10 سنوات من اجتياح "داعش"، لاتزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات.  

ووفقا لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، تستضيف المخيمات الـ23 المنتشرة في الإقليم حاليا حوالي 157 ألف شخص، كثيرون منهم من سنجار.

"زوبعة منظّمة"

ويقول النائب السابق في البرلمان الكردستاني، عبدالسلام البرواري إنه "يوجد تشويه وتصعيد مقصود تجاه الإيزيديين في المخيمات، وخاصة بعد بدء خطوات تنفيذ قرار الحكومة العراقية بإغلاق المعسكرات وضرورة عودة النازحين لأماكنهم".

وتتزامن حالة التشويه أيضا مع "وجود رغبات في تنفيذ اتفاقية سنجار"، على حد اعتقاد البرواري.  

ويضيف لموقع "الحرة" أن "قاسم ششو صرّح بأنه لم يقل ذلك نصا (الإساءة للنبي محمد) وأن كلامه تم تشويهه، بينما تولت مجموعة من القنوات لفرض واضح الترويج للحديث المشوه ولخلق جو عدائي".

ومع ذلك أصدر الزعماء الحقوقيون من المجتمع الإيزيدي ووزارة الأوقاف والجهات الأخرى بيانات رسمية، وأكدت فيها على "ثقافة التعايش وقبول الآخر في كردستان العراق".

ويعتقد البرواري أن "الموضوع عبارة عن زوبعة منظّمة وستنتهي".

ويشير إلى أن كثير من العائلات التي تفر من المخيمات باتجاه سنجار "قد تتعرض للأذية".