تلاميذ يمنيون مكفوفون خلال حصة تعليمي/إرفع صوتك
تلاميذ يمنيون مكفوفون خلال حصة تعليمي/إرفع صوتك

صنعاء- بقلم غمدان الدقيمي:

يجلس الكفيف الـيمني سعد عبدالرحمن النعماني وابنته أماني (12 عاماً) على الرصيف بجوار أحد المطاعم الشهيرة شمالي العاصمة صنعاء. يتلو آيات من القرآن الكريم، جاهداً في لفت انتباه المارة لمساعدته بما يسد به رمقه وأفراد أسرته المكونة من زوجة وأربعة أطفال.

الكفيف اليمني سعد النعماني وابنته يجلسان في رصيف بشارع شمالي العاصمة صنعا/إرفع صوتن

​​ويقضي النعماني أكثر من ساعتين يومياً على هذا النحو ومثلها متنقلاً في شوارع مدينة صنعاء باسطاً يديه لتسول المارة، مثل كثير من المكفوفين والمعوزين في هذا البلد العربي المضطرب منذ العام 2011.

ويتجاوز عدد المكفوفين في اليمن 76 ألف شخص من الجنسين، منهم خمسة آلاف كفيف وكفيفة فقط يستفيدون من الخدمات والأنشطة التي تقدمها الجمعيات المعنية برعاية المكفوفين، حسبما تقول صباح حريش، رئيسة جمعية الأمان لرعاية الكفيفات بالعاصمة صنعاء لموقع (إرفع صوتك).

ظروفي قاسية

“أنا كفيف منذ ولدت، تنقلت بين 12 مستشفى في صنعاء طالباً للعلاج دون جدوى”، يقول النعماني، لموقع (إرفع صوتك).

ويذكر الرجل الأربعيني أنه تلقى قدراً من التعليم عندما كان في سن الـ12 من العمر لمدة عام بمعهد خاص بالمكفوفين بصنعاء قبل إغلاقه، ولم يحظ بعدها بأي فرصة للتعليم.

“ظروفي قاسية في الشارع. لكنّني سعيد وأنا أشاهد أطفالي يتعلمون”، قال النعماني، الذي يقطن وأسرته منزلاً صغيراً شمالي العاصمة صنعاء، بالكاد يستطع سداد إيجاره البالغ شهرياً 10 آلاف ريال (29.4 دولار أميركي).

أمنيات

من جانبها تقول ابنته أماني سعد، التي ترافق والدها لتسهيل عبوره الشوارع، “نحن فقراء.. أبي يكافح من أجل اسعادنا”.

“أتمنى أن أُكمل دراستي وألتحق بالجامعة وأحصل على وظيفة، لأنقذ والدي ووالدتي من هذا الوضع”، تابعت الطفلة النحيلة التي تدرس في الصف الرابع أساسي، بصوت خافت لموقع (إرفع صوتك).

يهزؤون بي

داخل فصل دراسي لا يتجاوز عدد طلابه 15 طالباً من فئة المكفوفين، كان يجلس منيب نجاد، سبع سنوات، شارد الذهن، واضعاً كفه اليمنى على خده الأيمن.

“بعض الأطفال في الشارع يسخرون منّي بسبب إعاقتي”، قال منيب، لموقع (إرفع صوتك)، قبل أن ترتسم على وجهه تعابير الشعور بالخجل من وضعه ككفيف.

أضاف الطفل الكفيف، الذي يدرس في الصف الأول الأساسي بمركز لرعاية المكفوفين جنوبي صنعاء، “أريد أقلام برايل (وسائل تعليمية خاصة بالمكفوفين)، وحقيبة وملابس جديدة، لكي لا أشعر بأنني مختلف عن الآخرين”.

وأكد أنه غير واثق من قدرته على إكمال التعليم. “أتمنى أن تساعدني أسرتي في ذلك، لكي أحصل على وظيفة مناسبة في المستقبل”.

مخاوف الطفل منيب أكدها أيضاً حمود السوادي، 50 عاماً، هو الآخر كفيف يعمل مدرساً لمادة اللغة العربية في المركز ذاته، قائلاً إن “كثير من الآباء لا يسمحون لأبنائهم بمواصلة التعليم، بسبب غياب الوعي”.

عامل محبط

الكفيف اليمني سعد النعماني وابنته يجلسان في رصيف بشارع شمالي العاصمة صنعا/إرفع صوتن

​​وسرد حمود السوادي، الذي فقد بصره وهو في السنة الثانية من العمر إثر اصابته بالجدري، قائمة طويلة من المشاكل التي يعانيها المكفوفين في بلاده، أبرزها غياب التأهيل والتدريب والمباني، وعدم توفر الوسائل التعليمية الحديثة.

لكنه يرى أيضاً أن التعامل بالرحمة والشفقة المبالغ فيهما تحولت إلى عامل محبط ومدمر للكفيف ومستقبله.

وقال السوادي، وهو أب لثمانية أطفال، إن من الاشكاليات أيضا عدم وجود الطرق المؤهلة ما يعرض المكفوفين للخطر والحوادث المرورية أثناء عبور الشوارع، ”بمعنى آخر لا يتم احترام العصاء البيضاء التي يحملها الكفيف”.

وأشار إلى أن هناك مشاكل أخرى تتعلق بعزل الكفيف وعدم دمجه في المجتمع، وفي أحيان كثيرة حرمانه من الإرث (مقابل المساعدة في التنقل) والزواج، “علماً بأن الفتيات الكفيفات أكثر مظلومية في التعليم والإرث والزواج”.

نحن أفضل

وأكد حمود السوادي، الذي يحمل مؤهلاً جامعياً ويعمل مدرساً منذ 1990، أن راتبه الحكومي منقطع للشهر السادس على التوالي ما سبب له أزمة معيشية كبيرة، ومع ذلك يقول “نحن أفضل بكثير كوننا موظفين حكوميين”.

ونفى السوادي حصوله على أي مساعدات تذكر من صندوق رعاية المعاقين، “اعتمدت على نفسي للوصول إلى ما أنا عليه”.

زوجتي

ويوافقه في ذلك زميله حسين قائد، 48 عاماً، الذي طالب السلطات اليمنية بمساعدته في إعادة زوجته التي غادرت اليمن إلى أثيوبيا في آذار/مارس 2015 ولم تستطع العودة بسبب الحرب الدائرة في البلاد.

“عانيت الكثير نتيجة غياب زوجتي وإثنين من أطفالي. لم أنجح في الحصول على موافقة السلطات اليمنية بعودتها، أو تحمل نفقات السفر”، يقول قائد لموقع (إرفع صوتك).

إحباط

بدورها قالت صباح حريش، رئيسة جمعية الأمان لرعاية الكفيفات بصنعاء، إن شحة الوسائل الخاصة بالمكفوفين، والتي تعتبر غالية الثمن، وعدم حصول الخريجين الجامعيين على وظائف مناسبة من أكبر التحديات التي يواجهها المكفوفين في اليمن.

“لدينا نص قانوني كفل نسبة خمسة في المئة من الوظائف الحكومية للمعاقين، لكن للأسف منذ سنوات لم يتم العمل به”.

وأكدت لموقع (إرفع صوتك) “يوجد حالياً مئات الخريجين من مختلف الاقسام الجامعية عاطلين عن العمل ومحبطين”.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أيام، اعترافات عالم عراقي معتقل في سجون السلطات الكردية، ضالع في صناعة أسلحة كيميائية لصالح "داعش"، وعمل ضمن فريق الأسلحة الكيميائية في التنظيم.

وفي مقابلته مع المعتقل سلمان العفري (52 عاماً)، يقول الصحافي مؤلف كتاب "رايات سوداء: صعود داعش" جوبي واريك، إن العفري بدا "شخصاً عاطفياً ومرتباً بطريقة مثالية". 

ناقلاً قول العفري "هل أشعر بالندم؟ لا أعرف إن كنت سأستخدم هذه الكلمة!"

لكن من هو العفري؟ وكيف وصل لداعش؟

يقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لـ (ارفع صوتك)،  إن سليمان داود العفري (أبو داود) هو مهندس سابق في هيئة التصنيع العسكري، التي كانت فاعلة قبل عام 2003.

وحكم على العفري بالإعدام نظراً لدوره في صناعة الأسلحة الكيميائية التي استخدمها التنظيم في عدة هجمات على مدنيين أو عسكريين خلال معاركه مع القوات العراقية والأميركية.

أما عائلة العفري فلا علاقة لها بنشاطه الإرهابي، وتعيش حالياً في مدينة الموصل، كما أنها غير مطلوبة أمنياً أو قضائياً، وفق تأكيد الهاشمي.

وأضاف الهاشمي أن "تفاهمات تجري حالياً من أجل نقله من أربيل لبغداد لتنفيذ حكم الإعدام".

علماً بأن أربيل سلّمت نهاية العام الماضي، 1400 معتقل داعشي تمهيداً لتسليم عدد آخر منهم.

والعفري من الأحياء القلائل الذين تم القبض عليهم من فريق صناعة الأسلحة الكيميائية، فيما أشار الهاشمي لآخرين عراقيين قُتلا في معارك التنظيم، هما: عبدالستّار اسكندر (أبو حكيم ) لداعش، وصالح محمد جاسم (أبو مالك).

وبعد مقتلهما، استلم ملف تطوير الأسلحة الكيميائية في داعش، مهندس وفيزيائي مصري، ساعده في مهمته المهندس العراقي محمود السبعاوي (أبو مالك)، الذي قتل جنوب الموصل من قبل سلاح الجو للتحالف الدولي، يقول الهاشمي.

هيئة التصنيع العسكري

في مقابلة الـ"واشنطن بوست" مع العفري في سجنه، قال إنه قبل بالانضمام لتنظيم داعش بسبب "حاجته للمال".

مضيفاً "أراد التنظيم فقط ترويع القوات العراقية التي حاولت استعادة أراضيها منه (.....) جاؤوا إليّ طلباً للمساعدة في المعدات والعتاد الذي يحتاجونه للأسلحة الكيميائية".

وقال العفري "لدي تجربة مع الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانوا يبحثون عن الفولاذ المقاوم للصدأ.. ليس لديك خيار سوى أن تصبح واحداً منهم".

كما أشرف على إنتاج التنظيم لـ"غاز الخردل" مدّة 15 شهراً.

ونشر صحيفة عراقية، الخميس، تقريراً  بعنوان "نحو 1250 موظفاً بالتصنيع العسكري في الموصل ينتظرون من يرأف بحالهم"

يسلّط الضوء على موظفين سابقين في هيئة التصنيع العسكري، التي عمل فيها العفري، وعددهم 1273، تم إلحاقهم بوزارة الصناعة والمعادن في وقت سابق، إلا أنهم توقفوا عن العمل بعد سيطرة "داعش" على مناطقهم ولم تتم إعادتهم بعد التحرير.

ويعزو أحد الموظفين من نينوى، السبب إلى "خشية الحكومة من أن أحدهم أو أكثر تورّط مع داعش".

وإذا عدنا لتاريخ هيئة التصنيع العسكري سنجد أنها تعرضت للتدمير والنهب وتخريب منشآتها بعد غزو العراق عام 2003، كما تمت تصفية كوادرها العلميَّة المتخصّصة في صناعة الأسلحة، على يد مليشيات مسلّحة.

وكانت تزوّد الجيش العراقي بكمّيات كبيرة من الذخائر والمعدّات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، وأيضاً القذائف والصواريخ طويلة ومتوسّطة المدى، إضافة إلى العربات والمدرَّعات المختلفة.

وأنشئت الهيئة في عهد النظام الأسبق برئاسة صدام حسين، نهاية السبعينيات، وتضاعف حجم منشآتها وانتاجها بسبب الحاجة للأسلحة في حرب العراق مع إيران. 

إلا أن الحروب المتتتالية (الخليج الأولى والثانية ثم غزو العراق) عرّضت منشآتها للتدمير والتخريب والنهب، بينما قُدّر عدد العاملين فيها قبل 2003 بـ 47 ألف عامل وموظَّف، موزَّعين على 33 شركة صناعيّة حربيّة.

ومن أبرز الأسلحة التي طوَّرتها هيئة التصنيع العسكري "الغاز المزدوج"، وهو من غازات الأعصاب.

وإذا كان الحاكم المدني الأول للعراق بول بريمر، أصدر القرار رقم 75 لسنة 2004، بحلّ هيئة التصنيع العسكري، فإن  مجلس الوزراء العراقي صوّت لصالح مشروع قانون هيئة التصنيع العسكري في أيار/مايو 2018.

ورغم التحرير وهزيمة التنظيم على يد القوات العراقية والتحالف الدولي، إلا أن آثار الأسلحة الكيمياية لا تزال موجودة في أماكن عدة، تركها التنظيم خلفه، ولا تزال تشكل خطراً على حياة المدنيين.