مظاهرة في تونس ضد عودة المتشددين/وكالة الصحافة الفرنسية
مظاهرة في تونس ضد عودة المتشددين/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم خالد الغالي:

يشدد قانون الإرهاب التونسي على عقوبة السجن، من ستة أعوام إلى 12 عاما لكل من "انضم عمدا، بأي عنوان كان، داخل تراب الجمهورية أو خارجه، إلى تنظيم أو وفاق إرهابي". ورغم أن القانون الصادر في آب/اغسطس 2015 واضح تماما، إلا أن الجدل لا يزال محتدما حول مصير مئات التونسيين الذين التحقوا بمواقع القتال، في سورية والعراق وليبيا، في حال عودتهم.

ووفق تصريحات رسمية، عاد لحدود الساعة 800 مقاتل تونسي إلى بلادهم، وسط توقعات بعودة المزيد عقب الهزائم المتتالية التي تلقاها داعش في العراق وسورية وليبيا. وتشير تقديرات الامم المتحدة، التي نشرت سنة 2015، إلى وجود أكثر من 5000 تونسي في مواقع القتال في هذه البلدان الثلاثة.

تذكرة ذهاب فقط

ترفض أطياف سياسية ومدنية واسعة في تونس عودة المقاتلين، ونظمت مظاهرات أكثر من مرة للتأكيد على هذا الموقف، كان أكبرها التي دعا لها "ائتلاف المواطنين التونسيين"، في الأسبوع الأخير من كانون الأول/ديسمبر 2016. وحمل المتظاهرون فيها شعارات"لا لعودة الدواعش" و "لا توبة، لا حرية، للعصابة الإرهابية".

ويحظى هذا الموقف بدعم النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي، أكبر نقابة لقوات الأمن في تونس (تقول إنها تضم أكثر من 40 ألف منخرط من بين 75 ألف رجل أمن)، التي أصدرت، بالتوازي مع المظاهرات، بيانا حذرت فيه مما أسمته "صوملة" البلاد إذا ما تم السماح بعودة المقاتلين التونسيين، داعية إلى "اتخاذ إجراءات استثنائية صارمة بشأنهم كالمنع من العودة، وإن اقتضى الأمر سحب الجنسية التونسية".

واقع دستوري

تصطدم دعوة منع عودة المقاتلين التونسيين بأمر واقع يفرضه الدستور التونسي، الذي ينص في فصله 25 على عدم إمكانية "سحب الجنسية التونسية من أي مواطن أو تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة إلى الوطن". وهو الموقف الذي يتبناه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي. ففي حوار مع وكالة الصحافة الفرنسية في كانون الأول/ديسمبر 2016، صرح الرئيس قائد السبسي "العديد منهم يرغبون في العودة، ولا يمكننا منع تونسي من العودة إلى بلاده، هذا (أمر يكفله) الدستور. لكن بديهي أننا لن نستقبلهم بالأحضان". وتابع الرئيس التونسي "لن نضعهم جميعا في السجن، لأننا إن فعلنا لن يكون لدينا ما يكفي من السجون، بل سنتخذ الإجراءات الضرورية لتحييدهم. ونحن نراقبهم". وتزامنت هذه التصريحات مع أخرى مشابهة أدلى بها قائد السبسي لقناة "يورونيوز".

مباشرة بعد هذه التصريحات، انطلقت موجة انتقادات عارمة اضطرت قائد السبسي إلى إصدار توضيح يؤكد فيه أن "الإجراءات الأمنية والسياسية" بخصوص المقاتلين التونسيين في بؤر التوتر سيتم اتخاذها بالتوافق مع قانون الإرهاب. وبدورها، أعلنت الحكومة التونسية أنها "لم تعقد أي اتفاق مع أي طرف لتنظيم عودتهم،" وأن أي "إرهابي يعود من العراق وسورية وليبيا ستتم محاكمته وفق قانون مكافحة الإرهاب".

هل من مجال للتوبة؟

جاء موقف حركة النهضة (إسلاميون)، المشاركة في الائتلاف الحكومي، قريبا من موقف الرئيس قائد السبسي. ففي لقاء حزبي بمدينة القيروان (وسط البلاد)، في كانون الأول/ديسمبر 2016، أكد زعيم الحركة راشد الغنوشي أن تونس لا تستطيع أن تفرض مواطنيها على البلدان الأخرى. لكن مع هذا أوضح الغنوشي (في لقاء إذاعي لاحق): "لا نتمنى عودتهم، لكن تونس فيها دستور وقوانين لا تمنع أي عائد لبلاده من العودة.. وإذا رجعوا، لا أحد يستطيع أن يمنعهم، لكن عندهم أماكنهم سواء في قفص الاتهام أو السجون".

وتُتهم حركة النهضة من قبل خصومها بالتساهل مع ملف المقاتلين التونسيين، خاصة منذ دعوة زعيمها في آب/أغسطس 2015 إلى "فتح باب التوبة" أمامهم.

في المقابل، ظلت أحزاب أخرى حليفة للنهضة في الحكومة متمسكة بموقفها الرافض لعودة المقاتلين. من بينها حزب آفاق تونس الذي طالب الحكومة "بالتحرك الفاعل في اتجاه محاكمة الإرهابيين في البلدان التي ارتكبت فيها جرائمهم".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أيام، اعترافات عالم عراقي معتقل في سجون السلطات الكردية، ضالع في صناعة أسلحة كيميائية لصالح "داعش"، وعمل ضمن فريق الأسلحة الكيميائية في التنظيم.

وفي مقابلته مع المعتقل سلمان العفري (52 عاماً)، يقول الصحافي مؤلف كتاب "رايات سوداء: صعود داعش" جوبي واريك، إن العفري بدا "شخصاً عاطفياً ومرتباً بطريقة مثالية". 

ناقلاً قول العفري "هل أشعر بالندم؟ لا أعرف إن كنت سأستخدم هذه الكلمة!"

لكن من هو العفري؟ وكيف وصل لداعش؟

يقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لـ (ارفع صوتك)،  إن سليمان داود العفري (أبو داود) هو مهندس سابق في هيئة التصنيع العسكري، التي كانت فاعلة قبل عام 2003.

وحكم على العفري بالإعدام نظراً لدوره في صناعة الأسلحة الكيميائية التي استخدمها التنظيم في عدة هجمات على مدنيين أو عسكريين خلال معاركه مع القوات العراقية والأميركية.

أما عائلة العفري فلا علاقة لها بنشاطه الإرهابي، وتعيش حالياً في مدينة الموصل، كما أنها غير مطلوبة أمنياً أو قضائياً، وفق تأكيد الهاشمي.

وأضاف الهاشمي أن "تفاهمات تجري حالياً من أجل نقله من أربيل لبغداد لتنفيذ حكم الإعدام".

علماً بأن أربيل سلّمت نهاية العام الماضي، 1400 معتقل داعشي تمهيداً لتسليم عدد آخر منهم.

والعفري من الأحياء القلائل الذين تم القبض عليهم من فريق صناعة الأسلحة الكيميائية، فيما أشار الهاشمي لآخرين عراقيين قُتلا في معارك التنظيم، هما: عبدالستّار اسكندر (أبو حكيم ) لداعش، وصالح محمد جاسم (أبو مالك).

وبعد مقتلهما، استلم ملف تطوير الأسلحة الكيميائية في داعش، مهندس وفيزيائي مصري، ساعده في مهمته المهندس العراقي محمود السبعاوي (أبو مالك)، الذي قتل جنوب الموصل من قبل سلاح الجو للتحالف الدولي، يقول الهاشمي.

هيئة التصنيع العسكري

في مقابلة الـ"واشنطن بوست" مع العفري في سجنه، قال إنه قبل بالانضمام لتنظيم داعش بسبب "حاجته للمال".

مضيفاً "أراد التنظيم فقط ترويع القوات العراقية التي حاولت استعادة أراضيها منه (.....) جاؤوا إليّ طلباً للمساعدة في المعدات والعتاد الذي يحتاجونه للأسلحة الكيميائية".

وقال العفري "لدي تجربة مع الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانوا يبحثون عن الفولاذ المقاوم للصدأ.. ليس لديك خيار سوى أن تصبح واحداً منهم".

كما أشرف على إنتاج التنظيم لـ"غاز الخردل" مدّة 15 شهراً.

ونشر صحيفة عراقية، الخميس، تقريراً  بعنوان "نحو 1250 موظفاً بالتصنيع العسكري في الموصل ينتظرون من يرأف بحالهم"

يسلّط الضوء على موظفين سابقين في هيئة التصنيع العسكري، التي عمل فيها العفري، وعددهم 1273، تم إلحاقهم بوزارة الصناعة والمعادن في وقت سابق، إلا أنهم توقفوا عن العمل بعد سيطرة "داعش" على مناطقهم ولم تتم إعادتهم بعد التحرير.

ويعزو أحد الموظفين من نينوى، السبب إلى "خشية الحكومة من أن أحدهم أو أكثر تورّط مع داعش".

وإذا عدنا لتاريخ هيئة التصنيع العسكري سنجد أنها تعرضت للتدمير والنهب وتخريب منشآتها بعد غزو العراق عام 2003، كما تمت تصفية كوادرها العلميَّة المتخصّصة في صناعة الأسلحة، على يد مليشيات مسلّحة.

وكانت تزوّد الجيش العراقي بكمّيات كبيرة من الذخائر والمعدّات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، وأيضاً القذائف والصواريخ طويلة ومتوسّطة المدى، إضافة إلى العربات والمدرَّعات المختلفة.

وأنشئت الهيئة في عهد النظام الأسبق برئاسة صدام حسين، نهاية السبعينيات، وتضاعف حجم منشآتها وانتاجها بسبب الحاجة للأسلحة في حرب العراق مع إيران. 

إلا أن الحروب المتتتالية (الخليج الأولى والثانية ثم غزو العراق) عرّضت منشآتها للتدمير والتخريب والنهب، بينما قُدّر عدد العاملين فيها قبل 2003 بـ 47 ألف عامل وموظَّف، موزَّعين على 33 شركة صناعيّة حربيّة.

ومن أبرز الأسلحة التي طوَّرتها هيئة التصنيع العسكري "الغاز المزدوج"، وهو من غازات الأعصاب.

وإذا كان الحاكم المدني الأول للعراق بول بريمر، أصدر القرار رقم 75 لسنة 2004، بحلّ هيئة التصنيع العسكري، فإن  مجلس الوزراء العراقي صوّت لصالح مشروع قانون هيئة التصنيع العسكري في أيار/مايو 2018.

ورغم التحرير وهزيمة التنظيم على يد القوات العراقية والتحالف الدولي، إلا أن آثار الأسلحة الكيمياية لا تزال موجودة في أماكن عدة، تركها التنظيم خلفه، ولا تزال تشكل خطراً على حياة المدنيين.