أطفال باعة متجولين في دوار القيادة وسط صنعاء/إرفع صوتك
أطفال باعة متجولين في دوار القيادة وسط صنعاء/إرفع صوتك

صنعاء- بقلم غمدان الدقيمي:

يقضي الطفل عبدالصمد الوصابي خمس ساعات يومياً عند أحد التقاطعات الرئيسة وسط العاصمة اليمنية صنعاء، متجولاً بين السيارات وهو يلوح للسائقين بعلب مياه باردة محاولاً استعطافهم للشراء.

في ذات المكان، كان هناك إلى جانب الوصابي (15 عاما)، عشرات الأطفال وحتى كبار السن، بعضهم يعملون كباعة متجولين فيما البعض الآخر يتسولون.

“أكسب 400 ريال في اليوم (1.14 دولار أمريكي)، العمل أفضل من التسول”، قال الوصابي، الذي ينحدر من أسرة فقيرة مكونة من ثمانية أفراد.

أرقام أممية

وخلال الأشهر الأخيرة، بدا لافتاً انتشار ظاهرتي التسول وعمالة الأطفال على نطاق واسع في العاصمة صنعاء ومدن يمنية أخرى، وسط تحذيرات أممية ودولية من انزلاق البلاد نحو “مجاعة وشيكة”، في ظل تصاعد وتيرة الصراع المستمر منذ أكثر من عامين، والذي تسبب بواحدة من “أكبر الأزمات الإنسانية في العالم”، على حد توصيف الأمم المتحدة.

وتذهب تقديرات المنظمة الدولية إلى أن 80 في المئة من سكان اليمن البالغ تعدادهم أكثر من 27 مليون نسمة بحاجة لمساعدات “ملحة” للبقاء على قيد الحياة، بينهم نحو سبعة ملايين يمني لا يعلمون من أين سيحصلون على وجبتهم التالية.

ومع ذلك، فإن الأطفال هم من يدفع الثمن الأعلى للصراع، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، التي خلصت في أحدث تقاريرها إلى أن هناك نحو “2.2 مليون طفل يعانون من سوء التغذية، فضلاً عن أكثر من 2 مليون طفل باتوا مشردين خارج المدارس، بسبب تداعيات الحرب التي خلفت أكثر من 10 آلاف قتيل، وثلاثة ملايين نازح على الأقل”.

الموت جوعاً

“ليس لدينا خيار سوى العمل أو التسول أو الموت جوعاً”، قال الطفل عبد الصمد الوصابي لموقع (ارفع صوتك)، مؤكداً أن والده الذي يعمل موظفاً حكومياً لم يستلم راتبه منذ 7 أشهر.

أضاف “أنا في الصف السابع الأساسي، لكني غالباً لا أذهب إلى المدرسة”.

“ساعدني يا عم”

وعلى مسافة غير بعيدة من المكان، كان سيف أحمد (10 أعوام) بملابسه الرثة، يتنقل بين السيارات باسطاً يديه للتسول.

“ساعدني يا عم، لدي خمسة إخوان جائعين...”، بصوت حزين حاول الطفل ذو البشرة السوداء جاهداً استدرار عطف السائقين، لمساعدته بما يسد به رمقه وأسرته التي تقطن خيمة بلاستيكية صغيرة في “محوى للمهمشين”، شمالي العاصمة صنعاء.

ولم يتحرج الطفل من القول بأن شقيقته (ثماني سنوات) ووالدته تتسولان هما أيضاً على مسافة قريبة من المكان.

“أبي كان يعمل خياطاً للأحذية (إسكافيا)، لكنه توقف عن العمل بسبب الحرب. يقضي معظم وقته في النوم”، أضاف سيف، لموقع (إرفع صوتك).

235 مختطف

وتقول منظمة اليونيسف إن “الحرب المنسية” في اليمن سرقت من الأطفال طفولتهم، في وقت أعلنت فيه توثيق مقتل أكثر من 1500 طفل، واختطاف 235 آخرين منذ بداية النزاع في آذار/مارس 2015.

وأكدت اليونيسف تحققها خلال السنتين الماضيتين، من 1,572 حالة تجنيد لأطفال في القتال، تورطت فيها كافة القوى المتصارعة، لكن تقارير منظمات محلية تذهب إلى أن العدد الحقيقي يتجاوز 20 الف طفل.

كارثية

ويحذر محمد الأسعدي، الناطق الرسمي باسم مكتب اليونيسف في اليمن، من آثار وعواقب كارثية على الأطفال، ومستقبل البلد بشكل عام.

وقال لموقع (إرفع صوتك) “المحنة التي أصابت الأطفال شديدة الوطأة عليهم! لذلك حتى وإن تلاشت آثار الجروح والصدمات التي تعرض لها من نجا منهم، ستظل الآثار غير المرئية تؤرقهم وتلازمهم مدى الحياة. هناك آثار طويلة المدى تنتظر الأطفال بسبب هذه الازمة”.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

السور الخارجي لإصلاحية النساء والأطفال في أربيل/ هيومن رايتس ووتش
السور الخارجي لإصلاحية النساء والأطفال في أربيل/ هيومن رايتس ووتش

قابلت منظمة "هيومان رايتس ووتش" 29 طفلاً (14-18) عاماً، اعتقلتهم السلطات الكردية بتهم الانتماء لتنظيم داعش، 24 منهم ما زالوا محتجزين لدى منظمة النساء والأطفال الإصلاحية في أربيل، فيما البقية أفرج عنهم.

22 طفلاً أعمارهم (14-17)، واثنان يبلغان 18 عاماً، ومن بين 24 أدين 8، بينما الآخرون بانتظار المحاكمة، علماً بأن جميع هؤلاء الأطفال ذكور.

وتحت عنوان "الجميع بحاجة للاعتراف"، نشرت المنظمة تقريراً مفصلاً حول تجربة هؤلاء الأطفال الذين لا يزالون يواجهون خطر إعادة اعتقالهم من قبل القوات العراقية إذا عادوا لمناطق تقع تحت سيطرة بغداد.

ومنذ استعادة السيطرة على المناطق المحررة من داعش، اعتقلت القوات العراقية والسلطات الكردية آلاف الأطفال، بشبهات العمل مع التنظيم، ومع نهاية عام 2018 أدين منهم نحو 1500 طفل، وفق تقرير "هيومن رايتس".

وقالت المنظمة إن بين المُدانين بتهم الإرهاب، 185 طفلاً –على الأقل- غير عراقي الجنسيّة، يقبعون في سجون عراقية.

ما الذي دفع الأطفال للانضمام إلى التنظيم؟

أكد بعضهم أن المال هو السبب، يقول أيمن (16 عاماً) "لم أملك المال لذا قررت الانضمام، وكنت أستلم 60000 دينار عراقي شهرياً (51.6 دولار). لم أفعل شيئاً سوى الوقوف تحت الجسر وحمل السلاح، هذا كل شيء".

وانضم سلام (17 عاماً)، لداعش عام 2015، للعمل طبّاخاً مقابل 65000 دينار عراقي (55.9 دولار) شهرياً. ويقول إنه لم يشأ القتال أبداً لذلك اختار مهمّة الطبخ.

أما يوسف (17 عاماً) فقد كان يعمل في مطعم قبل سيطرة التنظيم على الموصل، الشيء الذي أدى لإغلاق المطعم.

وجد يوسف بعد ذلك عملاً في مطعم آخر، كان يعد الطعام لعناصر التنظيم. يقول "داعش أخذوا بطاقة هويتي من أجل إجراءات دفع الرواتب، ربما لذلك اسمي كان في قائمة المشتبه بهم".

وبعض الأطفال انضموا للتنظيم بسبب تشجيع وضغط أقرانهم أو أقربائهم، مثلما حصل مع فواز (16 عاماً) ونوار (17 عاماً). لكن فواز قرر المغادرة بعد يوم واحد فقط من التدريب العسكري ضمن مجموعة أطفال.

أما نوار فانضم مُجبراً من قبل أخيه. يقول "أمي شيعية وأبي سنّي، لكني أميل أكثر لجانب أمي، لذا لم تعجبني أفكار داعش ولم أرغب بالعبادة على طريقتهم. قضيت 10 أيام في التدريب و10 أيام أخرى في الحراسة، ثم قُتل أخي، بالتالي لم يعد من سبب للبقاء، غادرت".

بعض الأطفال أخبروا "هيومن رايتس" أنهم انخرطوا فقط في التدريب الديني، فهذا سامي من الموصل، كان يعمل في أحد المصانع بالموصل، وكل علاقته مع داعش 15 يوماً في دورة للقرآن في المسجد.

أطفال آخرون دفعتهم مشاكلهم العائلية للانضمام إلى داعش، مثل سعدون (17 عاماً)، قال إنه أمه ماتت فأخذه جاره للتنظيم ظناً منه أنه يقدم لهذا الطفل المساعدة، وبذلك انخرط في تدريب ديني وآخر مسلّح لأيام عدة، لكنه لم يشأ أن يصبح عنصراً في التنظيم ولا أن يقدّم البيعة، فترك التنظيم، وتم تهديده كي يعود، بالعودة، إلا أنه اختبأ في مكان خارج بيته.

يقول سعدون "كانوا يفعلون أشياء سيئة ولم أرغب بالبقاء".

"البصل لنا واللحم لهم"

محمود انضم للتنظيم حين كان عمره 15 عاماً لأنه لم يكن سعيداً في بيته، وبعد حادثة ضرب والده له لأنه تورّط في مشاجرة، ترك البيت ولجأ للتنظيم.

حين امتحانه من أجل التجنيد، قرر محمود العودة لبيت العائلة، لكن وبعد ثلاثة أو أربعة شهور من ذلك، تعرض بيت عمّه لقصف جوّي، قتل فيه جميع أطفاله، ليعود محمود إلى داعش مجدداً.

وهذه المرة خضع لتدريب 25 يوماً بين القانون الإسلامي والتسلّح، وبعد أيام من انتهاء التدريب، ذهب مع دورية مسلّحة، يحمل بندقية الكلاشينكوف، إلى كارمليس وهي بلدة مسيحية تبعد 17 كلم غرب الموصل، وشارك في القتال ضد البيشمركة.

يقول محمود "كل شخص حمل سلاحه وطُلب منا الانتقال للصفوف الأمامية، كنت أطلق النار بشكل عشوائي تجاه البيشمركة، أعتقد أنني كنت خائفاً. إنه الموت..".

يتابع "استمر القتال ست ساعات، ثم تعرضنا لقصف جوّي فهربنا، وبعد هذه المعركة قضيت أياماً في نقل الجرحى والجثث، ومباشرة حين انتهى ذلك، تركت التنظيم".  

جبار انضم لداعش لسبب اجتماعي. كان عمره آنذاك 16 عاماً، يقول "انضممت إلى التنظيم لأشعر بأنني شجاع وقويّ. حين تمشي بسلاحك ينظر إليك الجميع وتشعر بقوّتك". وكان قراره بعد انضمام عدد من أصدقائه.

وعن داعش، يقول جبار "لم تكن لدي أدنى فكرة عن أهداف التنظيم. تلقيت تدريباً في القانون الإسلامي على مدى 15 يوماً ولم أحصل على تدريب مسلّح".

ومع ذلك تم تسليمه بندقية كلاشينكوف، وقضى ثلاثة شهور في العمل سائقاً ينقل الماء لعناصر التنظيم في معاقله. وكان راتبه الشهري 60000 دينار عراقي (51.6 دولار)، لكن مع بدء عمليات تحرير الحويجة، الواقعة 125 كلم جنوب الموصل، طُلبَ منه القتال، لكنه دفع مبلغاً من المال لأحد المهرّبين الذي ساعده على الهرب.

أكد العديد من الأولاد أنهم أصيبوا بخيبة أمل شديدة من داعش.

يقول محمود "بدأت أفكر في مصلحتي حين رأيت أن كبار المسؤولين لا يرسلون أبناءهم إلى الخطوط الأمامية، وعائلاتهم كانت تعيش أفضل منا، كانوا يحصلون على الدجاج واللحم كل يوم بينما نحن نأكل البصل فقط".

يضيف أنه قرر الاستقالة بعد 60 يوماً مع داعش، حيث أدرك أنهم "مجموعة فظيعة ومدمرة".

يقول محمود إن "السبب الوحيد لانضمامنا هو أننا كنا صغارا ولم نفكر. لم أكن أعلم حقًا. نحن أطفال فقط. أنا نادم، ولو عاد بي الزمن لن أكرر ذلك. كل ما جنيناه من داعش هو السجن!".