نازحون من الرقة/إرفع صوتك
نازحون من الرقة/إرفع صوتك

تركيا – أحمد المحمود:

"رحلة الخروج من الرقة إلى ريفها المحرر أشبه بمقامرة قد تخسر فيها حياتك"، يقول محمود من أهالي الرقة، والذي استطاع الهروب من الرقة هو وعائلته، لكنه عانى الويلات خلال الرحلة، وفقد أحد أبنائه.

فرض داعش حول مدينة الرقة طوقاً أمنياً شديداً لمنع الأهالي من الهرب خارج المدينة التي باتت شبه محاصرة، في محاولة منه لاستخدامهم كدروع بشرية، كما زرع الألغام في الأماكن التي يصعب عليه ضبطها، ما أدى لمقتل العشرات خلال الأسابيع الماضية، وذلك أثناء محاولتهم العبور للطرف المسيطر عليه من قبل "قوات سوريا الديمقراطية".

المرحلة الأولى في الهرب

"قررت الهرب من المدينة أنا وعائلتي، وضبنا أغرضنا المهمة مساءً كسندات الملكية للمنزل. ومع طلوع الفجر، أتى المهرب إلينا بالسرفيس (باص صغير)، وصعدنا أنا وأطفالي الثلاثة وزوجتي.. كانت هذه المرحلة الأولى في الهرب"، يقول محمود الذي تحدث عبر الهاتف لموقع (إرفع صوتك).

ويتابع الرجل "اقترب السائق مني وأخبرني بصوت خافت كي لا تسمعه زوجتي وأطفالي "لا أضمن النجاة لأطفالك فعملية التهريب صعبة عليكم، كما أنه علينا تفريقكم إلى شاحنات متعددة كي لا يلحظ عناصر داعش وجودكم".

لكن الرجل قرّر المخاطرة "فالبقاء تحت حكم داعش أشبه بالموت على قيد الحياة".

بعد الوصل إلى أطراف المدينة...

بعد وصول الأهالي إلى أطراف المدينة، يضطر المهربون إلى توزيعهم على سيارات شحن وتفريقهم، لينطلقوا لاحقاً على دفعات يفصل بينها أوقات زمنية قد تطول، حسبما أكد العديد من الأهالي لموقع (إرفع صوتك).

بعد وصولهم إلى المرحلة الثانية من عملية التهريب، سمح للأب والأم باصطحاب طفل واحد مع كل واحد منهما، وبقي ابنه سامر (15) عاماً وحيداً، ليتبعهم بسيارة أخرى.

يقول محمود بصوت مرتجف "سبقتني زوجتي وابني الصغير. وبعدما تأكدنا من وصولهم، انطلقت الشاحنة التي تقلني وعيني على سامر. لم نكن نملك أي طريقة أخرى... كان هذا قدرنا المحتوم علينا، فالذهاب بين القرى وفي الطرق الوعرة سوف يعرضنا حتماً لخطر الألغام التي تفتك يومياً بالعديد من الفارين من المدينة".

ألغام

وضع تنظيم داعش المئات من الألغام على خط التماس بينه وبين قوات سوريا الديمقراطية، وذلك لمحاولة عرقلة تقدمهم نحو المدينة. وتخدم الألغام غرضا آخر وهو منع عناصره من الهرب، حيث ازدادت الانشقاقات في صفوف داعش، مما دفعه لزيادة الحواجز على أطرف المدينة، ما أدى بطبيعة الحال إلى تصعيب مهمة تهريب المدنيين من المدينة.

لم يكشف لنا محمود تفاصيل الطريق الذي سلكه للخروج من مناطق داعش خشية كشفه للتنظيم وبالتالي قطع الأمل على من تبقى.

يكمل الرجل قصته بالقول "وصلت إلى الطرف الثاني ووجدت زوجتي بانتظاري هناك. وقفنا جميعاً بانتظار وصول سامر حتى مغيب الشمس لكنه لم يلح في الأفق، فبعد وصول سيارتنا لم تصل أي سيارة أخرى".

حلّ الخوف من أن يكون داعش قد اكتشف الطريق. ويعاقب التنظيم أي سائق سيارة يحاول تهريب الأهالي إلى خارج أماكن سيطرته "بقطع الرأس" ومصادرة السيارة، ويسجن كل من حاول الهروب.

مصير ابنه

ويتابع محمود، بصوت متقطع بنوبات بكاء، "توسلت بجميع سائقي الحافلات ليخبروني أي شيء عن ابني حتى لو كان خبراً سيئا.. مضى يومان على غيابه، لا أعرف ماذا حدث معه.. هل اعتقله داعش؟ هل تم جلده وسط ساحات الرقة، أو انفجر فيه أحد الألغام أثناء العبور؟".

بعد يومين، وصل لمحمود خبر من أحد سائقي الشاحنات أن طفلاً مراهقاً قد فقد أهله منذ يومين موجود بقرية قريبة منهم. "ذهبت فوراً إلى هناك، وجدت سامر بحالة يرثى لها.. لقد بقي ليومين بالعراء ينتظر لحظة لهروبه إلينا".

مخيمات الحرب العالمية الثانية

بعد الخروج من مناطق سيطرة داعش، لا يملك المدنيون هناك أي وجهة يذهبون إليها، سوى محاولة الاستمتاع بقسط صغير من الحرية، قبل أن يقتادهم عناصر من قوات سوريا الديمقراطية إلى مخيم عين عيسى (شمال الرقة)، "الذي يشبه مخيمات الاعتقال في الحرب العالمية الثانية"، كما تقول عليا، وهو الاسم الذي اختارت استعماله، والتي استطاعت الخروج من المخيم بعد أسبوعين من المحاولات المستمرة.

تقول عليا "وصلت أنا وزوجي ليلاً إلى المخيم بعد أن اقتادنا الحاجز المتواجد في سلوك (شمال شرق الرقة) إليه. هناك فصلوني عن زوجي وبدأت عمليات التفتيش. كان المخيم مليئا بالبشر ومعظمهم ينامون في العراء ولا توجد خيام تسع الجميع".

وتضيف "قبضوا على زوجي واتهموه بأنه داعشي لأنه يربي ذقنه، (يفرض تنظيم داعش على الأهالي المتواجدين في أماكن سيطرته، إطالة لحاهم، وتقصير اللباس الذي يرتدوه). وجهوا البنادق إليه وراحوا يصرخون في وجهه.. وبعد أن تأكدوا أنه مدني لا علاقة له، تركوه يدخل المخيم وينضم إلى المقيمين في العراء".

وتؤكد عليا أن المخيمات التي خصصت للنازحين من مدينة الرقة غير مجهزة بشكل جيد. وتتوافد إليها يومياً مئات العائلات الفارة من الرقة، لكنها أقرب لمعسكر الاعتقال من مخيم للنازحين.

وتفرض "وحدات حماية الشعب الكردية" على الراغبين من أهالي مدينة الرقة بالدخول إلى مناطق سيطرتها وجود كفيل كردي له، حتى يستطيع الدخول.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

مواضيع ذات صلة:

خلال إحدى محاضرات منظمة وادي/ اي اف بي
خلال إحدى محاضرات منظمة وادي/ اي اف بي

​​بعد إنهاء محاضرتها في مسجد قرية كردية، حول مخاطر عملية تشويه العضو التناسلي الأنثوي، هرعت امرأة نحو الناشطة كردستان رسول لتخبرها عن جيرانها الذين ينوون إجراء عمليتي ختان لابنتيهما.

تذهب رسول إلى بيتهم، ورغم المطر والظلمة التي تحيط بالمكان، وقفت طويلا تنتظر أن يُفتح لها الباب.

تنادي "أعلم أنكما في البيت. أريد التحدث معكما فقط"، لكن الباب ظل موصداً، لتعود منه خالية اليدين.

تقول رسول (35 عاماً) لوكالة الصحافة الفرنسية (اي اف بي)، إنها في عملها مع منظمة "وادي" المناهضة لعملية تشويه العضو التناسلي الأنثوي، تحاول تغيير قناعات الناس لكنه "أمر صعب جداً".

ورسول نفسها تعرضت لهذا التشويه في سن صغيرة، لكنها اليوم تحاول إنهاءه في قرية "شاربوتي صغيرا" شرق أربيل.

وزارت رسول القرية نحو 25 مرة متحديّة وجهة نظر الإمام حول موضوع تشويه العضو التناسلي الأنثوي، ومحذرة القابلات من المضاعفات الجسدية مثل الالتهابات والصدمة العاطفية التي يُسببها للفتيات.

إلا أنها استخدمت المسجد من أجل الاجتماع ببعض أهالي القرية، والحديث حول صحتهم وأضرار هذا التشويه.

وتشويه العضو التناسلي الأنثوي في كردستان عملية قديمة متجددة، رغم أن الإقليم معروف بمواقف أكثر تقدميّة في مجال حقوق المرأة.

تتراوح أعمار الضحايا عادة بين 4 و5 سنوات، لكنهن يتأثرن لسنوات بسبب النزيف والحساسية الجنسية المنخفضة للغاية وتمزق أعضائهن التناسلية أثناء، بالإضافة إلى تعرضهن للاكتئاب.

وقد يكون تشويه العضو التناسلي الأنثوي قاتلاً، حيث ماتت بعض الفتيات بسبب النزيف المتواصل أو التهاب الجرح.

انخفاض ملحوظ

وكانت السلطات الكردية أصدرت قانوناً يمنع تشويه العضو التناسلي الأنثوي عام 2011، تصل عقوبة الجاني فيه إلى حبس ثلاث سنوات أو غرامة مالية تصل إلى 80 ألف دولاراً، ما أدى إلى انخفاض الأرقام بشكل ثابت منذ ذلك الحين.

من قانون مناهضة العنف الأسري / كردستان العراق

​​

في عام 2014 أجرت منظمة الأمم المتحدة لحماية الطفولة (يونيسف) استبياناً ظهر فيه أن 58.5% من نساء كردستان تعرضن لتشويه أعضائهن التناسلية.

ومع نهاية 2018 انخفضت لـ 37.5%، وتراوحت أعمار النساء اللاتي تعرضن له بين (15- 49) عاماً، علماً بأن النسبة أقل من 1% في باقي المناطق العراقية.

تقول شكرية (61 عاماً) إنها تعرضت لتشويه العضو التناسلي حين كانت صغيرة وبكت كثيراً، وهذا كان قبل 50 عاماً.

ولها ست بنات أصغرهن 26 عاماً، أُجريت لهن جميعاً عمليات تشويه العضو التناسلي، ولكن مع ظهور حملات التوعية ومناهضة الظاهرة ترفض بناتها تكرار الأمر مع بناتهن.

أما زينب (38 عاماً) فقد سمحت لإحدى قريباتها بأن تجري هذه العملية لابنتها الكبرى، ثم الثلاثة الأخريات.

تقول لـ (أي اف بي) "كنت خائفة جداً، وبقيت بعيدة حتى انتهت العملية، ثم ذهبت إليها ونظفت آثارها".

ولكن بعد حضورها ندوات منظمة "وادي" قررت أن تحمي ابنتيها الأخرتين من ذلك، موضحة " قبلت سابقاً، لكن اليوم لا. نعم ندمت، لكن ما الذي يمكنني فعله الآن؟" في إشارة إلى عدم قدرتها على تغيير الماضي.

نساء ضد نساء

تؤكد رسول أن تشويه العضو التناسلي الأنثوي هو أحد أشكال العنف الجنسي تجاه المرأة، تمارسه النساء أنفسهن.

وتضيف لـ (أي اف بي) أن بعض النساء المسنّات يخبرن الشبان والشابات الذين يحضرون ندوات "وادي" بأن المنظمة تريد "نشر المشاكل".

وفي استبيان اليونيسف 2014، ظهر أن 75% من النساء ذكرن أن أمهاتهن الأكثر دعماً لتشويه العضو التناسلي الأنثوي.

بدورها، تقول رئيسة (وحدة مكافحة الختان) في حكومة كردستان، بروين حسان، إن قانون 2011 لا يُستخدم لأن الفتيات لا يتقدمن بشكوى ضد أهاليهن.

"أعمل على قضايا المرأة منذ 1991 لكن هذه أكثر القضايا إيلاماً لي، لذا وعدتُ باستئصالها"، تقول حسان.

مشرةً إلى أن السلطات الكردية "ستكشف النقاب عن إستراتيجية العام المقبل لتعزيز قانون عام 2011 وتنفيذ المزيد من حملات التوعية".

مترجم بتصرّف عن وكالة الصحافة الفرنسية (اي اف بي)