رجل وأمه مصابان بحالة نفسية يتخذان الرصيف مكانا للإقامة ويتناولان وجبة الغداء صنعاء/إرفع صوتك
رجل وأمه مصابان بحالة نفسية يتخذان الرصيف مكانا للإقامة ويتناولان وجبة الغداء صنعاء/إرفع صوتك

صنعاء- غمدان الدقيمي:

كان يحاول أن يحمي رأسه بذراعيه، وهو يجري هربا من أطفال صغار يلحقون وراءه ويرمونه بالحجارة لإبعاده من جوار حائط منزل سكني جنوبي العاصمة اليمنية صنعاء، قبل أن يتدخل بعض المارة لحماية الرجل النحيل ذي الثياب الرثة.

“عيب عليكم.. اتركوه لحاله.. ماذا فعل بكم هذا المجنون (كما يُطلق عليهم في اليمن وهي تسمية تنم عن وصم وتمييز سلبي)”، صرخ أحد الأشخاص في الأطفال، وهو يشير إلى الرجل الذي يبدو من هيئته أنه مصاب بحالة نفسية مستعصية.

رد أحد الأطفال، الذين شاركوا في الاعتداء “لا نريده أن يبقى هنا، أبي كلفني بإبعاده من جوار منزلنا”.

اقرأ أيضاً:

في اليمن... الرقية الشرعية أم الطبيب النفسي؟

أنا حزينة لأنني أشاهده يتألم وأعجز عن مساعدته

أرقام

ويفترش مئات اليمنيين المصابين بأمراض نفسية مستعصية بينهم نساء، أرصفة الشوارع في العاصمة صنعاء، حيث يلجأ بعضهم إلى التسول، فيما يقتات البعض الآخر من النفايات.

وتنامت هذه الظاهرة على نحو لافت خلال الأعوام الأخيرة، مع استمرار تصاعد النزاع الدامي في البلاد الذي خلف واحدة من أسوأ الأزمات الانسانية في العالم، حسب توصيف الأمم المتحدة.

وتذهب تقديرات غير رسمية، إلى أن هناك نحو 1.5 مليون يمني يعانون من حالات نفسية مستعصية، يعيش كثير منهم في ظروف بيئية صعبة على أرصفة الشوارع وجانب حيطان المنازل، فيما ينزل قلة منهم فقط في مصحات تفتقر إلى التجهيز والأدوية اللازمة.

وخلصت دراسة حديثة أعدتها مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري (منظمة مجتمع مدني)، إلى أن 195 شخصا من كل ألف يمني يعانون من ضغوط واضطرابات نفسية حادة.

الدراسة التي أعلنت نتائجها في اجتماع لمناصرة قضايا الاستجابة النفسية للمتضررين من الحرب في اليمن، بحضور أكثر من 25 منظمة محلية ودولية نهاية يوليو الماضي بصنعاء، قدرت أن هناك حوالي خمسة ملايين و455 ألف شخص بحاجة ماسة لرعاية صحية نفسية متخصصة عاجلة.

وحذرت من أن هذه النسبة تفوق المعدلات الطبيعية بأضعاف وتنذر بكارثة.

أسباب ونتائج

وتقول الدكتورة سعاد الرخمي، وهي أخصائية أمراض عصبية ونفسية، “نلاحظ ارتفاعا غير مسبوق لأعداد المرضى النفسيين المشردين في الشوارع خاصة في صنعاء”.

وتعزو تزايد أعداد هؤلاء المرضى إلى أسباب كثيرة أبرزها الضغوط الاجتماعية والمشاكل الأسرية والظروف المادية الصعبة واهمال الأهل وجهلهم بكيفية التعامل مع المريض النفسي وتركه للتشرد بمجرد مغادرة المنزل أو بروز تصرفات عدوانية.

ومع ذلك تؤكد أن التجارب كشفت بأن تحسن صحة هؤلاء المشردين في الشوارع عالية وأكثر بكثير من غيرهم لأن أعراض مرضهم واضحة وتحدث أحيانا كنوبات في أوقات معينة.

أضافت لموقع (إرفع صوتك) “فقط هم بحاجة لعلاج نفسي واهتمام من قبل أهاليهم”.

مخزي

وتفتقر اليمن إلى مستشفيات نفسية حكومية، باستثناء مستشفى الأمل للطب النفسي في صنعاء، الذي يدار بالشراكة مع القطاع الخاص، بالإضافة إلى 3 مصحات نفسية مهملة في محافظات الحديدة وعدن وتعز (جنوبي وغرب اليمن)، وفقا للدكتور عبدالله القيسي، وهو مسؤول التعليم المستمر بمستشفى الأمل للطب النفسي في صنعاء.

أضاف القيسي لموقع (إرفع صوتك) “لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في اليمن 50 طبيبا”.

ويرى الدكتور عبد الباري دغيش، وهو رئيس لجنة الصحة العامة والسكان في البرلمان اليمني أن هذا الوضع “مؤسف ومخزي”.

وتوقع البرلماني اليمني، وهو أيضا طبيب أعصاب يمني، أن يتجاوز عدد الأشخاص الذين يعانون من مختلف الأمراض النفسية باليمن في ظل الوضع الراهن مليوني شخص.

اعتراف

ورفض مسؤول حكومي الرد على الاتهامات بإهمال هذه الشريحة من المرضى، غير أن الدكتور عبد الحكيم الكحلاني، المتحدث باسم وزارة الصحة في صنعاء، أقر أسفا، لموقع (إرفع صوتك)، أن “الصحة النفسية ليست ذات أولوية في اليمن”.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

خلال إحدى محاضرات منظمة وادي/ اي اف بي
خلال إحدى محاضرات منظمة وادي/ اي اف بي

​​بعد إنهاء محاضرتها في مسجد قرية كردية، حول مخاطر عملية تشويه العضو التناسلي الأنثوي، هرعت امرأة نحو الناشطة كردستان رسول لتخبرها عن جيرانها الذين ينوون إجراء عمليتي ختان لابنتيهما.

تذهب رسول إلى بيتهم، ورغم المطر والظلمة التي تحيط بالمكان، وقفت طويلا تنتظر أن يُفتح لها الباب.

تنادي "أعلم أنكما في البيت. أريد التحدث معكما فقط"، لكن الباب ظل موصداً، لتعود منه خالية اليدين.

تقول رسول (35 عاماً) لوكالة الصحافة الفرنسية (اي اف بي)، إنها في عملها مع منظمة "وادي" المناهضة لعملية تشويه العضو التناسلي الأنثوي، تحاول تغيير قناعات الناس لكنه "أمر صعب جداً".

ورسول نفسها تعرضت لهذا التشويه في سن صغيرة، لكنها اليوم تحاول إنهاءه في قرية "شاربوتي صغيرا" شرق أربيل.

وزارت رسول القرية نحو 25 مرة متحديّة وجهة نظر الإمام حول موضوع تشويه العضو التناسلي الأنثوي، ومحذرة القابلات من المضاعفات الجسدية مثل الالتهابات والصدمة العاطفية التي يُسببها للفتيات.

إلا أنها استخدمت المسجد من أجل الاجتماع ببعض أهالي القرية، والحديث حول صحتهم وأضرار هذا التشويه.

وتشويه العضو التناسلي الأنثوي في كردستان عملية قديمة متجددة، رغم أن الإقليم معروف بمواقف أكثر تقدميّة في مجال حقوق المرأة.

تتراوح أعمار الضحايا عادة بين 4 و5 سنوات، لكنهن يتأثرن لسنوات بسبب النزيف والحساسية الجنسية المنخفضة للغاية وتمزق أعضائهن التناسلية أثناء، بالإضافة إلى تعرضهن للاكتئاب.

وقد يكون تشويه العضو التناسلي الأنثوي قاتلاً، حيث ماتت بعض الفتيات بسبب النزيف المتواصل أو التهاب الجرح.

انخفاض ملحوظ

وكانت السلطات الكردية أصدرت قانوناً يمنع تشويه العضو التناسلي الأنثوي عام 2011، تصل عقوبة الجاني فيه إلى حبس ثلاث سنوات أو غرامة مالية تصل إلى 80 ألف دولاراً، ما أدى إلى انخفاض الأرقام بشكل ثابت منذ ذلك الحين.

من قانون مناهضة العنف الأسري / كردستان العراق

​​

في عام 2014 أجرت منظمة الأمم المتحدة لحماية الطفولة (يونيسف) استبياناً ظهر فيه أن 58.5% من نساء كردستان تعرضن لتشويه أعضائهن التناسلية.

ومع نهاية 2018 انخفضت لـ 37.5%، وتراوحت أعمار النساء اللاتي تعرضن له بين (15- 49) عاماً، علماً بأن النسبة أقل من 1% في باقي المناطق العراقية.

تقول شكرية (61 عاماً) إنها تعرضت لتشويه العضو التناسلي حين كانت صغيرة وبكت كثيراً، وهذا كان قبل 50 عاماً.

ولها ست بنات أصغرهن 26 عاماً، أُجريت لهن جميعاً عمليات تشويه العضو التناسلي، ولكن مع ظهور حملات التوعية ومناهضة الظاهرة ترفض بناتها تكرار الأمر مع بناتهن.

أما زينب (38 عاماً) فقد سمحت لإحدى قريباتها بأن تجري هذه العملية لابنتها الكبرى، ثم الثلاثة الأخريات.

تقول لـ (أي اف بي) "كنت خائفة جداً، وبقيت بعيدة حتى انتهت العملية، ثم ذهبت إليها ونظفت آثارها".

ولكن بعد حضورها ندوات منظمة "وادي" قررت أن تحمي ابنتيها الأخرتين من ذلك، موضحة " قبلت سابقاً، لكن اليوم لا. نعم ندمت، لكن ما الذي يمكنني فعله الآن؟" في إشارة إلى عدم قدرتها على تغيير الماضي.

نساء ضد نساء

تؤكد رسول أن تشويه العضو التناسلي الأنثوي هو أحد أشكال العنف الجنسي تجاه المرأة، تمارسه النساء أنفسهن.

وتضيف لـ (أي اف بي) أن بعض النساء المسنّات يخبرن الشبان والشابات الذين يحضرون ندوات "وادي" بأن المنظمة تريد "نشر المشاكل".

وفي استبيان اليونيسف 2014، ظهر أن 75% من النساء ذكرن أن أمهاتهن الأكثر دعماً لتشويه العضو التناسلي الأنثوي.

بدورها، تقول رئيسة (وحدة مكافحة الختان) في حكومة كردستان، بروين حسان، إن قانون 2011 لا يُستخدم لأن الفتيات لا يتقدمن بشكوى ضد أهاليهن.

"أعمل على قضايا المرأة منذ 1991 لكن هذه أكثر القضايا إيلاماً لي، لذا وعدتُ باستئصالها"، تقول حسان.

مشرةً إلى أن السلطات الكردية "ستكشف النقاب عن إستراتيجية العام المقبل لتعزيز قانون عام 2011 وتنفيذ المزيد من حملات التوعية".

مترجم بتصرّف عن وكالة الصحافة الفرنسية (اي اف بي)