مقاتلان من جبهة النصرة خلال مواجهات عسكرية مع قوات النظام السوري/وكالة الصحافة الفرنسية
مقاتلان من جبهة النصرة خلال مواجهات عسكرية مع قوات النظام السوري/وكالة الصحافة الفرنسية

المغرب - عبد العالي زينون:

لم يَلُك زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري كلماته وهو يخاطب قائد هيئة تحرير الشام أبا محمد الجولاني. كان كلامه لتابعه السابق، أشبه بالتقريع: "نحن نوفي ببيعاتنا، لا نقيل ولا نستقيل".

هذا ما ورد في الرسالة الصوتية الأخيرة للظواهري، في بداية تشرين الأول/أكتوبر، والتي أعلن فيها للمرة الأولى غضبه من انفصال جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة، في تموز/يوليوز 2016.

ذكر زعيم القاعدة قائد النصرة سابقا وهيئة تحرير الشام حاليا، وإن لم يسمه، أن "البيعة عقد شرعي ملزم يحرم نكثه" وأن أعذاره للانفصال مردودة. "يبرر المبررون: نريد نتجنب القصف، نريد نهرب من التصنيف. الممولون يشترطون علينا أن نبتعد عمن تكرههم أميركا حتى لا يصنفوننا كإرهابيين"، يقول الظواهري.

هذا رغم أن زعيم القاعدة نفسه أعلن، أياما قليلة قبل الانفصال السنة الماضية، أنه يفوض الجولاني وقادة النصرة اتخاذ هذه الخطوة.

الجولاني يغير قواعد اللعبة

ما حدث هو أن انفصال جبهة النصرة حينها كان يراد له أن يكون شكليا. وهو ما كشفته الرسائل الأخيرة للشرعي العام والرجل الثاني في جبهة النصرة سابقا سامي العريدي، التي وصف فيها الانفصال بأنه كان "فك ارتباط إعلامي" فقط.

الباحث الأميركي من أصل سوري، حسن حسن، من معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة يؤكد بدوره مسرحية الانفصال في مقال له بموقع جريدة "ذا ناشيونال" الإماراتية. "رغم التسمية الجديدة، أخبرتني مصادر من الداخل، السنة الماضية (2016)، أن الاتصالات والمشاورات بين القاعدة وقيادة الجماعة (النصرة) ظلت متواصلة" يقول حسن.

اقرأ أيضا:

تركيا... هل دخلت في تحالف "أمر واقع" مع إرهابيين في إدلب؟

ما الذي يجري في إدلب السورية؟

من جهته، يقول الباحث المغربي المتخصص في شؤون الجماعات الجهادية عبد العزيز مزوز "ما تم الاتفاق عليه مع الجولاني هو قطيعة شكلية مع القاعدة مع بقاء البيعة قائمة بين الجبهة والتنظيم الأم".

لكن ما جرى هو أن الجولاني حول الانفصال الشكلي إلى "فك ارتباط كلي" (بتعبير العريدي نفسه)، عندما أعلن توحيد "جبهة فتح الشام" التي خلفت النصرة مع خمسة فصائل مسلحة أخرى لتكوين "هيئة تحرير الشام"، في كانون الثاني/يناير 2017.

لم تحظ الخطوة الجديدة بموافقة أيمن الظواهري. يقول سامي العريدي إن ممثل القاعدة في سورية أبا الخير المصري "لم يعلم بتشكيل الهيئة إلا من الإعلام ". وقتل أبو الخير في غارة جوية، نفذتها طائرة أميركية بدون طيار، قرب مدينة إدلب في شباط/فبراير الماضي.

ودفع الخلاف حول العلاقة مع القاعدة العريدي وقياديين اثنين من المؤسسين الأوائل لجبهة النصرة، هما "أبو جليبيب الأردني" (إياد الطوباسي) و"أبو خديجة الأردني" (بلال خريسات)، إلى إعلان انفصالهم عن هيئة تحرير الشام والعودة إلى بيعة القاعدة. وهي الخطوة التي ستتوج لاحقا بتأسيس "جماعة أنصار الفرقان"، بالتزامن مع التدخل التركي في إدلب.

 الخلاف حول قتال أحرار الشام

لم تمض إلا أشهر قليلة على تأسيس هيئة تحرير الشام حتى دخلت في حرب مفتوحة مع "حركة أحرار الشام" في تموز/يوليو الماضي، على خلفية الموقف من العملية السياسية. ورغم أن "الهيئة" نجحت عسكريا في دحر "الحركة" والسيطرة على مدينة إدلب بالكامل، إلا أن الحرب تسببت في تعميق الخلافات الداخلية بين الفصائل المكونة لها.

وأعلنت كل من حركة نور الدين الزنكي وجيش الأحرار انسحابهما من الهيئة تباعا، بل إن القائد العام للهيئة نفسها هاشم الشيخ (أبو جابر) استقال من قيادتها، فعادت الزعامة للجولاني. ولم يكن الشرعيون بدورهم بعيدين عن هذا الصراع، حيث أعلن أبرزهم، السعودي عبد الله المحيسني، رفضه قتال أحرار الشام.

وما تزال تداعيات الخلافات حول هذه المعارك تتفاعل إلى الآن. فقبل ثلاثة أيام فقط، أعلن قائد "جيش الأحرار" المنسحب من الهيئة، أبو صالح طحان، أن عناصر من تحرير الشام حاولوا اغتياله.

​​

​​

قضية الشرعيين والتدخل التركي

مع حلول شهر أيلول/سبتمبر، تفاقمت قضية الشرعيين داخل هيئة تحرير الشام، فقد ظهرت تسريبات صوتية لمحادثات بين أمير قطاع إدلب أبي الوليد (يعرف أيضا بأبي حمزة بنش) وشخص آخر يعتقد أنه أبو محمد الجولاني نفسه. في التسجيل الذي يعود إلى تموز/يوليوز، أي بالتزامن مع المعارك مع أحرار الشام، يصف أبو الوليد الشرعيين بـ"المرقعين" ويطلب من الجولاني (المفترض) السماح له باعتقال المحيسني بسبب موقفه من القتال حينها. وهو الطلب الذي قوبل بالرفض.

مباشرة بعد ظهور التسريب، أعلن عبد الله المحيسني وشرعي آخر هو مصلح العليان استقالتهما من الهيئة.

​​

​​

وجاء الدخول التركي إلى إدلب، بالتوافق مع تحرير الشام، ليدق مسمارا آخر في جسد الهيئة. ففي اليوم الأول لبدء الجيش التركي نشر قواته، أعلن تنظيم جديد يحمل اسم "جماعة أنصار الفرقان" عن ميلاده. وصف التنظيم الجديد نفسه بأنه "كيان جهادي سني مسلم". ويعتقد أن الغاضبين من هيئة تحرير الشام يقفون وراءه.

يرى الباحث المغربي عبد العزيز مزوز أن إحساس القاعدة بنهاية وجودها في سورية دفعها إلى تأسيس تنظيم "أنصار الفرقان". وما يؤكد العلاقة بين القاعدة والتنظيم الجديد هو ظهور مبادرة للصلح يقودها عدد من رموز السلفية الجهادية، لحل الخلاف بين هيئة تحرير الشام ومن وصفهم البيان "بالمبايعين لتنظيم القاعدة في بلاد الشام"، في إشارة على الأرجح إلى التنظيم الجديد.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659​

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أيام، اعترافات عالم عراقي معتقل في سجون السلطات الكردية، ضالع في صناعة أسلحة كيميائية لصالح "داعش"، وعمل ضمن فريق الأسلحة الكيميائية في التنظيم.

وفي مقابلته مع المعتقل سلمان العفري (52 عاماً)، يقول الصحافي مؤلف كتاب "رايات سوداء: صعود داعش" جوبي واريك، إن العفري بدا "شخصاً عاطفياً ومرتباً بطريقة مثالية". 

ناقلاً قول العفري "هل أشعر بالندم؟ لا أعرف إن كنت سأستخدم هذه الكلمة!"

لكن من هو العفري؟ وكيف وصل لداعش؟

يقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لـ (ارفع صوتك)،  إن سليمان داود العفري (أبو داود) هو مهندس سابق في هيئة التصنيع العسكري، التي كانت فاعلة قبل عام 2003.

وحكم على العفري بالإعدام نظراً لدوره في صناعة الأسلحة الكيميائية التي استخدمها التنظيم في عدة هجمات على مدنيين أو عسكريين خلال معاركه مع القوات العراقية والأميركية.

أما عائلة العفري فلا علاقة لها بنشاطه الإرهابي، وتعيش حالياً في مدينة الموصل، كما أنها غير مطلوبة أمنياً أو قضائياً، وفق تأكيد الهاشمي.

وأضاف الهاشمي أن "تفاهمات تجري حالياً من أجل نقله من أربيل لبغداد لتنفيذ حكم الإعدام".

علماً بأن أربيل سلّمت نهاية العام الماضي، 1400 معتقل داعشي تمهيداً لتسليم عدد آخر منهم.

والعفري من الأحياء القلائل الذين تم القبض عليهم من فريق صناعة الأسلحة الكيميائية، فيما أشار الهاشمي لآخرين عراقيين قُتلا في معارك التنظيم، هما: عبدالستّار اسكندر (أبو حكيم ) لداعش، وصالح محمد جاسم (أبو مالك).

وبعد مقتلهما، استلم ملف تطوير الأسلحة الكيميائية في داعش، مهندس وفيزيائي مصري، ساعده في مهمته المهندس العراقي محمود السبعاوي (أبو مالك)، الذي قتل جنوب الموصل من قبل سلاح الجو للتحالف الدولي، يقول الهاشمي.

هيئة التصنيع العسكري

في مقابلة الـ"واشنطن بوست" مع العفري في سجنه، قال إنه قبل بالانضمام لتنظيم داعش بسبب "حاجته للمال".

مضيفاً "أراد التنظيم فقط ترويع القوات العراقية التي حاولت استعادة أراضيها منه (.....) جاؤوا إليّ طلباً للمساعدة في المعدات والعتاد الذي يحتاجونه للأسلحة الكيميائية".

وقال العفري "لدي تجربة مع الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانوا يبحثون عن الفولاذ المقاوم للصدأ.. ليس لديك خيار سوى أن تصبح واحداً منهم".

كما أشرف على إنتاج التنظيم لـ"غاز الخردل" مدّة 15 شهراً.

ونشر صحيفة عراقية، الخميس، تقريراً  بعنوان "نحو 1250 موظفاً بالتصنيع العسكري في الموصل ينتظرون من يرأف بحالهم"

يسلّط الضوء على موظفين سابقين في هيئة التصنيع العسكري، التي عمل فيها العفري، وعددهم 1273، تم إلحاقهم بوزارة الصناعة والمعادن في وقت سابق، إلا أنهم توقفوا عن العمل بعد سيطرة "داعش" على مناطقهم ولم تتم إعادتهم بعد التحرير.

ويعزو أحد الموظفين من نينوى، السبب إلى "خشية الحكومة من أن أحدهم أو أكثر تورّط مع داعش".

وإذا عدنا لتاريخ هيئة التصنيع العسكري سنجد أنها تعرضت للتدمير والنهب وتخريب منشآتها بعد غزو العراق عام 2003، كما تمت تصفية كوادرها العلميَّة المتخصّصة في صناعة الأسلحة، على يد مليشيات مسلّحة.

وكانت تزوّد الجيش العراقي بكمّيات كبيرة من الذخائر والمعدّات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، وأيضاً القذائف والصواريخ طويلة ومتوسّطة المدى، إضافة إلى العربات والمدرَّعات المختلفة.

وأنشئت الهيئة في عهد النظام الأسبق برئاسة صدام حسين، نهاية السبعينيات، وتضاعف حجم منشآتها وانتاجها بسبب الحاجة للأسلحة في حرب العراق مع إيران. 

إلا أن الحروب المتتتالية (الخليج الأولى والثانية ثم غزو العراق) عرّضت منشآتها للتدمير والتخريب والنهب، بينما قُدّر عدد العاملين فيها قبل 2003 بـ 47 ألف عامل وموظَّف، موزَّعين على 33 شركة صناعيّة حربيّة.

ومن أبرز الأسلحة التي طوَّرتها هيئة التصنيع العسكري "الغاز المزدوج"، وهو من غازات الأعصاب.

وإذا كان الحاكم المدني الأول للعراق بول بريمر، أصدر القرار رقم 75 لسنة 2004، بحلّ هيئة التصنيع العسكري، فإن  مجلس الوزراء العراقي صوّت لصالح مشروع قانون هيئة التصنيع العسكري في أيار/مايو 2018.

ورغم التحرير وهزيمة التنظيم على يد القوات العراقية والتحالف الدولي، إلا أن آثار الأسلحة الكيمياية لا تزال موجودة في أماكن عدة، تركها التنظيم خلفه، ولا تزال تشكل خطراً على حياة المدنيين.