العملة الإيرانية والأميركية/وكالة الصحفاة الفرنسية
العملة الإيرانية والأميركية/وكالة الصحفاة الفرنسية

ميسان- حيدر الساعدي:

يعاني الاقتصاد العراقي ركودا حادا، منذ الأحداث التي شهدتها البلاد في حزيران 2014، وسقوط العديد من المدن العراقية بيد مسلحي داعش. تلك الأحداث، وبحسب معنيين بالشأن الاقتصادي، أدخلت العراق في غيبوبة اقتصادية عميقة، رافقها تراجع أسعار النفط عالمياً، وتعاظم مديونية العراق، مع غياب السياسات الاقتصادية الوطنية في تفادي حجم الأضرار الناجمة جراء العجز المالي، وتهالك النظام المصرفي العراقي، الأمر الذي انعكس سلباً على حالة السوق في عموم المحافظات العراقية حتى التي تشهد استقراراً أمنياً نسبياً، ما دفع رؤوس الأموال إلى البحث عن البيئة الآمنة في دول الجوار.

 

مصارف إيرانية: فائدة عالية

دفع حجم الفائدة المترتبة على المبالغ المودعة في المصارف الإيرانية، الكثير من العراقيين إلى إيداع أموالهم في تلك المصارف مقابل الحصول على فائدة مالية مع ضمانات باسترجاع المبلغ المودع بعد الاتفاق على عقد سنوي بين الطرفين.

نسبة الفائدة المترتبة عن كل مبلغ يودع بالدولار، كانت كفيلة بتحويل المليارات من الدنانير العراقية إلى العملة الصعبة.

ويقول صاحب إحدى شركات التحويل المالي والصيرفة في محافظة ميسان "نعاني من ركود اقتصادي رهيب، وانعدام في السيولة النقدية في السوق، وأٌغلب رؤوس الأموال أما خائف من السوق المحلية بسبب تذبذب الوضع الأمني والسياسي أو البحث عن البديل الآمن في المصارف الأجنبية كما في الإمارات وإيران أو شراء العقار في تركيا ومصر.

ويتابع  في حديث إلى موقع (إرفع صوتك) "فشل النظام المصرفي العراقي وقدمه وعدم اعتماد نظام الفائدة الجيدة لتشجيع المواطن العراقي على إيداع أمواله في المصارف الحكومية، وعوامل أخرى اجتمعت لتكون سبباً في تزايد حدة الازمة الاقتصادية، فإفراغ السوق من العملة الصعبة له أبعاده الاقتصادية السيئة".

إقرأ أيضا:

إنهيار أسعار النفط: "تسونامي" يضرب العراق

سوء الإدارة والفساد

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور معن عبود "الاقتصاد العراقي يواجه الكثير من التحديات، ولعل أبرزها، فشل القطاع المصرفي الذي يعاني من أزمة كبيرة جدا، حيث سوء الإدارة المالية والفساد المستشري في جميع مفاصل القطاعات الاقتصادية العراقية، فضلا عن البيروقراطية العالية، وارتباك الرؤيا المالية ومشكلة القوانين الحاكمة للقطاع المالي العراقي الموضوعة بعد عام 2003".

ويضيف أن القطاع المصرفي يؤثر على مجمل القطاعات الاقتصادية للاقتصاد الكلي للبلد، حيث يعد الحلقة الأساسية الاولى التي تبدأ منها بقية القطاعات الأخرى عملها.

 

العملة الصعبة إلى خارج البلاد

ويوضح الدكتور معن عبود، الفرق بين الأموال التي تخرج لغرض الاستثمار والبحث عن الاستقرار الاقتصادي والربح المشروع، والأموال المهربة بطريقة مبرمجة بشكل واضح، و"الأساس في هذا الهروب يعود لسياسة المزاد العلني للبنك المركزي العراقي، والذي يتحمل مسؤولية فقدان 347 مليار دولار خلال 13عاما مضت، بعد إنفاقه قرابة 408 مليار دولار بنسبة استيرادات فعلية من هذه الأموال على شكل سلع وخدمات، لا تشكل سوى نسبة 15%، من المبلغ المذكور".

ويعتقد الخبير الاقتصادي أن المشكلة الحقيقية تبدأ من القطاع المالي والمصرفي وعلى رأسه البنك المركزي العراقي، معتبرا مزاد العملة اليومي بوصفه "عملية تبييض للأموال وهروب العملة الصعبة، وحجة المحافظة على سعر الصرف ومحاربة التضخم قد تكون مقبولة إلى عام 2014، مع بداية انهيار أسعار النفط المعروفة، في وقت ألح كل الخبراء النقديين والاقتصاديين العراقيين، على إيقاف مزاد العملة، وكان من الممكن وجود آليات أخرى للحفاظ على سعر الصرف، إلا أن الإصرار الواضح جداً على استمرار مزاد العملة، كان لغرض تهريب الأموال وإفادة بعض المصارف التي لا عمل لها إلا تبييض العملة".

إقرأ أيضا:

خبير اقتصادي: نسبة الفقر في العراق إلى ارتفاع

 

شراء العقار في تركيا

ولا تنتهي حلقة الأموال العراقية في المصارف الإيرانية فحسب، بل تعدت ذلك إلى شراء العقار في دول أخرى كمصر وتركيا والاستفادة من عائداتها المالية خلال المواسم السياحية التي تنتعش فيها تلك البلدان اقتصاديا نتيجة حركة السياحة الكبيرة التي تشهدها سنويا. كما يقول صاحب مكتب لبيع وشراء العقارات " أسعار العقار في العراق عموما وفي ميسان على وجه الخصوص، تأثرت بشكل كبير بحالة الركود، فبعد الأزمة المالية التي شهدها العراق وإفلاس أغلب شركات البناء والمقاولة، أخذت أسعار العقارات بالانخفاض تدريجياً وعلى الرغم من أن هذا الأمر يعد عاملا إيجابياً إلا أن غياب السيولة النقدية تسببت بكساد سوق العقار ".

 

المال العراقي الهارب .. ضحية محتملة

ويحذر الخبير الاقتصادي، من وقوع المستثمر العراقي ضحية تلاعبات مالية، "كما يحدث في دول التي تصر على إيداع الاموال بمصارفها بالعملة الصعبة، وعند رغبة العميل سحب جزء من أمواله تكون بعملة البلد وبسعر صرف يختلف عن سعر صرف الايداع"، ناهيك عن "المستثمر العراقي في أي بلد لا يستطيع اللجوء للسفارة العراقية لحماية استثماره وامواله، فالسفارة العراقية بعيدة كل البعد عن هذا المجال".                                                   

مواضيع ذات صلة:

السور الخارجي لإصلاحية النساء والأطفال في أربيل/ هيومن رايتس ووتش
السور الخارجي لإصلاحية النساء والأطفال في أربيل/ هيومن رايتس ووتش

قابلت منظمة "هيومان رايتس ووتش" 29 طفلاً (14-18) عاماً، اعتقلتهم السلطات الكردية بتهم الانتماء لتنظيم داعش، 24 منهم ما زالوا محتجزين لدى منظمة النساء والأطفال الإصلاحية في أربيل، فيما البقية أفرج عنهم.

22 طفلاً أعمارهم (14-17)، واثنان يبلغان 18 عاماً، ومن بين 24 أدين 8، بينما الآخرون بانتظار المحاكمة، علماً بأن جميع هؤلاء الأطفال ذكور.

وتحت عنوان "الجميع بحاجة للاعتراف"، نشرت المنظمة تقريراً مفصلاً حول تجربة هؤلاء الأطفال الذين لا يزالون يواجهون خطر إعادة اعتقالهم من قبل القوات العراقية إذا عادوا لمناطق تقع تحت سيطرة بغداد.

ومنذ استعادة السيطرة على المناطق المحررة من داعش، اعتقلت القوات العراقية والسلطات الكردية آلاف الأطفال، بشبهات العمل مع التنظيم، ومع نهاية عام 2018 أدين منهم نحو 1500 طفل، وفق تقرير "هيومن رايتس".

وقالت المنظمة إن بين المُدانين بتهم الإرهاب، 185 طفلاً –على الأقل- غير عراقي الجنسيّة، يقبعون في سجون عراقية.

ما الذي دفع الأطفال للانضمام إلى التنظيم؟

أكد بعضهم أن المال هو السبب، يقول أيمن (16 عاماً) "لم أملك المال لذا قررت الانضمام، وكنت أستلم 60000 دينار عراقي شهرياً (51.6 دولار). لم أفعل شيئاً سوى الوقوف تحت الجسر وحمل السلاح، هذا كل شيء".

وانضم سلام (17 عاماً)، لداعش عام 2015، للعمل طبّاخاً مقابل 65000 دينار عراقي (55.9 دولار) شهرياً. ويقول إنه لم يشأ القتال أبداً لذلك اختار مهمّة الطبخ.

أما يوسف (17 عاماً) فقد كان يعمل في مطعم قبل سيطرة التنظيم على الموصل، الشيء الذي أدى لإغلاق المطعم.

وجد يوسف بعد ذلك عملاً في مطعم آخر، كان يعد الطعام لعناصر التنظيم. يقول "داعش أخذوا بطاقة هويتي من أجل إجراءات دفع الرواتب، ربما لذلك اسمي كان في قائمة المشتبه بهم".

وبعض الأطفال انضموا للتنظيم بسبب تشجيع وضغط أقرانهم أو أقربائهم، مثلما حصل مع فواز (16 عاماً) ونوار (17 عاماً). لكن فواز قرر المغادرة بعد يوم واحد فقط من التدريب العسكري ضمن مجموعة أطفال.

أما نوار فانضم مُجبراً من قبل أخيه. يقول "أمي شيعية وأبي سنّي، لكني أميل أكثر لجانب أمي، لذا لم تعجبني أفكار داعش ولم أرغب بالعبادة على طريقتهم. قضيت 10 أيام في التدريب و10 أيام أخرى في الحراسة، ثم قُتل أخي، بالتالي لم يعد من سبب للبقاء، غادرت".

بعض الأطفال أخبروا "هيومن رايتس" أنهم انخرطوا فقط في التدريب الديني، فهذا سامي من الموصل، كان يعمل في أحد المصانع بالموصل، وكل علاقته مع داعش 15 يوماً في دورة للقرآن في المسجد.

أطفال آخرون دفعتهم مشاكلهم العائلية للانضمام إلى داعش، مثل سعدون (17 عاماً)، قال إنه أمه ماتت فأخذه جاره للتنظيم ظناً منه أنه يقدم لهذا الطفل المساعدة، وبذلك انخرط في تدريب ديني وآخر مسلّح لأيام عدة، لكنه لم يشأ أن يصبح عنصراً في التنظيم ولا أن يقدّم البيعة، فترك التنظيم، وتم تهديده كي يعود، بالعودة، إلا أنه اختبأ في مكان خارج بيته.

يقول سعدون "كانوا يفعلون أشياء سيئة ولم أرغب بالبقاء".

"البصل لنا واللحم لهم"

محمود انضم للتنظيم حين كان عمره 15 عاماً لأنه لم يكن سعيداً في بيته، وبعد حادثة ضرب والده له لأنه تورّط في مشاجرة، ترك البيت ولجأ للتنظيم.

حين امتحانه من أجل التجنيد، قرر محمود العودة لبيت العائلة، لكن وبعد ثلاثة أو أربعة شهور من ذلك، تعرض بيت عمّه لقصف جوّي، قتل فيه جميع أطفاله، ليعود محمود إلى داعش مجدداً.

وهذه المرة خضع لتدريب 25 يوماً بين القانون الإسلامي والتسلّح، وبعد أيام من انتهاء التدريب، ذهب مع دورية مسلّحة، يحمل بندقية الكلاشينكوف، إلى كارمليس وهي بلدة مسيحية تبعد 17 كلم غرب الموصل، وشارك في القتال ضد البيشمركة.

يقول محمود "كل شخص حمل سلاحه وطُلب منا الانتقال للصفوف الأمامية، كنت أطلق النار بشكل عشوائي تجاه البيشمركة، أعتقد أنني كنت خائفاً. إنه الموت..".

يتابع "استمر القتال ست ساعات، ثم تعرضنا لقصف جوّي فهربنا، وبعد هذه المعركة قضيت أياماً في نقل الجرحى والجثث، ومباشرة حين انتهى ذلك، تركت التنظيم".  

جبار انضم لداعش لسبب اجتماعي. كان عمره آنذاك 16 عاماً، يقول "انضممت إلى التنظيم لأشعر بأنني شجاع وقويّ. حين تمشي بسلاحك ينظر إليك الجميع وتشعر بقوّتك". وكان قراره بعد انضمام عدد من أصدقائه.

وعن داعش، يقول جبار "لم تكن لدي أدنى فكرة عن أهداف التنظيم. تلقيت تدريباً في القانون الإسلامي على مدى 15 يوماً ولم أحصل على تدريب مسلّح".

ومع ذلك تم تسليمه بندقية كلاشينكوف، وقضى ثلاثة شهور في العمل سائقاً ينقل الماء لعناصر التنظيم في معاقله. وكان راتبه الشهري 60000 دينار عراقي (51.6 دولار)، لكن مع بدء عمليات تحرير الحويجة، الواقعة 125 كلم جنوب الموصل، طُلبَ منه القتال، لكنه دفع مبلغاً من المال لأحد المهرّبين الذي ساعده على الهرب.

أكد العديد من الأولاد أنهم أصيبوا بخيبة أمل شديدة من داعش.

يقول محمود "بدأت أفكر في مصلحتي حين رأيت أن كبار المسؤولين لا يرسلون أبناءهم إلى الخطوط الأمامية، وعائلاتهم كانت تعيش أفضل منا، كانوا يحصلون على الدجاج واللحم كل يوم بينما نحن نأكل البصل فقط".

يضيف أنه قرر الاستقالة بعد 60 يوماً مع داعش، حيث أدرك أنهم "مجموعة فظيعة ومدمرة".

يقول محمود إن "السبب الوحيد لانضمامنا هو أننا كنا صغارا ولم نفكر. لم أكن أعلم حقًا. نحن أطفال فقط. أنا نادم، ولو عاد بي الزمن لن أكرر ذلك. كل ما جنيناه من داعش هو السجن!".