من حملة ببغداد لإعمار مسرح الرشيد المهدم منذ 2003 /وكالة الصحافة الفرنسية
من حملة ببغداد لإعمار مسرح الرشيد المهدم منذ 2003 /وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم علي قيس:

يجمع فنانون ومخرجون وناقدون على أن الدراما والمسرح العراقي، باتا يعانيان من غياب الرسالة الجوهرية في معالجة المشاكل الاجتماعية.

ويقول المخرج المسرحي حسين علي هارف "الكوميديا فن عريق وأصيل، لكن ما يقدم اليوم في المسارح وخاصة التجارية، هي كوميديا سطحية لا تنطوي على أي عمق في المعالجة الاجتماعية"، مضيفا في حديث لموقع (إرفع صوتك) "ليس من الخطأ انتقاد أي قضية اجتماعية، لكن يجب أن تختار المعالجة الكوميديا التي يرافقها مضمون ورسالة وقيم يبثها هذا العمل".

 

إقرأ أيضاً:

هل تذكرون "افتح يا سمسم"؟

 

أمن وتجارة وتراجع ذوقي؟

وساهم في تراجع المسرح، عوامل عدة، تقف في مقدمتها، الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، وبحث القائمين على العمل الدرامي عن الربح المادي، فضلا عن تراجع ذائقة الجمهور.

ويوضح هارف "كنا ننظر (كعاملين في مجال المسرح) إلى الكوميديا نظرة دونية، ففسحنا المجال لأناس ذوي ثقافة مسطحة ولأشباه المواهب الذين لا يهمهم عقل المتفرج، بل للحصول على المردود المادي وحسب"، مستدركا "كما أن لنقص الوعي لدى بعض الكتاب والمفكرين في اختيار الأسلوب المناسب لموضوع المشكلة، أثرا كبير في غربة المسرح عن المجتمع".

ويتابع "طبيعة الظرف السياسي والاجتماعي لا يتحمل تقديم التراجيديا، بسبب الأزمات، يجب أن نبحث عن الكوميديا التي تنبه الناس إلى واقعهم".

أما عن دور الجمهور في تحديد مستوى العروض المسرحي، فيقول المخرج

والأكاديمي "الأعمال المسرحية المبتذلة يرتادها جمهور يبحث عن التسلية وليس الثقافة، وعندما يكون هناك عمل جاد، فإن من يحضر هم العاملون في المسرح فقط"، مشيرا إلى إمكانية معالجة الأمراض المجتمعية كالبطالة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والحرب والديمقراطية وغيرها، عبر تحقيق توازن بين ما يريده الجمهور وكيفية تقديمه".

ويرى هارف إن "تصحيح مسار المسرح يحتاج لسنوات، وربما أفضل طريق هو عبر مسرح الطفل، فإذا خلقنا جيلا مثقفا عبر هذا المسرح، سنمتلك بالمستقبل جمهورا مسرحيا مثقفا يتفاعل ويفهم ".

 

الفساد في مؤسسات الثقافة أيضا!

أما كاتب السيناريو جبار المشهداني، فيؤكد أن "ثورة الاتصالات جعلت الإنتاج الفني متأثرا بالوضع العراقي السريع الأحداث والمفاجآت"، موضحا في حديث لموقعنا "عندما تقرأ على مواقع التواصل الاجتماعي قصصا معينة فيها روح المؤامرة والحث على العنف والتطرف، فمن الصعب أن تقنع المتلقي برسالة معينة تراعي قيما أساسية كالسلام والتعايش وحقوق الإنسان وقيمة الفرد ".

 

التفكير.. متعب

ويحتاج موضوع الدراما والمسرح في العراق إلى دراسة دقيقة لما يجب تقديمه، لا الحلول السهلة كما يحصل حاليا، خصوصا في مواسم الاستهلاك، بحسب ما يصف المشهداني، مضيفا "في شهر رمضان على سبيل المثال، يلجأ المنتج إلى ممثلين أثنين كوميديين، ليقدم مادة سريعة مضحكة، لأن الناس ليس لديها رغبة إلى التفكير والبحث".

ويتابع "لو كانت هناك محاضرة في علم الاجتماع لن يتجاوز عدد الحاضرين 20 شخصا، لكن تجد المشاهدات لأغنية عادية على مواقع التواصل الاجتماعي تتجاوز المليون".

أما عن أسباب أختلاف الدراما في مرحلتي ما قبل 2003 وما بعده، فيرى السينارست جبار المشهداني "كانت الدولة هي من تقدم الإنتاج لإيصال رسالة معينة، أما بعد عام 2003 فمن مسك ملف الدراما لا يعرف عناصرها الفنية الدقيقة فضلا عن غياب أي رسالة جمالية وثقافية اجتماعية عن منهجه".

ويضيف "تولت شبكة الإعلام العراقي الإنتاج الدرامي، وأنفقت مبالغ هائلة، ولو تولى المسؤولية عن ذلك أناس مختصون وحريصون على تطور الدراما وفاعليتها الاجتماعية لكان الأمر مختلفا".

 

منذ 2014

ويؤيد مدير قسم الدراما في "شبكة الإعلام العراقي"، حيدر منعثر، كل ما ورد على لسان المشهداني، حول مسك قسم الإنتاج في الشبكة من قبل أشخاص غير مختصين بمسألة الفن والدراما وحتى المسرح، ويقول في حديث لموقع (إرفع صوتك) "الأموال التي صرفت كان من الممكن أن تقدم دراما محترمة وثقيلة ننافس بها الدرامات في الدول الأخرى، لكن سوء استخدام المال والأشخاص الذين يقدمون الدراما أتى بنتائج سلبية". وحديث منعثر هنا عن فترة ما قبل توليه لإدارة قسم الدراما في عام 2014.

ويتابع "أما بعد 2014 وبسبب الأزمة الاقتصادية فلم تخصص أي أموال للدراما ولم يتم إنتاج أي عمل حتى اليوم".

أما على صعيد الإنتاج الفني الخاص، يوضح منعثر أن العائلة الدرامية التي تضم كل من يعمل في مجال الدراما، وهم عاطلون عن العمل اليوم، وهو ما يجعلهم يبحثون عن أي عمل حتى ولو لم يكن بمستواهم الفني.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

السور الخارجي لإصلاحية النساء والأطفال في أربيل/ هيومن رايتس ووتش
السور الخارجي لإصلاحية النساء والأطفال في أربيل/ هيومن رايتس ووتش

قابلت منظمة "هيومان رايتس ووتش" 29 طفلاً (14-18) عاماً، اعتقلتهم السلطات الكردية بتهم الانتماء لتنظيم داعش، 24 منهم ما زالوا محتجزين لدى منظمة النساء والأطفال الإصلاحية في أربيل، فيما البقية أفرج عنهم.

22 طفلاً أعمارهم (14-17)، واثنان يبلغان 18 عاماً، ومن بين 24 أدين 8، بينما الآخرون بانتظار المحاكمة، علماً بأن جميع هؤلاء الأطفال ذكور.

وتحت عنوان "الجميع بحاجة للاعتراف"، نشرت المنظمة تقريراً مفصلاً حول تجربة هؤلاء الأطفال الذين لا يزالون يواجهون خطر إعادة اعتقالهم من قبل القوات العراقية إذا عادوا لمناطق تقع تحت سيطرة بغداد.

ومنذ استعادة السيطرة على المناطق المحررة من داعش، اعتقلت القوات العراقية والسلطات الكردية آلاف الأطفال، بشبهات العمل مع التنظيم، ومع نهاية عام 2018 أدين منهم نحو 1500 طفل، وفق تقرير "هيومن رايتس".

وقالت المنظمة إن بين المُدانين بتهم الإرهاب، 185 طفلاً –على الأقل- غير عراقي الجنسيّة، يقبعون في سجون عراقية.

ما الذي دفع الأطفال للانضمام إلى التنظيم؟

أكد بعضهم أن المال هو السبب، يقول أيمن (16 عاماً) "لم أملك المال لذا قررت الانضمام، وكنت أستلم 60000 دينار عراقي شهرياً (51.6 دولار). لم أفعل شيئاً سوى الوقوف تحت الجسر وحمل السلاح، هذا كل شيء".

وانضم سلام (17 عاماً)، لداعش عام 2015، للعمل طبّاخاً مقابل 65000 دينار عراقي (55.9 دولار) شهرياً. ويقول إنه لم يشأ القتال أبداً لذلك اختار مهمّة الطبخ.

أما يوسف (17 عاماً) فقد كان يعمل في مطعم قبل سيطرة التنظيم على الموصل، الشيء الذي أدى لإغلاق المطعم.

وجد يوسف بعد ذلك عملاً في مطعم آخر، كان يعد الطعام لعناصر التنظيم. يقول "داعش أخذوا بطاقة هويتي من أجل إجراءات دفع الرواتب، ربما لذلك اسمي كان في قائمة المشتبه بهم".

وبعض الأطفال انضموا للتنظيم بسبب تشجيع وضغط أقرانهم أو أقربائهم، مثلما حصل مع فواز (16 عاماً) ونوار (17 عاماً). لكن فواز قرر المغادرة بعد يوم واحد فقط من التدريب العسكري ضمن مجموعة أطفال.

أما نوار فانضم مُجبراً من قبل أخيه. يقول "أمي شيعية وأبي سنّي، لكني أميل أكثر لجانب أمي، لذا لم تعجبني أفكار داعش ولم أرغب بالعبادة على طريقتهم. قضيت 10 أيام في التدريب و10 أيام أخرى في الحراسة، ثم قُتل أخي، بالتالي لم يعد من سبب للبقاء، غادرت".

بعض الأطفال أخبروا "هيومن رايتس" أنهم انخرطوا فقط في التدريب الديني، فهذا سامي من الموصل، كان يعمل في أحد المصانع بالموصل، وكل علاقته مع داعش 15 يوماً في دورة للقرآن في المسجد.

أطفال آخرون دفعتهم مشاكلهم العائلية للانضمام إلى داعش، مثل سعدون (17 عاماً)، قال إنه أمه ماتت فأخذه جاره للتنظيم ظناً منه أنه يقدم لهذا الطفل المساعدة، وبذلك انخرط في تدريب ديني وآخر مسلّح لأيام عدة، لكنه لم يشأ أن يصبح عنصراً في التنظيم ولا أن يقدّم البيعة، فترك التنظيم، وتم تهديده كي يعود، بالعودة، إلا أنه اختبأ في مكان خارج بيته.

يقول سعدون "كانوا يفعلون أشياء سيئة ولم أرغب بالبقاء".

"البصل لنا واللحم لهم"

محمود انضم للتنظيم حين كان عمره 15 عاماً لأنه لم يكن سعيداً في بيته، وبعد حادثة ضرب والده له لأنه تورّط في مشاجرة، ترك البيت ولجأ للتنظيم.

حين امتحانه من أجل التجنيد، قرر محمود العودة لبيت العائلة، لكن وبعد ثلاثة أو أربعة شهور من ذلك، تعرض بيت عمّه لقصف جوّي، قتل فيه جميع أطفاله، ليعود محمود إلى داعش مجدداً.

وهذه المرة خضع لتدريب 25 يوماً بين القانون الإسلامي والتسلّح، وبعد أيام من انتهاء التدريب، ذهب مع دورية مسلّحة، يحمل بندقية الكلاشينكوف، إلى كارمليس وهي بلدة مسيحية تبعد 17 كلم غرب الموصل، وشارك في القتال ضد البيشمركة.

يقول محمود "كل شخص حمل سلاحه وطُلب منا الانتقال للصفوف الأمامية، كنت أطلق النار بشكل عشوائي تجاه البيشمركة، أعتقد أنني كنت خائفاً. إنه الموت..".

يتابع "استمر القتال ست ساعات، ثم تعرضنا لقصف جوّي فهربنا، وبعد هذه المعركة قضيت أياماً في نقل الجرحى والجثث، ومباشرة حين انتهى ذلك، تركت التنظيم".  

جبار انضم لداعش لسبب اجتماعي. كان عمره آنذاك 16 عاماً، يقول "انضممت إلى التنظيم لأشعر بأنني شجاع وقويّ. حين تمشي بسلاحك ينظر إليك الجميع وتشعر بقوّتك". وكان قراره بعد انضمام عدد من أصدقائه.

وعن داعش، يقول جبار "لم تكن لدي أدنى فكرة عن أهداف التنظيم. تلقيت تدريباً في القانون الإسلامي على مدى 15 يوماً ولم أحصل على تدريب مسلّح".

ومع ذلك تم تسليمه بندقية كلاشينكوف، وقضى ثلاثة شهور في العمل سائقاً ينقل الماء لعناصر التنظيم في معاقله. وكان راتبه الشهري 60000 دينار عراقي (51.6 دولار)، لكن مع بدء عمليات تحرير الحويجة، الواقعة 125 كلم جنوب الموصل، طُلبَ منه القتال، لكنه دفع مبلغاً من المال لأحد المهرّبين الذي ساعده على الهرب.

أكد العديد من الأولاد أنهم أصيبوا بخيبة أمل شديدة من داعش.

يقول محمود "بدأت أفكر في مصلحتي حين رأيت أن كبار المسؤولين لا يرسلون أبناءهم إلى الخطوط الأمامية، وعائلاتهم كانت تعيش أفضل منا، كانوا يحصلون على الدجاج واللحم كل يوم بينما نحن نأكل البصل فقط".

يضيف أنه قرر الاستقالة بعد 60 يوماً مع داعش، حيث أدرك أنهم "مجموعة فظيعة ومدمرة".

يقول محمود إن "السبب الوحيد لانضمامنا هو أننا كنا صغارا ولم نفكر. لم أكن أعلم حقًا. نحن أطفال فقط. أنا نادم، ولو عاد بي الزمن لن أكرر ذلك. كل ما جنيناه من داعش هو السجن!".