طفلة تنظر من نافذة منزلها في إحدى عشوائيات بغداد
طفلة تنظر من نافذة منزلها في إحدى عشوائيات بغداد

بغداد - دعاء يوسف:

تستيقظ حليمة عباس فجرا كعادتها كل يوم، في أطراف "الصابيات"  ــ تجمع للسكن العشوائي ــ تشعل تنور الطين لإعداد الخبز لأبناء أخيها الأربعة.

بعد أن تفرغ من إطعامهم، ترتدي عباءتها السوداء وتغطي رأسها بوشاح، استعدادا للخروج. ثمّ تغلق باب بيتها المتكون من غرفتي نوم وملحقاتهما وسط باحة ترابية محاطة بسياج من العلب المعدنية التالفة. تشق طريقها وسط مخلفات البناء والقمامة باتجاه الشارع الرئيسي.

حليمة التي ستبلغ عامها الخمسين العام المقبل خارجة إلى العمل. تتجه إلى منزل من أربعة منازل على لائحتها اليوم وسط العاصمة بغداد لتنظيفها، فهي تعمل بخدمة البيوت لقاء أجور يومية لتوفير ما تحتاجه العائلة "من مأكل وملبس".

الطين أو بأحجار خرسانية

تعيش حليمة مع عائلتها في إحدى عشوائيات تنتشر في العاصمة على أطراف بغداد الجديدة ومناطق الدورة والصدر الأولى والثانية وشرق القناة والمنصور وغيرها من جانبي الرصافة والكرخ. منذ عام ٢٠٠٦، اضطرت هذه السيدة للهرب برفقة أمها وعائلة أخيها الوحيد من الاقتتال الطائفي في بعقوبة، وهي مدينة عراقية ومركز محافظة ديالى التي شهدت الكثير من أعمال الخطف والقتل وانتشار نقاط التفتيش الوهمية وهجمات متواصلة من مسلحي تنظيم القاعدة، الأمر الذي دفع الكثير من عوائل ديالى خصوصا الشيعية منها، للهرب.  

لم تظن يوما أنّ حياتها ستذهب في هذا الاتجاه وأن هذا المكان سيصبح بيتها أو أن بيتها سيكون من دون نافذة. فالمساكن التي بُنيت من الطين أو من أحجار خرسانية أو صفائح معدنية، تفتقد غالبيها إلى النوافذ. وحين تسأل لماذا، يجيبك السكان أن وجود النوافذ والفتحات داجل الجدران يسمح للحشرات والبق والنمل والعقارب والثعابين التي تمتلئ بها مساحات التجمعات العشوائية بالدخول إلى مساكنهم، إذ يعاني سكانها وخاصة الأطفال من قرصاتها ولدغاتها كثيراً. 

اقرأ أيضا:

عندما يغير الإرهاب ديمغرافية البلد

عراقي: التحريض بين الأديان موجود منذ السابق

وعند التجوال داخل هذه التجمعات، ستجد العربات التي تجرها الدواب في كل مكان، كما أن سكانها يعتمدون على توفير المياه من خلال تشكيل خراطيم المياه "صوندات" بحنفيات تابعة لأماكن مجاورة، والكهرباء عبر أسلاك يتم توصيلها من بيوتهم لأعمدة الكهرباء الموزعة على امتداد الشوارع الرئيسة.  

المذهب الديني الواحد

بيت بلا نافذة ربما هو حياة بلا أمل، كحياة حليمة ومثيلاتها المدفونات أحياء مع أحبائهن في هذه التجمعات. فهي تشعر أنّ ظروف حياتها اتّسمت بالعشوائية، تماما كمكان سكنها الحالي.

عند اشتداد الاقتتال الطائفي في العراق، انفصل عنها خطيبها السنّي تحت ضغوط من عشيرته.

تلك السنوات حملت انسداد الأفق لحليمة التي لم تكمل تعليمها. توفيت زوجة أخيها عند ولادة طفلتها. وقرّرت بعدها حليمة ألا تتزوج، "لقد كانت حياتنا صعبة جدا، إذ تكفلت برعاية أبنائها الأربعة لأن والدهم – أخي – تركهم معي وتزوج بعيدا عنا. صار لا يأتي لرؤيتهم إلا نادرا".

وتشير إلى أنه لا يهتم بأبنائه للحد الذي اضطرها إلى تزويج أكبر بناته بعمر ١٣ سنة "فقط كي أخفف حمل المسؤولية عني". 

بالنسبة لحليمة، كان السكن في هذه التجمعات مثل وسيلة للحماية من تهديدات المسلحين في وقتها، فرجال العائلات المقيمة في العشوائيات وفروا الحماية لكل النساء والأطفال. "كانوا يحرسون المكان طيلة النهار والليل ولا يسمحون بدخول الغرباء".

السلطة العشائرية

وإذ بدأت بعض العشوائيات كأماكن توفر الحماية، تحولت بعد سنوات الطائفية إلى تجمعات مشبوهة، كما يقول الحاج خضير كاظم، في إشارة إلى استغلال البعض من الأسر المجهولة هذه التجمعات لممارسة أفعال غير قانونية ومريبة.

يعيش الحاج خضير في الصابيات منذ العام ٢٠٠٧، وهو أيضا هرب من ديالى. كان يشعر بالأمان في البداية، لكنه يشير إلى أن الناس صاروا يتخوفون من العشوائيات ومنهم من يطلق عليها تسمية – الحواسم – وغيرهم يسميها بيت التنك بوصفها أمكنة للخارجين عن القانون والعصابات المسلحة.

ويضيف "في كل مكان بالعالم، تجد من يمتثل للقانون ويحترمه ومن يعبث به ويتجاوز عليه".

وتعاني التجمعات العشوائية حاليا من الانفلات الأمني، لذا تشهد أحيانا صراعات أو خلافات قد تدفع لاستخدام السلاح وتبادل لإطلاق النار. ولذلك تقوم القوات الأمنية بحملات مداهمات دائمة للعشوائيات لتعقب المشتبه بانتمائهم لعصابات إجرامية أو إرهابية.

التسول والعمل بمهن شاقة

تعكس عشوائيات بغداد وجها للبؤس نتج عن تعاقب الحروب والظروف الأمنية السيئة التي تعاقبت على العراق. وتبدو المأساة هناك متوارثة أو أشبه بنسيج اجتماعي خاص، فغالبية النساء هناك، إما ارامل أو مطلقات، والفتيات لم يلتحقن بمقاعدهن الدراسية. لذا يتم تزويجهن وهن صغيرات، وكثيرات منهن يعدن لأمهاتهن مطلقات، أو أرامل بفقدان أزواجهن بتفجيرات إرهابية أو بمواجهات عسكرية.  

وتضم العشوائيات رجالا أصيبوا في الحروب ولم يجدوا الرعاية، من ضمنهم علي جعفر، ٥١ عاماً، وهو يعاني منذ سنوات من عدم قدرته على العمل بعدما فقد أطرافه السفلى بحادث تفجير سيارة عام ٢٠٠٩.

تولّى ابنه منتظر الذي لم يتجاوز الـ16 من عمره مهمة توفير قوت العائلة، حيث يعمل في تجميع المخلفات والقمامة البلاستيكية من الشوارع وأماكن الطمر الصحي لبيعها لورش إعادة تصنيعها من جديد. كما فرض هذا الحال عمل زوجته أم منتظر في بيع الخضار بسوق الكاظمية الشعبي.

 لكن حتّى ما تحصل عليه الزوجة والابن لا يكفي العائلة التي تتكوّن من سبعة أفراد وتسكن ببيتا من طين في الصابيات.

"نعيش على قدر ما يأتينا يوميا. يوم نحصل أكل زين وآخر لا. مثل حياتنا ووجودنا هنا... عشوائي!"، يقول علي جعفر بنبرة ساخرة.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

مواضيع ذات صلة:

صورة لعشوائية الدورة في بغداد حيث تعيش أكثر من 170 عائلة مشرّدة
صورة لعشوائية الدورة في بغداد حيث تعيش أكثر من 170 عائلة مشرّدة

بغداد - دعاء يوسف:  

مآوٍ بسيطة لا يتعدى أحدها غرفة من الخشب أو الطين أو حتى من الكارتون والأقمشة البالية، تتكدس جنبا إلى جنب في المساحات الفارغة المحيطة بالعاصمة بغداد.

مئات من الوحدات السكنية العشوائية، لم تشوه مظهر العاصمة حسب، بل أتت على كل مساحاتها الخضراء، تقريبا.

في هذه الفوضى العمرانية يقطن نحو أربعة ملايين عراقي جلهم من الفقراء، والنازحين جراء الظروف الأمنية التي تمر بها مناطقهم، وفقا لدراسة أجراها القسم الإحصائي في وزارة التخطيط العراقية.

 

اقرأ ايضاً:

مدينة الذرى للمعاقين في بغداد... كيف تغيّر حالها؟

ماذا تعرف عن "أحياء الأرامل" ببغداد؟

وبحسب المدير الإعلامي لوزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، العاصمة بغداد هي من أكثر المدن العراقية التي تنتشر فيها العشوائيات، "حيث تضم ١٠٠٠ عشوائية، تليها محافظة البصرة وتضم أكثر من ٧٠٠ عشوائية".

نشوء العشوائيات

يقول الخبير عادل نعمان، الذي أعدّ دراسات عن ظهور العشوائيات وأوضاعها، إن هذه الظاهرة بدأت بعد سقوط النظام السابق (نظام صدام حسين) عام ٢٠٠٣، إذ اضطرت الكثير من العائلات الفقيرة الى استغلال الأراضي الزراعية والمباني الحكومية والمقرات العسكرية الفارغة، "بينما سكن آخرون في البيوت التي تركها أصحابها لأنهم كانوا من أتباع النظام السابق".

وفي عام ٢٠٠٦، أصبحت التجمعات العشوائية ملاذاً للعائلات الهاربة من المدن والقرى والمحافظات العراقية بسبب الاقتتال الطائفي، والصراعات العشائرية والثارات. "ولكن، بعد العام ٢٠٠٨ صار من الصعب سماع عبارة (عشوائيات) دون أن يخطر ببالك الخارجون عن القانون والعصابات المسلحة. إذ اشيع أن هذه المجاميع تعيش فيها"، حسب نعمان.  

يشرح نعمان أن للحروب والإرهاب والصراعات في البلاد التأثير الأكبر في ظهور التجمعات العشوائية التي أثرت بشكل سلبي حتى على المدن المجاورة والقريبة منها. 

وبعد أكثر من 10 سنوات، تحولت أجزاء كبيرة من هذه التجمعات العشوائية إلى مساكن للنازحين من المدن التي تعرضت بسبب سيطرة داعش إلى مواجهات عسكرية وتخريب للبنى التحتية والتدمير وحرق المزارع والأراضي الخضراء وقطع الكثير من الأشجار والنخيل.

ويشير الخبير إلى أن الذين يسكنون في التجمعات العشوائية ليست لديهم إمكانية مالية لتوفير مساكن وخدمات مناسبة لهم، فصاروا يعتمدون على توفير المياه والمجاري والكهرباء من خلال التجاوز على الخدمات المقدمة للأماكن المجاورة لهم، وبالتالي ولدوا ضغطا على حصص غيرهم من تلك الخدمات.

تأثيرات بيئية

وتوضح دارسة القسم الإحصائي في وزارة التخطيط العراقية نفسها أن اكتظاظ المدن يفرض بيئة حضرية فقيرة مليئة بالأمراض وسيادة انعدام المساواة بالنسبة للمرأة وتزايد التمييز وتتكاثر العوائق للحصول فرص متكافئة في الاقتصاد، مما جعل الكثيرين يحرمون من المأوى الملائم ومن القدرة على الحصول على الخدمات الأساسية.

أما التدهور في مساحات الأراضي وخاصة المساحات الصالحة للزراعة منها، يشكل احتمالية كبيرة للتعرض للجفاف والتصحر مما ينجم عنه من نقص في الغذاء والوقود، حسب الدراسة. 

ويشرح الهنداوي أن الظروف الأمنية في السنوات الأخيرة قد فرضت نزوح آلاف من السكان وتشريدهم مما خلق أحياء فقيرة ومكتظة فضلا عن سكان التجمعات العشوائية، مشيرا إلى أن الزيادة الكبيرة في العشوائيات قد أثرت بشكل سلبي على الخدمات الأساسية، حيث تشير نتائج المسح البيئي في العراق (الماء المجاري الخدمات) لسنة ٢٠١٦ إلى تناقص كميات الاستهلاك من الماء الصافي (١٣٣٣٧٩) ألف ٣م في العام ٢٠١٥ قياساً عن (١٣٩٨٠) ألف ٣م في العام ٢٠١٤. كما باتت حصة الفرد من الماء الصافي المجهز للسكان (٣٢٠) لتر/يوم لسنة ٢٠١٥ مقارنة بـ (٣٧٠) لتر/يوم في سنة ٢٠١٤.

ويذهب المدير الإعلامي الى أن التحضر والنمو السكاني والتغيير المناخي من العوامل التي تفاقم ندرة الموارد الطبيعية مع اتساع الفجوة بين العرض والطلب على المياه.

ويرى نعمان، من ناحيته، أن النزوح قد أدى إلى توسع هائل في التجمعات العشوائية التي ضغطت بدورها على الجوانب الصحية والبيئية، بما في ذلك المياه والزراعة وحتى الهواء.

ويشير إلى أن الأراضي الزراعية باتت تُباع كأراضٍ سكنية، كونها شكلت تجارة مربحة عند الكثير من المزارعين الذين فضلوا تجريف بساتينهم وتقطيعها لبيعها على شكل أراض سكنية ولكن بأسعار أقل بكثير من أسعار العقارات في السوق المحلية.

مشكلة متفاقمة

ورغم أن الحكومة العراقية تحاول إيجاد حلول للأزمة، "لكن مشكلة التجمعات العشوائية تتفاقم يوما بعد يوم"، حسب ما يقول المتحدث الرسمي باسم أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة.

يشير زهرة إلى أن أمانة بغداد شكلت لجانا خاصة لتدارس ملف العشوائيات ومتابعته. وكشفت النتائج أن بعض المتجاوزين يسكن في أراض تابعة للدولة والبعض الآخر يسكن في أراض زراعية وغيرهم اتخذ من بيوت وأراضي القطاع الخاص سكنا له.

ورصدت اللجان تفاوتا في مساحة السكن للعائلات، فكان هناك من يسكن بأراض مساحتها تزيد على ٨٠٠ م في حين يسكن غيره بمساحة لا تتجاوز ٥٠ م.

ويُلزم إيجاد حلٍّ لمشكلة التجمعات العشوائية بإعادة رسم المناطق والمدن التي تنتشر فيها هذه التجمعات من جديد لتوفير خدمات البلدية من مياه ومجار وشوارع، وكذلك تحديد أماكن خاصة للمدارس والمستوصفات الصحية وغير ذلك، بحسب زهرة ، الذي يشير إلى أن الأمانة الآن تسعى بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة لإيجاد الحلول المناسبة لمشكلة العشوائيات. 

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659