جانب من الدمار الذي حاق بمدينة الرقة بعد تحريرها من قبضة تنظيم داعش
مدينة الرقة بعد تحريرها من قبضة تنظيم داعش بدعم من التحالف الذي تقوده واشنطن

بقلم حازم الأمين/ المصدر: موقع الحرة

الصفقة التي أطلقت عليها وسائل إعلام عالمية اسم "سر الرقة القذر"، والتي قضت بإخراج مئات من عناصر "داعش" مع عائلاتهم من مدينة الرقة قبل دخول "قوات سورية الديموقراطية" إليها، لم تشمل مئات المساجين الذين كانوا يقبعون في سجن التنظيم في المدينة، كما أنها لم تشمل الحصول على معلومات حول مصيرهم بعد تحرير المدينة.

الصفقة تمت بصفتها إجراء ميدانيا سريا. الـ "بي بي سي" حصلت على شريط صور الشاحنات التي أقلت العناصر وعائلاتهم، موثقة بشهادات السائقين وبشهود عيان. لكن صمتا تاما أبدته الجهات المفاوضة (ونفى التحالف الدولي مشاركته في الاتفاق). الأرجح أن المقاتلين انتقلوا إلى مناطق نفوذ "داعش" في دير الزور، أو إلى البوكمال قبل دخول النظام إليها مؤخرا. البوكمال التي نقل حزب الله مقاتلي "داعش" من مناطق على الحدود اللبنانية السورية إليها قبل أشهر، في صفقة لم تخلُ بدورها من غرابة موازية.

والحال أن العالم كله على ما يبدو يستعين بتنظيم "داعش" ليُصرف فيه شروره وضغائنه الخاصة. ففي الموصل جرى إقفال المدينة القديمة على مقاتلي التنظيم ولم يُترك لهم خط انسحاب، على ما تقتضي بديهيات حروب المدن، وكانت النتيجة دمارا بنسبة 90 في المئة أصاب الأحياء التاريخية للمدينة، وها هي اليوم الموصل مدينة غير قابلة للحياة.

لكن انعدام توازن عالم الحرب على "داعش"، وإضماره أسرار حروب قذرة موازية، وإن أفضى إلى القضاء على التنظيم الإرهابي، إلا أنه يُخلف في جريانه كوارث لا يبدو أن المنتصرين، وما أكثرهم، مكترثون لها. المعتقلون في سجون "داعش" الذين لم تكترث "صفقة الرقة القذرة" لمصائرهم خلال مفاوضتها التنظيم الإرهابي على تأمين خط انسحاب لعناصره من المدينة المدمرة، أعدادهم بالمئات. هؤلاء انضموا إلى عشرات آلاف السوريين من مجهولي المصائر. أمُّ المصور اللبناني المختطف لدى التنظيم في الرقة سمير كساب، لم يُفكر أحد بأنها تنتظر جوابا عن مكان احتجاز ابنها. الصفقة كان من المفترض أن تكون سرية، وأن لا نعرف شيئا عن حقيقة أن ضحايا التنظيم الفعليين ليسوا جزءا منها. إعلان النصر على التنظيم في الرقة كان أهم من أن يكترث المنتصرون لأم سمير، ولمئات الأمهات السوريات المنتظرات هزم التنظيم لكي يعرفوا مصائر أبنائهم.

اذا أراد المرء أن يُعدد المنتصرين في الحرب على "داعش" فلن تكفي عجالة في عرضهم. التحالف الدولي والحكومات العراقية والسورية واللبنانية. والأكراد بجناحيهم السوري والعراقي، وفلاديمير بوتين وقاسم سليماني، والحشد الشعبي وحزب الله، ويمكن للمرء أن يعثر على منتصرين آخرين إذا ما أطال التأمل! كل هؤلاء انتصروا ويريدون أن يستثمروا انتصارهم في السياسة. أما المهزومون، فلا يبدو أن "داعش" في صدارتهم. هل يعقل أن يكون أهل المدن المدمرة هم من انتصر؟ سكان المخيمات على أبواب الشتاء القارس؟ أمهات الرجال مجهولي المصير؟ المهزمون يفوقون المنتصرين بأعدادهم، وبوقع الهزيمة على نفوسهم. فهل يعقل أن نقول أن الموصل التي يفوق عمر أحيائها المدمرة 800 عاما انتصرت على رغم أنها مدمرة بنسبة 90 في المئة، في حين أن التنظيم الإرهابي الذي لا يبلغ عمره أربع سنوات انهزم؟

ثم أن علينا أن نفكر في طبيعة التنظيم لنحدد شكل الهزيمة التي نالته. فـ "داعش" تنظيم زمني وليس جسما اجتماعيا راسخا حتى يتم هزمه على نحو مؤكد. هو عارض أصاب مدنا وعشائر وجانحين من كل العالم. عارض يمكن أن ينام ثم يعود ويستيقظ في لحظة سياسية تتيح له الاستيقاظ. هو تماما خيار من أصابتهم الهزيمة، سواء في مدنهم في العراق وسورية، أو في بلاد الغرب التي فشلت في علاقتها بشذاذ أفاقها. هزيمة "داعش" ليست مؤكدة، أما هزيمة أهل المدن المدمرة فلا مجال للشكوك حولها.

الشاحنات التي نقلت مقاتلي التنظيم الإرهابي من الرقة إلى دير الزور أو إلى البوكمال لم يُفكر مشغلوها في أنهم ينقلون العناصر إلى مدينة أخرى سيكون مصيرها الدمار أيضا، وأن ناجين من التنظيم سينقلون ربما إلى مدن أو صحاري أخرى، وأن دورة التنظيم ستدور مجددا على مزيد من الاحتقان السياسي والمذهبي الذي يحف بالنصر المدوي وبالهزيمة المدوية. فأي منطق يقول أن تنقل عدوك إلى مدينة أخرى لا تلبث أن تلحقه إليها لتخوض حربا ضده فيها؟ وهل فكر من عقد الصفقة في أن هؤلاء العناصر، وبعد أن كانوا بين ركام الرقة سيتسربون إلى الصحراء حيث لا يمكن تعقبهم؟ النصر لم يتح لأصحابه لحظة تأمل، وهم مثلما لم يكترثوا للمساجين لدى "داعش" لم يكترثوا إلى أن التنظيم سيذوي في الصحراء ليعود وينبعث منها على شكل مسخ مخصب ومحصن أكثر، ذاك أنه خبر عثراته السابقة، ولن يقع بمثلها مجددا.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

مواضيع ذات صلة:

أفراد من الطب الشرعي ينقلون رفات ضحايا المقبرة الجماعية ملعب الرشيد/مجلة الرقة المدني
أفراد من الطب الشرعي ينقلون رفات ضحايا المقبرة الجماعية ملعب الرشيد/مجلة الرقة المدني

محمد النجار

أكثر من 300 جثة على الضفة الجنوبية لنهر الفرات في مدينة الرقة السورية تم إخراجها من مقبرة الفخيخة منذ بداية العام الحالي، وذلك بحسب ما ذكره فريق الاستجابة الأولية في مدينة الرقة، وتحدث قائد فريق الاستجابة في الرقّة ياسر الخميس في حديثه لوكالة "هاوار" التابعة لمناطق الإدارة الذاتية قائلاً إن معظم الجثث التي تم إخراجها منذ كانون الثاني الماضي/يناير لغاية آخر شهر آذار تعود لأطفال ونساء تم قتلهم على يد تنظيم داعش الإرهابي وضمن عمليات إعدام ميدانية.

المقبرة التي عثر عليها في التاسع من كانون الثاني/يناير الماضي، بدأ العمل عليها مباشرة بعد طلبات من الأهالي في المنطقة، وتقع منطقة الفخيخة على الضفة الجنوبية لنهر الفرات، وهي أرض زراعية تصل مساحتها إلى 20 دونماً، ولا يزال فريق الاستجابة الأولية في مدينة الرقّة يتابع عملياته لانتشال الجثث المتبقية فيها.

وعثرت قوات سوريا الديمقراطية على المقبرة التي وصفت بأنها أكبر مقبرة جماعية تضم رفات من قام داعش بقتلهم خلال سيطرته على المدينة آنذاك، كما توقع "فريق الاستجابة" وجود أكثر من 1200 جثة في هذه المقبرة، والتي كانت أرضاً زراعية لأهالي المدينة قبل تحويلها لمقبرة من قبل عناصر التنظيم.

 

 

في الحدائق والملاعب

تسيطر قوات سوريا الديمقراطية حاليا على الرقّة بعد طرد داعش منها خريف 2017. وتشترك لجان تابعة لها مع الطب الشرعي في عمليات الكشف عن مقابر جماعية.

مجلس الرقّة المدني أعلن في عدة مناسبات عن الكشف عن عدد من المقابر الجماعية داخل المدينة وفي ريفها، وكانت أغلب هذه المقابر في الحدائق الشعبية وملاعب كرة القدم والساحات العامة، وبعد اكتشاف المجلس لوجود هذا الكم الهائل من المقابر، أخذ فريق الاستجابة الأولية على عاتقه مهمة البحث عن هذه المقابر، وانتشال الجثث والتعرف عليها.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن عدد القتلى من المدنيين خلال معارك تحرير الرقة وصل إلى أكثر من 2323 مدنياً، بينهم 543 طفلاً، ومعظمهم تم دفنهم في مقابر جماعية أثناء المعارك.

يقول طارق الأحمد وهو مسؤول في لجنة إعادة الإعمال في المجلس المحلي للرقة، إن "معظم الإعدامات الميدانية جرت قبل فترة قصيرة من بدء حملة "غضب الفرات" التي قادتها قوات سوريا الديمقراطية، لاستعادة الرقة".

وحسب أحمد، نقل داعش جزءا من معتقليه خارج العراق، وقام بتصفية آخرين ودفنهم في مقابر جماعية. وامتدت هذه المقابر إلى الحدائق العامة، مثل حديقة الجامع القديم وحديقة الرشيد المعروفة وسط الرقة.

وخصص التنظيم المتطرف مقبرة لمقاتليه أطلق عليها اسم مقبرة "شهداء الدولة" بمعزل عن باقي مقابر المدينة.

 

 

مقابر أخرى

في الأشهر الماضية كانت أبرز المقابر التي تم الكشف عنها في الرقّة مقبرة البانوراما، وتجاوز عدد الجثث فيها 150 جثة. وكذلك مقبرة الجامع العتيق التي تم الانتهاء من عمليات البحث فيها في أيلول سبتمبر 2018، ومقبرة حديقة الأطفال ومقبرة حدقة بناء الجميلي، ومقبرة معمل القرميد.

مقبرة الرشيد أيضاً من أوائل المقابر التي عثرت عليها قوات سوريا الديمقراطية وتم اكتشافها في ملعب الرشيد، وضمت رفات 300 قتيل أعدموا بشكل جماعي على يد تنظيم داعش خلال سيطرته على الرقة بين 2014 و2017.

وفي الفترة التي أحكم فيها التنظيم قبضته على المدينة وريفها، تحولت الملاعب والحدائق والميادين إلى مقابر تحتضن رفات المئات ممن تم إعدامهم.

في شباط/فبراير 2018، قالت وكالة "سانا" التابعة للنظام السوري إن قوات النظام عثرت على مقبرة جماعية غربي مدينة الرقة قرب بلدة رمثان، ونقلت الجثث إلى المشفى العسكري في حلب.

وقالت الوكالة أيضا إن القوات السورية عثرت، في أواخر كانون الأول/ديسمبر، على رفات 115 عسكريا ومدنيا في مقبرة قرب بلدة الواوي في ريف الرقة الغربي، كان داعش أعدمهم.

وبدورها، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية، خلال عمليات تحرير المدينة، إنها عثرت على مقبرة جماعية تضم عشرات الجثث قرب مدينة الطبقة بريف الرقة الشمالي.

ومنذ 2014، تحدثت وسائل الإعلام عن رمي عناصر داعش جثث القتلى في حفرة الهوتة بريف الرقّة الشمالي قرب بلدة سلوك. وباتت هذه الحفرة رمزا للمجازر التي ارتكبها التنظيم، وكان بين من قام برميهم "معتقلين على قيد الحياة"، يقول عبد الله (طالب جامعي) من مدينة الرّقة لموقع (ارفع صوتك).

 

 

آلاف الحالات من الاختفاء القسري

في تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان نشر في 28 آذار/ الماضي، تم توثيق 4247 حالة اختفاء قسري في الرقّة منذ عام 2011 وحتى يومنا هذا. وقالت الشبكة في تقريرها إن بين المختفيين 219 طفلاً و81 امرأة.

وتوزعت حصيلة المختفيين بين النظام السوري بمسؤوليته عن اختفاء 1712 شخصاً وتنظيم داعش 2125 شخصاً، إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية المسؤولة عن اختفاء 288 شخصًا وفصائل معارضة أخرى عن اختفاء 122 شخصًا.

ووثقت الشبكة، في تقريرها، مقتل 4823 مدنيًا في الرقة خلال السنوات الماضية على يد أطراف النزاع، بينهم 922 طفلًا و679 امرأة.

وبحسب تقرير الشبكة فإن 97% من جثث المقابر في المدينة تعود لمدنيين، في حين تشكل جثث مقاتلي تنظيم داعش نسبة 3%.