صورة تعبيرية/Shutterstock
صورة تعبيرية/Shutterstock

بغداد - دعاء يوسف:

في مستشفى اليرموك التعليمي ببغداد، وأمام مختبرات الفحوصات الطبية للمقبلين على الزواج، يقف حسام مؤيد منتظرا منذ ساعات الصباح الأولى.

وبدلا من أن يستمر في انتظار دوره لإجراء الفحوصات الطبية، استدار حسام، الذي نزح من الأنبار منذ عام 2014، باتجاه بوابة الخروج، قائلا إنه "سئم الانتظار".

 كان من المقرر أن يقوم بإجراء الفحوصات الطبية قبل أن يتزوج عام 2012، إلا أنّه في كل مرة كان يقوم بتأجيلها لوقت لاحق.

زواج خارج المحكمة

لا أستطيع توفير ما تحتاجه طفلتي من أدوية وعلاجات مجاناً كغيرها من المصابين بالثلاسيميا من المستشفيات الحكومية

​​​ولأن زوجته لم تتجاوز 16 عاماً من عمرها والقضاء يعتبر تزويج الفتيات دون السن القانونية ممنوعاً، كان زواجهما خارج المحكمة، وعقد قرانهما أحد رجال الدين.

بعد عام، أنجبت زوجته طفلة.

أسرع لتسجيلها وإصدار أوراق ثبوتية لها، لكنه أدرك أن تسجيل طفلته باسمه يحتاج لتوثيق زواجه في المحكمة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اتضح أن طفلة حسام الوحيدة مصابة بمرض الثلاسيميا. وبدأت معاناة والديها في تزويد جسمها بالدم كل ثلاثة أسابيع، وغيرها من العلاجات اللازمة لتحسين حالتها الصحية المتدهورة نتيجة فقر الدم.

واجه حسام وزوجته الكثير من التحديات، ولم يستطع توثيق زواجه حتى بعد نزوحهما والسكن في بغداد. وشكل الأمر مشكلة كبيرة في توفير علاج طفلته المريضة.

"لا أستطيع توفير ما تحتاجه طفلتي من أدوية وعلاجات مجاناً كغيرها من المصابين بالثلاسيميا من المستشفيات الحكومية".

19 ألفا 

تقول وزارة الصحة إن هناك 15 ألف مصاب بمرض الثلاسيميا يتلقون علاجهم بشكل رسمي ضمن مراكز وزارة الصحة العراقية

وفي وقت سابق، طالبت عضوة لجنة حقوق الإنسان البرلمانية، النائبة الدكتورة أشواق الجاف، وزارة الصحة بإنشاء مستشفى خاص لعلاج مرضى الثلاسيميا في البلاد.

وقالت إن ما يقارب 19 ألف عراقي مصابون بمرض الثلاسيميا، وعلاجهم يكون إما عن طريق نقلهم خارج العراق أو إنشاء مستشفى خاص بهم في بغداد للحفاظ على حياتهم.

لكن وزارة الصحة تقول إن هناك 15 ألف مصاب بمرض الثلاسيميا، يتلقون علاجهم بشكل رسمي ضمن مراكز وزارة الصحة العراقية.

ويعود التفاوت في الرقمين إلى أن الحالات ليست جميعها مسجلة بشكل رسمي في الوزارة.

ويقول المدير الإعلامي للوزارة الدكتور سيف البدر في حديث لموقع (ارفع صوتك) إن الوزارة تسعى مع مؤسساتها ومراكزها الصحية للعمل في خطة الوقاية من المرض والسيطرة عليه.

وتعد مستشفى الكرامة التعليمي في العاصمة بغداد الوحيدة في البلاد التي تحتوي على مركز الثلاسيميا لمعالجة أمراض الدم الوراثية، تم افتتاحه عام 2016 ويضم وحدة استشارية ومختبرات لإجراء فحوصات ما قبل الزواج.

التكلفة باهظة

ويعاني بعض المصابين بهذا المرض في توفير العلاجات اللازمة والأدوية، إن لم تكن حالاتهم مسجلة لدى وزارة الصحة، ومن ضمن هؤلاء سهيلة محمد التي تصطحب طفلها المصاب بالثلاسيميا إلى مستشفى الكندي ببغداد كل شهر مرة تقريبا، كي تضمن حصوله على العلاج الكافي.

تقول لموقع (ارفع صوتك) "أحيانا عندما يحدث أمر ما يدفعني للتأخر حتى ولو ساعات عن موعد علاج طفلي، فإنني أضطر لاستدانة المال الكافي لتوفير العلاج من خارج المستشفى".

وتضيف أنّ الكثير من أهالي المرضى لا يستطيعون أن يوفروا الدواء لأنه مكلف جدا.

وتأمل سهيل، أن يتغير الحال، وخاصة التدخل الجراحي المتمثل بزراعة نخاع العظم، إذ يضطر الكثير من المصابين بالثلاسيميا السفر خارج البلاد لإجرائها.

فحوصات قبل الزواج

ويقول أخصائي الأمراض الانتقالية الدكتور نوفل جاسم مرتضى إن الوقاية من الثلاسيميا تكمن في الفحص قبل الزواج عبر الفحوصات الطبية المعنية.

هذه الفحوصات تكون بأمر قاضي المحكمة، إذ لا يستكمل إجراءات عقد الزواج ما لم تقدم وثيقة تثبت صحة الفحوصات الطبية، لكن الزواج خارج المحكمة (رجل الدين) وتزويج القاصرات، كانا سببين في تجاهل هذه الفحوصات. "الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن البعض يتحايلون على المحكمة ويعمدون إلى تقديم فحوصات طبية غير صحيحة أو مزورة عبر دفع الرشاوي". 

ويتابع "وفقا لنتائج الفحوصات الطبية، فقد يتم تقييد زواج الذين من الممكن أن ينقلوا هذا المرض لأبنائهم".  

ويشير إلى أن أهم التحديات التي تواجه المرضى تتمثل بعدم وجود مراكز متخصصة لعلاجهم في المحافظات العراقية كافة، لذا يضطر المرضى إلى زيارة العاصمة بغداد كل شهر تقريبا لتلقي العلاج.

"هذه الزيارات المتواصلة تشكل معاناة كبيرة، هذا فضلا عن أن علاج هذا المرض يتطلب تدخل جراحي لزراعة النخاع العظم، وهو علاج لا يتوفر في البلاد بسبب تكاليفه المادية العالية، رغم نجاحه الكبير".  

ينتج مرض الثلاسيميا عن خلل وراثي انحلالي، يؤدي إلى نقص حاد في إنتاج بروتينات خاصة في الدم تسمّى الغلوبين، وهي المكون الرئيسي للهيموغلوبين الموجود في خلايا الدم الحمراء.

ومادة الهيموغلوبين مسؤولة عن حمل الأوكسجين من الرئتين إلى مختلف أجزاء الجسم، وبالنتيجة يؤدي نقص الهيموغلوبين إلى فقر الدم (أنيميا)، وتكسّر سريع في خلايا الدم الحمراء، ونقص كمية الأوكسجين التي تصل أجزاء الجسم المختلفة.

ويؤثر مرض الثلاسيميا على عمر خلايا الدم الحمراء، حيث تحصل طفرة في مكونات الهيموغلوبين، ما يؤدي إلى تكسر هذه الخلايا. ويحاول الجسم تعويض النقص عن طريق زيادة التكاثر وبالتالي تصبح كثير من عظام الجسم مصنعاً للنخاع العظمي، ما يؤدي إلى انتفاخ جمجمة الرأس وتضخم الطحال والكبد.

ويقوم الأزواج عادة بفحوصات طبية قبل الزواج لتحديد ما إذا كانا يحملان جينات الثلاسيميا، إذ أن الزواج بين شخصين يحملان جينات الثلاسيميا يعرض أطفالهما للمرض.

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

متظاهرون عراقيون ينعون الكهرباء في كربلاء جنوب بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية
متظاهرون عراقيون ينعون الكهرباء في كربلاء جنوب بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم حسن عبّاس:

يشارف عام 2016 على الانتهاء. هو عام تحجيم داعش بامتياز. لكن النزاعات العنيفة التي تسبب هذا التنظيم بجزء كبير منها تركت آثاراً كبيرة على الشباب العرب، قد تحتاج إلى سنوات لتجاوزها.

يرصد تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016، والصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان “الشباب وآفاق التنمية الإنسانية في واقع متغير”، آثار الحرب والنزاع العنيف على الشباب.

وفي مقدمته، تحذّر مديرة المكتب الإقليمي للدول العربية بالإنابة في البرنامج صوفي دو كاين من أن “وعي الشباب بقدراتهم وحقوقهم يصطدم بواقع يهمشهم ويسد في أوجههم قنوات التعبير عن الرأي والمشاركة الفاعلة وكسْب العيش، ما قد يتسبب في دفعهم إلى التحول من طاقة هائلة للبناء إلى قوة كاسحة للهدم”.

ويشير التقرير إلى أن المنطقة العربية شهدت خلال العقد الماضي أسرع ازدياد في الحرب والنزاع العنيف، وصارت موطن أكبر أعداد اللاجئين والنازحين في جميع أنحاء العالم.

الآثار في الصحة العقلية

يتّسع انتشار اضطرابات الاكتئاب. وقد وجدت دراسة نشرها برنامج “العبء العالمي للمرض” عام 2011 أنه في عام 2010 عانى من الاكتئاب ما يزيد على خمسة في المئة من الناس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأن الناس يفقدون أكثر من 1.3 في المئة من سنوات حياتهم بسبب الاكتئاب.

تضرّر التعليم وفرص العمل

للخسائر في التعليم بسبب النزاع وقع مزدوج. الأول، أنها تخفض الإنتاجية بين أفراد الجيل المتكبد هذه الخسارة، وهو ما يحد من الفرص الاقتصادية بين أبناء الأجيال القادمة. والثاني، أنها تكشف البلاد، على نحو غير مباشر، أمام خطر أكبر لنزاع متواصل، وبخاصة في حالة حرب أهلية.

وفي الحروب تتحوّل الأنظمة التعليمية إلى أنظمة تبثّ الفرقة والتمييز بين المواطنين مع أنها يمكن أن تلعب دوراً تصالحياً يهدف إلى بناء السلام والثقة.

على سبيل المثال، يظهر التحيّز الطائفي في المناهج الدراسية للدين في العراق، ويهيمن الشقاق في تطوير برنامج تعليمي خاص لمنطقة الحكم الذاتي الكردية. ولا ننسى أن داعش يدرّس مناهج خاصة في مناطق سيطرته.

الهجرة القسرية

الهجرة هي إحدى أخطر المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المنطقة العربية، إذ يخلق النزوح الطويل الأجل أجيالاً تفتقر إلى الحصول على تعليم جيد.

كما أن النزوح القسري يقطع العلاقات داخل الأسرة التي تُعَدّ في المجتمعات العربية مؤسسة كبرى للحماية والدعم.

الآثار في الصحة البدنية

يمكن الإلمام بآثار الحرب والنزاع في الصحة من خلال مؤشرات صحية مثل متوسط العمر المتوقع عند الولادة، ومعدلات وفيات الرضع، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، وانتشار سوء التغذية، والتقزّم.

وتسبّب الحرب أضراراً واسعة النطاق للبنْية التحتية الأساسية، ما يؤدي إلى انهيار شبكات المياه والنقل والصرْف الصحي، وتدمير المرافق الصحية العامة، وتخفيضات كبرى لأعداد العاملين في مجال الصحة.

ويتسبّب تضرر البنْية التحتية في انتشار أمراض معدية، بما فيها المستأصَلة سابقاً، مثل شلل الأطفال في سورية، وتُمنع الناس من الحصول على الرعاية الصحية، ما يؤدي إلى ارتفاع في الأمراض غير السارية.

والمشكلة الأكبر هي أنه تحدث وفيات وإعاقات من انتشار الأمراض المعدية في أعقاب الحروب أكثر بكثير من حدوثها كنتيجة عنف حربي مباشر. ويعود ذلك جزئياً إلى انهيار المعايير الاجتماعية والنظام السياسي أثناء النزاع وبعده.

وكذلك، يُضعف الموت الزائد والعجز على نطاق واسع النمو الاقتصادي والتنمية.

آثار على الشابات

يهدد العنف الجنسي والنزاع والعسكرة حريات المرأة في نواح كثيرة. فتُحدد عسكرة الأماكن العامة وانتشار العنف تغييراً عميقاً في الحياة اليومية التي يسيطر عليها مظهر الجندي الذكر.

ويؤدي انتشار التنظيمات العسكرية غير الحكومية إلى تهمش المرأة في المجال العام، وتُسيطر أيديولوجيات أدوار الجنسين التقليدية.

وتحدث مستويات متزايدة من الاعتداء الجنسي داخل مخيمات اللاجئين بسبب الفوضى، وانهيار الروابط المجتمعية العادية.

وفي مخيمات اللاجئين، تتعرّض النساء للعنف القائم على نوع الجنس وخاصة الشابات غير المرافقات، ونساء الأقليات العرقية. هذا عدا انتشار الدعارة والزواج المبكر.

المشاركة المدنية

يخفض النزاع العنيف المشاركة الشبابية في الحياة المدنية، ويصبح من الممكن جذب الشباب إلى جماعات متطرفة أو إلى أيديولوجياتها.

ومع النبرة الطائفية المتزايدة للنزاع في العراق، وبروز جماعات تعمل باسْم الإسلام أو هويات دينية وعرْقية أخرى في سورية، يحتمل أن يزداد اعتماد المحتاجين إلى الرعاية بصورة أقوى على شبكات دينية وأنواع أخرى من منظمات تشدد على الفوارق الاجتماعية، كما الحال في لبنان.

الصورة: متظاهرون عراقيون ينعون الكهرباء في كربلاء جنوب بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659