مسجد في اليمن/وكالة الصحافة الفرنسية
مسجد في اليمن/وكالة الصحافة الفرنسية

كان الشيخ عمر دوكم (40 عاماً)، وهو كاتب صحافي، وخطيب جامع العيسائي في مدينة تعز جنوبي غرب اليمن، يغادر الجامع للتو بعدما ألقى خطبة صلاة الجمعة الأسبوع الماضي، حين فتح عليه مسلحون يستقلون دراجة نارية وابلا من الرصاص، ما أسفر عن مقتل أحد مرافقيه على الفور، وإصابته بجروح بليغة نقل على إثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة بعد أيام قليلة.

في خطابه الديني وكتابته الصحافية، كان عمر دوكم وهو أيضاً قيادي بارز في حزب التجمع اليمني للإصلاح، يردد دائماً “أحب اليمنيين جميعاً بلا استثناء، بجميع طوائفهم ومذاهبهم وأديانهم، أحب السلفيين والإخوان والبهرة واليهود.. اليساريين والليبراليين والعلمانيين والإسلاميين.. الجميع بلا استثناء”.

يضيف “فقط نوعٌ واحدٌ أستثنيه وأرفضه (..) أرفض كل من اتخذ الإقصاء له منهجاَ والعنف شريعةً والسلاح أسلوباً لفرض قناعاته وخياراته على اليمنيين”.

كان دوكم يقول إن “كلُّ طريقٍ تظنّ أنه يمرُّ إلى الله بعيداً عن الإنسان.. لن يوصلك إلا إلى الشيطان!”.

اقرأ أيضاً:

قلق من تصاعد نفوذ الفصائل الدينية المسلحة في تعز اليمنية

داعش في اليمن.. قاتل بوجه غامض الملامح!

ضد مجهول

كان مقتل دوكم الأحدث بين عمليات اغتيال طالت عشرات الخطباء ورجال الدين في البلاد خلال الفترة الأخيرة.

في نهاية آذار/مارس الماضي، أطلق مسلحون مجهولون النار من مسدس كاتم للصوت على الشيخ ياسر العزي إمام مسجد الرويشان شمالي مدينة عدن جنوبي غرب البلاد، وأردوه قتيلاً قبل أن يلوذوا بالفرار.

ومنذ مطلع 2016، سجلت مدينة عدن وحدها أكثر من 25 عملية اغتيال طالت رجال دين وخطباء وأئمة جوامع ينتمي معظمهم لهم تصريحات ضد الإقصاء الديني.

ونفذ كثير من الاغتيالات برصاص أطلقها مسلحون يستقلون دراجات نارية، لكن معظم تلك الجرائم قيدت ضد مجهول، على وقع انفلات أمني كبير في المدينة المضطربة التي تتخذها الحكومة عاصمة مؤقتة للبلاد.

ورغم أن الاغتيالات لم تقتصر على رجال الدين، وامتدت لقيادات أمنية وعسكرية ومدنية رفيعة، إلا أن أحزاباً سياسية ومراقبين محليين يرون أن هناك استهدافا ممنهجا لرجال الدين ورموز المجتمع، على نحو “ينذر بانزلاق اليمن إلى حالة من الفوضى الشاملة”، حسبما جاء في بيان لأحزاب سياسية يمنية فاعلة.

خطيب معتدل

يقول مجيد علي، وهو شاب يمني يقطن في مدينة المنصورة شمالي مدينة عدن “ما زلت لا أستوعب لماذا اغتالوا الشيخ ياسر العزي، كان خطيباً معتدلاً، ينبذ التطرف والإرهاب”.

أضاف مجيد لموقع (ارفع صوتك) “حضرت له محاضرة قبل أيام من اغتياله وأخبرنا أنه تلقى تهديداً بالتصفية وأنه يفكر بمغادرة اليمن”.

إلى الخارج

وخلال الأسابيع الأخيرة، ذكرت تقارير اخبارية نقلاً عن مكتب وزارة الأوقاف بمدينة عدن (الجهة المشرفة على المساجد) أن أكثر من 123 إماماً وخطيب جامع غادروا المدينة الساحلية على بحر العرب إلى خارج البلاد، خشية أن يطالهم الاغتيال.

ووجه وزير الأوقاف اليمني الدكتور أحمد عطية نداء إلى الرئيس هادي، ورئيس حكومته أحمد بن دغر يدعو فيه إلى حماية الدعاة والخطباء من عمليات “الاغتيال المتتالية والممنهجة”، على حد قوله.

الجهات المسؤولة!

ورفض خالد حيدان، وهو رئيس دائرة الإعلام في حزب التجمع اليمني للإصلاح بمحافظة عدن، توجيه أصابع الاتهام إلى أي طرف بالوقوف وراء الاغتيالات التي طالت عدداً من الخطباء وأئمة المساجد الذين ينتمون إلى حزبه ذي المرجعية الدينية السنية.

لكنه قال إنهم يعرفون جيداً الجهات المسؤولة عن حفظ الأمن والتي اتهمها “بعدم التحرك واظهار أي اهتمام بالأمر”.

وأضاف حيدان بلهجة استغراب لموقع (ارفع صوتك) “يستمر هذا المخطط بأريحية شديدة، والأسوأ أن تنفيذه يجري مسنوداً بخطاب إعلامي تحريضي ضد بعض الضحايا قبل وقوع العملية، وتبريري بعد وقوعها”.

فشل أمني

من جانبه يرى ماجد الداعري، وهو صحافي جنوبي موال للمجلس الانتقالي المطالب بالانفصال عن الشمال أن “كل الأطراف مدانة في هذه الجرائم التي لم تستثن أحداً، وبالتالي فليس من المنطق أن يقال إنها تستهدف جهة معينة”.

واعتبر أن عودة الاغتيالات إلى عدن تكشف عن “فشل أمني في الحفاظ على الإنجازات المحققة سابقاً في مكافحة الإرهاب، وغياب القضاء والفاعلية الأمنية المفترضة لوزارة الداخلية”.

جماعات إرهابية

لكن عبدالرحمن النقيب، وهو المتحدث الرسمي باسم شرطة أمن عدن، نفى وجود أي تقاعس من قبلهم في اتخاذ الإجراءات اللازمة حيال هذه الجرائم.

وقال النقيب “الأجهزة الأمنية تقوم بواجبها على أكمل وجه، وألقت القبض على عدد من العناصر الإرهابية والمتورطين في اغتيال رجال الدين وغيرهم في عدن، ويتم التحقيق معهم وإحالتهم إلى القضاء”.

وأفاد المصدر ذاته، لموقع (ارفع صوتك)، بأنه من خلال التحقيقات اتضح أن دوافع بعض جرائم الاغتيال هو “إفراغ مدينة عدن من الكادر الديني، نتيجة لدور هؤلاء الضحايا في التوعية بمخاطر الجماعات الإرهابية والمتطرفة”.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أيام، اعترافات عالم عراقي معتقل في سجون السلطات الكردية، ضالع في صناعة أسلحة كيميائية لصالح "داعش"، وعمل ضمن فريق الأسلحة الكيميائية في التنظيم.

وفي مقابلته مع المعتقل سلمان العفري (52 عاماً)، يقول الصحافي مؤلف كتاب "رايات سوداء: صعود داعش" جوبي واريك، إن العفري بدا "شخصاً عاطفياً ومرتباً بطريقة مثالية". 

ناقلاً قول العفري "هل أشعر بالندم؟ لا أعرف إن كنت سأستخدم هذه الكلمة!"

لكن من هو العفري؟ وكيف وصل لداعش؟

يقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لـ (ارفع صوتك)،  إن سليمان داود العفري (أبو داود) هو مهندس سابق في هيئة التصنيع العسكري، التي كانت فاعلة قبل عام 2003.

وحكم على العفري بالإعدام نظراً لدوره في صناعة الأسلحة الكيميائية التي استخدمها التنظيم في عدة هجمات على مدنيين أو عسكريين خلال معاركه مع القوات العراقية والأميركية.

أما عائلة العفري فلا علاقة لها بنشاطه الإرهابي، وتعيش حالياً في مدينة الموصل، كما أنها غير مطلوبة أمنياً أو قضائياً، وفق تأكيد الهاشمي.

وأضاف الهاشمي أن "تفاهمات تجري حالياً من أجل نقله من أربيل لبغداد لتنفيذ حكم الإعدام".

علماً بأن أربيل سلّمت نهاية العام الماضي، 1400 معتقل داعشي تمهيداً لتسليم عدد آخر منهم.

والعفري من الأحياء القلائل الذين تم القبض عليهم من فريق صناعة الأسلحة الكيميائية، فيما أشار الهاشمي لآخرين عراقيين قُتلا في معارك التنظيم، هما: عبدالستّار اسكندر (أبو حكيم ) لداعش، وصالح محمد جاسم (أبو مالك).

وبعد مقتلهما، استلم ملف تطوير الأسلحة الكيميائية في داعش، مهندس وفيزيائي مصري، ساعده في مهمته المهندس العراقي محمود السبعاوي (أبو مالك)، الذي قتل جنوب الموصل من قبل سلاح الجو للتحالف الدولي، يقول الهاشمي.

هيئة التصنيع العسكري

في مقابلة الـ"واشنطن بوست" مع العفري في سجنه، قال إنه قبل بالانضمام لتنظيم داعش بسبب "حاجته للمال".

مضيفاً "أراد التنظيم فقط ترويع القوات العراقية التي حاولت استعادة أراضيها منه (.....) جاؤوا إليّ طلباً للمساعدة في المعدات والعتاد الذي يحتاجونه للأسلحة الكيميائية".

وقال العفري "لدي تجربة مع الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانوا يبحثون عن الفولاذ المقاوم للصدأ.. ليس لديك خيار سوى أن تصبح واحداً منهم".

كما أشرف على إنتاج التنظيم لـ"غاز الخردل" مدّة 15 شهراً.

ونشر صحيفة عراقية، الخميس، تقريراً  بعنوان "نحو 1250 موظفاً بالتصنيع العسكري في الموصل ينتظرون من يرأف بحالهم"

يسلّط الضوء على موظفين سابقين في هيئة التصنيع العسكري، التي عمل فيها العفري، وعددهم 1273، تم إلحاقهم بوزارة الصناعة والمعادن في وقت سابق، إلا أنهم توقفوا عن العمل بعد سيطرة "داعش" على مناطقهم ولم تتم إعادتهم بعد التحرير.

ويعزو أحد الموظفين من نينوى، السبب إلى "خشية الحكومة من أن أحدهم أو أكثر تورّط مع داعش".

وإذا عدنا لتاريخ هيئة التصنيع العسكري سنجد أنها تعرضت للتدمير والنهب وتخريب منشآتها بعد غزو العراق عام 2003، كما تمت تصفية كوادرها العلميَّة المتخصّصة في صناعة الأسلحة، على يد مليشيات مسلّحة.

وكانت تزوّد الجيش العراقي بكمّيات كبيرة من الذخائر والمعدّات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، وأيضاً القذائف والصواريخ طويلة ومتوسّطة المدى، إضافة إلى العربات والمدرَّعات المختلفة.

وأنشئت الهيئة في عهد النظام الأسبق برئاسة صدام حسين، نهاية السبعينيات، وتضاعف حجم منشآتها وانتاجها بسبب الحاجة للأسلحة في حرب العراق مع إيران. 

إلا أن الحروب المتتتالية (الخليج الأولى والثانية ثم غزو العراق) عرّضت منشآتها للتدمير والتخريب والنهب، بينما قُدّر عدد العاملين فيها قبل 2003 بـ 47 ألف عامل وموظَّف، موزَّعين على 33 شركة صناعيّة حربيّة.

ومن أبرز الأسلحة التي طوَّرتها هيئة التصنيع العسكري "الغاز المزدوج"، وهو من غازات الأعصاب.

وإذا كان الحاكم المدني الأول للعراق بول بريمر، أصدر القرار رقم 75 لسنة 2004، بحلّ هيئة التصنيع العسكري، فإن  مجلس الوزراء العراقي صوّت لصالح مشروع قانون هيئة التصنيع العسكري في أيار/مايو 2018.

ورغم التحرير وهزيمة التنظيم على يد القوات العراقية والتحالف الدولي، إلا أن آثار الأسلحة الكيمياية لا تزال موجودة في أماكن عدة، تركها التنظيم خلفه، ولا تزال تشكل خطراً على حياة المدنيين.