جامع النوري الكبير في الجانب الأيمن من مدينة الموصل الذي فجره داعش خلال معارك تحرير المدينة
جامع النوري الكبير في الجانب الأيمن من مدينة الموصل الذي فجره داعش خلال معارك تحرير المدينة

منذ سبعة أعوام لم يدخل سعيد عمر مسجدا.

المسجد قريب من منزله في الموصل، لكنه خائف.

في 2011، وعندما كان عمر خارجا من المسجد، شاهد صبيا يشهر مسدساً ويطلق النار على رأس مصل آخر أكبر منه سناً.  

القتيل كان موظفاً في دائرة العقارات، وكان الصبي مدفوعا من متطرفين لقتل كل من يعمل في الحكومة.

عاد سعيد عمر إلى المسجد هذا الأسبوع، لأول مرة منذ 2011.

جماعات إسلامية

شهدت غالبية مساجد الموصل بعد 2003 نشاطا مكثفا للجماعات الإسلامية المسلحة، التي جندت الشباب وحرضت على مهاجمة القوات الأمنية العراقية ومكونات المدينة المتنوعة.

عمر ليس الموصلي الوحيد الذي ترك المسجد، فالعديد من أبناء المدينة ورغم تحريرها من داعش، ما زالوا يفضلون الصلاة في المنازل.

أبو سعد (67 عاماً) موصلي آخر ترك الصلاة في المسجد عام 2010 بسبب الجماعات المتطرفة.

يقول إن تلك الجماعات حولت مساجد الموصل إلى مراكز لتوزيع أقراص الفيديو والبيانات الورقية التي كانت تدعو للعنف والتطرف، مبيناً أن هذه المجموعات المتطرفة كانت تتحكم بأمور المساجد وتجمع معلومات عن الناس.

مساجد الموصل في ظل داعش

بعد سيطرته على الموصل في حزيران/ يونيو 2014، استخدم التنظيم المساجد في ترسيخ سلطته، وفرض أفكاره على السكان، وعين خطباء يحملون فكره، وجعل الصلاة في المساجد إلزامية، يعاقب كل من يتخلف عن أدائها من رجال الموصل وشبابها.

محمد ذنون (34 عاما) شاب موصلي عاش في ظل داعش. يقول إن التنظيم "منع العديد من الطقوس التي اعتدنا عليها في المساجد، كقراءة القرآن يوم الجمعة وتكبيرات العيد".

ويلفت الى أنه ترك المسجد منذ اليوم الأول لسيطرة داعش على المدينة.

إجراءات رسمية

تصدر دائرة الوقف السني في الموصل بين الحين والآخر حزمة إجراءات وتعليمات الهدف منها منع عودة التطرف الى الموصل بعد تسعة أشهر فقط على تحريرها من داعش.

قررت الدائرة أن أبواب المساجد تفتح في أوقات الصلاة فقط، والتبرعات والدروس والمحاضرات داخل المساجد ممنوعة.

وفرضت أن يكون رفع الأذان وقراءة القرآن وفق المقام العراقي حصراً.

ويؤكد مسؤول شعبة التفتيش في الوقف السني محمد الحسني "هناك تركيز على أن يكون الخطاب الديني معتدلا يدعو لوحدة الصف ونبذ النعرات الطائفية والعرقية والمذهبية"، مشيراً الى أن خطبة موحدة ليوم الجمعة تكتب وفق استراتيجية تهدف لبناء فكر معتدل.

ويكشف الحسني أن تحركات الموظفين والمكلفين بشؤون المساجد جميعها يجب أن تكون تحت مراقبة الأوقاف، مضيفا أن جميع المساجد في الموصل أصبحت تحت إشراف دائرة الوقف السني.

ويشرح أن أي شخص اعتلى المنبر في عهد داعش لا يصعده اليوم، موضحا "علما أن داعش أبعد جميع الخطباء الذين لم يعتنقوا فكره، وأعدم قسما منهم".

ويُشدد الحسني على أن إلقاء الدروس في المساجد باتت ممنوعة، عدا تدريس القرآن الذي يجري تحت إشراف المجلس الإقرائي التابع للوقف.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أيام، اعترافات عالم عراقي معتقل في سجون السلطات الكردية، ضالع في صناعة أسلحة كيميائية لصالح "داعش"، وعمل ضمن فريق الأسلحة الكيميائية في التنظيم.

وفي مقابلته مع المعتقل سلمان العفري (52 عاماً)، يقول الصحافي مؤلف كتاب "رايات سوداء: صعود داعش" جوبي واريك، إن العفري بدا "شخصاً عاطفياً ومرتباً بطريقة مثالية". 

ناقلاً قول العفري "هل أشعر بالندم؟ لا أعرف إن كنت سأستخدم هذه الكلمة!"

لكن من هو العفري؟ وكيف وصل لداعش؟

يقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لـ (ارفع صوتك)،  إن سليمان داود العفري (أبو داود) هو مهندس سابق في هيئة التصنيع العسكري، التي كانت فاعلة قبل عام 2003.

وحكم على العفري بالإعدام نظراً لدوره في صناعة الأسلحة الكيميائية التي استخدمها التنظيم في عدة هجمات على مدنيين أو عسكريين خلال معاركه مع القوات العراقية والأميركية.

أما عائلة العفري فلا علاقة لها بنشاطه الإرهابي، وتعيش حالياً في مدينة الموصل، كما أنها غير مطلوبة أمنياً أو قضائياً، وفق تأكيد الهاشمي.

وأضاف الهاشمي أن "تفاهمات تجري حالياً من أجل نقله من أربيل لبغداد لتنفيذ حكم الإعدام".

علماً بأن أربيل سلّمت نهاية العام الماضي، 1400 معتقل داعشي تمهيداً لتسليم عدد آخر منهم.

والعفري من الأحياء القلائل الذين تم القبض عليهم من فريق صناعة الأسلحة الكيميائية، فيما أشار الهاشمي لآخرين عراقيين قُتلا في معارك التنظيم، هما: عبدالستّار اسكندر (أبو حكيم ) لداعش، وصالح محمد جاسم (أبو مالك).

وبعد مقتلهما، استلم ملف تطوير الأسلحة الكيميائية في داعش، مهندس وفيزيائي مصري، ساعده في مهمته المهندس العراقي محمود السبعاوي (أبو مالك)، الذي قتل جنوب الموصل من قبل سلاح الجو للتحالف الدولي، يقول الهاشمي.

هيئة التصنيع العسكري

في مقابلة الـ"واشنطن بوست" مع العفري في سجنه، قال إنه قبل بالانضمام لتنظيم داعش بسبب "حاجته للمال".

مضيفاً "أراد التنظيم فقط ترويع القوات العراقية التي حاولت استعادة أراضيها منه (.....) جاؤوا إليّ طلباً للمساعدة في المعدات والعتاد الذي يحتاجونه للأسلحة الكيميائية".

وقال العفري "لدي تجربة مع الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانوا يبحثون عن الفولاذ المقاوم للصدأ.. ليس لديك خيار سوى أن تصبح واحداً منهم".

كما أشرف على إنتاج التنظيم لـ"غاز الخردل" مدّة 15 شهراً.

ونشر صحيفة عراقية، الخميس، تقريراً  بعنوان "نحو 1250 موظفاً بالتصنيع العسكري في الموصل ينتظرون من يرأف بحالهم"

يسلّط الضوء على موظفين سابقين في هيئة التصنيع العسكري، التي عمل فيها العفري، وعددهم 1273، تم إلحاقهم بوزارة الصناعة والمعادن في وقت سابق، إلا أنهم توقفوا عن العمل بعد سيطرة "داعش" على مناطقهم ولم تتم إعادتهم بعد التحرير.

ويعزو أحد الموظفين من نينوى، السبب إلى "خشية الحكومة من أن أحدهم أو أكثر تورّط مع داعش".

وإذا عدنا لتاريخ هيئة التصنيع العسكري سنجد أنها تعرضت للتدمير والنهب وتخريب منشآتها بعد غزو العراق عام 2003، كما تمت تصفية كوادرها العلميَّة المتخصّصة في صناعة الأسلحة، على يد مليشيات مسلّحة.

وكانت تزوّد الجيش العراقي بكمّيات كبيرة من الذخائر والمعدّات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، وأيضاً القذائف والصواريخ طويلة ومتوسّطة المدى، إضافة إلى العربات والمدرَّعات المختلفة.

وأنشئت الهيئة في عهد النظام الأسبق برئاسة صدام حسين، نهاية السبعينيات، وتضاعف حجم منشآتها وانتاجها بسبب الحاجة للأسلحة في حرب العراق مع إيران. 

إلا أن الحروب المتتتالية (الخليج الأولى والثانية ثم غزو العراق) عرّضت منشآتها للتدمير والتخريب والنهب، بينما قُدّر عدد العاملين فيها قبل 2003 بـ 47 ألف عامل وموظَّف، موزَّعين على 33 شركة صناعيّة حربيّة.

ومن أبرز الأسلحة التي طوَّرتها هيئة التصنيع العسكري "الغاز المزدوج"، وهو من غازات الأعصاب.

وإذا كان الحاكم المدني الأول للعراق بول بريمر، أصدر القرار رقم 75 لسنة 2004، بحلّ هيئة التصنيع العسكري، فإن  مجلس الوزراء العراقي صوّت لصالح مشروع قانون هيئة التصنيع العسكري في أيار/مايو 2018.

ورغم التحرير وهزيمة التنظيم على يد القوات العراقية والتحالف الدولي، إلا أن آثار الأسلحة الكيمياية لا تزال موجودة في أماكن عدة، تركها التنظيم خلفه، ولا تزال تشكل خطراً على حياة المدنيين.