موقع تفجير سابق في عدن
موقع تفجير سابق في عدن

لا يزال عبدالله الخليدي، وهو مواطن يمني قُتلت زوجته وطفله البالغ مع العمر تسع سنوات بهجوم إرهابي قبل شهرين، غير قادر على تجاوز صدمته النفسية والجسدية.

“صحتي تدهورت كثيراً بعد الحادثة.. أحياناً أعجز عن النوم.. أتخيلهما في كل زوايا المكان”، قال الرجل الستيني متحدثا لموقع (ارفع صوتك) عبر الهاتف من مدينة عدن جنوبي غرب البلاد.

وفقد الخليدي، الذي بات يفكر جديا بالهجرة من البلاد، زوجته وطفله الياس نهاية شباط/فبراير الماضي بهجوم إرهابي بسيارتين مفخختين استهدف مقراً لقوات مكافحة الإرهاب في مدينة عدن التي تتخذها الحكومة اليمنية عاصمة مؤقتة للبلاد.

كان متفحما

وتنبى تنظيم داعش الهجوم الذي خلف نحو 50 قتيلاً وجريحاً معظمهم من المدنيين، ضمن سلسلة هجمات وعمليات اغتيال واسعة طالت خلال السنوات الأخيرة قيادات عسكرية وأمنية ومدنية رفيعة ورجال دين ومقرات حكومية في مدينة عدن.

كانت عائلة الخليدي على وشك العودة إلى المنزل من جولة للتنزه في ساحل جولد مور السياحي، عندما هاجم الإرهابيون المقر الأمني القريب من المكان المكتظ بالمنتزهين، ما أسفر عن سقوط تلك الحصيلة الثقيلة من القتلى والجرحى.

وقال عبدالله الخليدي “بعد وقت قصير تفاجأت باتصال من ابنتي وهي تبكي..".

 فهم الخالدي من ابنته أنهم في المستشفى، ثم انهارت ولم تستطع مواصلة الحديث، لكن شخصا آخر شرح له ما حدث.

هناك، وجد جثمان زوجته مضرجا بالدماء والشظايا في مختلف أنحاء جسدها، كذلك كانت ابنته غدير (23 عاماً) مصابة إصابات بالغة في أنحاء جسدها، وكذلك ابنه يونس (11 عاماً).

"رأيت الكثير من الدماء في المستشفى، لا أعتقد أنني سوف أستطيع أن أنسى هذ المشهد طوال عمري”.

“كانت حالتي صعبة جداً، أريد البقاء هناك بجانب عائلتي، لكني لم أجد طفلي إلياس بجوارهم، لم أجد جثمانه إلا بعد حوالي خمس ساعات في مستشفى آخر، كان متفحما”.

اقرأ أيضاً:

من يغتال المشايخ في اليمن؟

عديمو الإنسانية

أضاف الخليدي، وهو مغترب في بريطانيا عاد إلى عدن خلال فترة الحرب الحالية لزيارة عائلته، “معاناتي لا توصف، لكنني أحاول قدر الإمكان تمالك نفسي وإسعاد طفليّ الناجيين من الحادثة لاستمرار مشوار الحياة معهما”.

الطفل القتيل الياس وشقيقه يونس قبيل مقتله بساعة فقط/تنشر بإذن من عائلته لارفع صوتك

​​

“الأطباء نصحوني بتسفير ابنتي للعلاج خارج اليمن لأنها عاجزة عن تحريك إحدى ساقيها، وبعض الشظايا مازالت في جسدها، وكالمثل طفلي يونس”.

وشكى الرجل من تجاهل السلطات الرسمية له تماماً باعتباره أحد ضحايا الإرهاب. “لم أتلق حتى اتصالا واحدا من مسؤول يعزيني أو يقول لي عظم الله أجرك”.

كوابيس

ولا يخفي رامي علي (36 عاما)، وهو موظف حكومي في مدينة عدن، قلقه المستمر من الانفلات الأمني الكبير، قائلا “عندما نخرج من منازلنا لا نضمن أن نعود إليها سالمين”.

“حينما سمعت الانفجار نزلت من الباص وهربت بعيدا عن المكان، اعتقدت أنه داخل الباص الذي كنت راكبا فيه”، أضاف رامي، متحدثا لموقع (ارفع صوتك) عن هجوم إرهابي بسيارة ملغومة على مدخل إدارة المباحث العامة بعدن في 5 تشرين الأول/نوفمبر 2017.

وخلف الهجوم الذي تبناه أيضا تنظيم داعش، أكثر من 46 قتيلا و47 جريحا على الأقل، حسب مصادر أمنية.

ويوضح رامي “شاهدت أشلاء الجنود متناثرة في المكان.. غالبا ما تراودني كوابيس مزعجة أثناء النوم”.

اقرأ أيضاً:

طفلة يمنية: لا أريد الجنة.. أريد الحياة!

كرب

يقول الدكتور حسن بن عقيل، وهو اختصاصي أمراض نفسية “كثيرا ما يتعرض ضحايا العمليات الإرهابية لما يسمى كرب ما بعد الصدمة، حيث تظهر لدى الشخص أعراض من القلق والاكتئاب يترافق معها ذكريات ملحة للحادثة”.

وأضاف لموقع (ارفع صوتك) “بعض الضحايا يتطور لديهم المرض ويصل إلى حدود الذهان وعدم الإحساس وفقدان الذاكرة”.

وأشار إلى أن الآثار النفسية المترتبة لهذه الحوادث “تطال المصابين وأسرهم، وكثيرا من الأشخاص الذين حضروا الحادثة أو كانوا في مكانها أو حتى اولئك الذين قد يشاهدونها على شاشات التلفاز”.

وسرد الدكتور بن عقيل قصة أحد الضحايا الذين تعامل معهم، كان شابا في السابعة عشرة من العمر أرسله أصدقائه لشراء طعام لهم، وعندما عاد وجدهم أشلاء ممزقة في المنزل الذي كانوا يقطنوه نتيجة عملية إرهابية.

“هذا الشاب تعرض لاضطراب نفسي شديد جداً، واضطر إلى الرقود في مستشفى نفسي بصنعاء لتلقي العلاج”.

وأعرب عن اسفة لمحدودية مراكز العلاج والتأهيل النفسي لهؤلاء وغيرهم في اليمن.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أيام، اعترافات عالم عراقي معتقل في سجون السلطات الكردية، ضالع في صناعة أسلحة كيميائية لصالح "داعش"، وعمل ضمن فريق الأسلحة الكيميائية في التنظيم.

وفي مقابلته مع المعتقل سلمان العفري (52 عاماً)، يقول الصحافي مؤلف كتاب "رايات سوداء: صعود داعش" جوبي واريك، إن العفري بدا "شخصاً عاطفياً ومرتباً بطريقة مثالية". 

ناقلاً قول العفري "هل أشعر بالندم؟ لا أعرف إن كنت سأستخدم هذه الكلمة!"

لكن من هو العفري؟ وكيف وصل لداعش؟

يقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لـ (ارفع صوتك)،  إن سليمان داود العفري (أبو داود) هو مهندس سابق في هيئة التصنيع العسكري، التي كانت فاعلة قبل عام 2003.

وحكم على العفري بالإعدام نظراً لدوره في صناعة الأسلحة الكيميائية التي استخدمها التنظيم في عدة هجمات على مدنيين أو عسكريين خلال معاركه مع القوات العراقية والأميركية.

أما عائلة العفري فلا علاقة لها بنشاطه الإرهابي، وتعيش حالياً في مدينة الموصل، كما أنها غير مطلوبة أمنياً أو قضائياً، وفق تأكيد الهاشمي.

وأضاف الهاشمي أن "تفاهمات تجري حالياً من أجل نقله من أربيل لبغداد لتنفيذ حكم الإعدام".

علماً بأن أربيل سلّمت نهاية العام الماضي، 1400 معتقل داعشي تمهيداً لتسليم عدد آخر منهم.

والعفري من الأحياء القلائل الذين تم القبض عليهم من فريق صناعة الأسلحة الكيميائية، فيما أشار الهاشمي لآخرين عراقيين قُتلا في معارك التنظيم، هما: عبدالستّار اسكندر (أبو حكيم ) لداعش، وصالح محمد جاسم (أبو مالك).

وبعد مقتلهما، استلم ملف تطوير الأسلحة الكيميائية في داعش، مهندس وفيزيائي مصري، ساعده في مهمته المهندس العراقي محمود السبعاوي (أبو مالك)، الذي قتل جنوب الموصل من قبل سلاح الجو للتحالف الدولي، يقول الهاشمي.

هيئة التصنيع العسكري

في مقابلة الـ"واشنطن بوست" مع العفري في سجنه، قال إنه قبل بالانضمام لتنظيم داعش بسبب "حاجته للمال".

مضيفاً "أراد التنظيم فقط ترويع القوات العراقية التي حاولت استعادة أراضيها منه (.....) جاؤوا إليّ طلباً للمساعدة في المعدات والعتاد الذي يحتاجونه للأسلحة الكيميائية".

وقال العفري "لدي تجربة مع الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانوا يبحثون عن الفولاذ المقاوم للصدأ.. ليس لديك خيار سوى أن تصبح واحداً منهم".

كما أشرف على إنتاج التنظيم لـ"غاز الخردل" مدّة 15 شهراً.

ونشر صحيفة عراقية، الخميس، تقريراً  بعنوان "نحو 1250 موظفاً بالتصنيع العسكري في الموصل ينتظرون من يرأف بحالهم"

يسلّط الضوء على موظفين سابقين في هيئة التصنيع العسكري، التي عمل فيها العفري، وعددهم 1273، تم إلحاقهم بوزارة الصناعة والمعادن في وقت سابق، إلا أنهم توقفوا عن العمل بعد سيطرة "داعش" على مناطقهم ولم تتم إعادتهم بعد التحرير.

ويعزو أحد الموظفين من نينوى، السبب إلى "خشية الحكومة من أن أحدهم أو أكثر تورّط مع داعش".

وإذا عدنا لتاريخ هيئة التصنيع العسكري سنجد أنها تعرضت للتدمير والنهب وتخريب منشآتها بعد غزو العراق عام 2003، كما تمت تصفية كوادرها العلميَّة المتخصّصة في صناعة الأسلحة، على يد مليشيات مسلّحة.

وكانت تزوّد الجيش العراقي بكمّيات كبيرة من الذخائر والمعدّات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، وأيضاً القذائف والصواريخ طويلة ومتوسّطة المدى، إضافة إلى العربات والمدرَّعات المختلفة.

وأنشئت الهيئة في عهد النظام الأسبق برئاسة صدام حسين، نهاية السبعينيات، وتضاعف حجم منشآتها وانتاجها بسبب الحاجة للأسلحة في حرب العراق مع إيران. 

إلا أن الحروب المتتتالية (الخليج الأولى والثانية ثم غزو العراق) عرّضت منشآتها للتدمير والتخريب والنهب، بينما قُدّر عدد العاملين فيها قبل 2003 بـ 47 ألف عامل وموظَّف، موزَّعين على 33 شركة صناعيّة حربيّة.

ومن أبرز الأسلحة التي طوَّرتها هيئة التصنيع العسكري "الغاز المزدوج"، وهو من غازات الأعصاب.

وإذا كان الحاكم المدني الأول للعراق بول بريمر، أصدر القرار رقم 75 لسنة 2004، بحلّ هيئة التصنيع العسكري، فإن  مجلس الوزراء العراقي صوّت لصالح مشروع قانون هيئة التصنيع العسكري في أيار/مايو 2018.

ورغم التحرير وهزيمة التنظيم على يد القوات العراقية والتحالف الدولي، إلا أن آثار الأسلحة الكيمياية لا تزال موجودة في أماكن عدة، تركها التنظيم خلفه، ولا تزال تشكل خطراً على حياة المدنيين.