متطوعون من أبناء عشائر الأنبار يقفون صفا للانخراط في صفوف القوات الأمنية/وكالة الصحافة الفرنسية
متطوعون من أبناء عشائر الأنبار يقفون صفا للانخراط في صفوف القوات الأمنية/وكالة الصحافة الفرنسية

الرمادي- محمد الجميلي:

ما المقصود بالمصالحة المجتمعية؟ وفي أي أجواء تتم في الأنبار؟ وبين من ومن؟ ما مصير مناصري الفكر المتطرف والتشدد الديني؟

كثيراً ما تعالت أصوات بعد تحرير الأنبار وغيرها من المناطق التي استولى عليها تنظيم داعش، عن مصالحة مجتمعية، إلا أن تلك المصالحة لم تكن واضحة المعالم أو المفهوم.

شخصيات اجتماعية من مثقفين، علماء دين وشيوخ عشائر، عملت على "ترسيخ فكرة المصالحة المجتمعية وتغليبها على مبدأ الأخذ بالثأر، وذلك لمنع حدوث اقتتال مناطقي وعشائري في المناطق المحررة من الأنبار". يقول د. إسماعيل الجميلي الأستاذ في جامعة الأنبار.

وثيقة عهد.. هل تكفي؟

شيوخ العشائر وبعد تحرير محافظة الأنبار عملوا على منع حدوث إقتتال مناطقي وعشائري في المحافظة من خلال إصدار وثيقة عهد وقعت عليها 15 قبيلة بعشائرها من جميع مناطق الأنبار، هذا ما يؤكده الشيخ عبدالوهاب البيلاوي رئيس مجلس العشائر المتصدية للإرهاب.

البيلاوي أشار إلى إن "وثيقة العهد" تكتسب أهميتها من خلال ما يلي:

* تجرم داعش وأفعاله، ومن انتمى لهذا التنظيم لا مصالحة معه.

* العمل على إعادة من هم في المخيمات (عوائل من انتمى لداعش) إلى مناطقهم الأصلية وفق المصالحة المجتمعية بالتنسيق مع الحكومة المحلية والقوات الأمنية بعد التدقيق الأمني، وبيان ما إذا كانوا مطلوبين عشائريا لضمان عدم حدوث عمليات ثأر اتجاههم.

* ملزمة لجميع العشائر والتي وقفت مع القوات الأمنية في تحرير مناطق الأنبار.

الشرطة المجتمعية؟

قيادة شرطة الأنبار، عملت من جهتها على إعادة افتتاح مراكز "الشرطة المجتمعية"، والعمل بها من جديد بعد توقف جراء خروج المحافظة عن السيطرة إبان احتلالها من قبل تنظيم داعش.

ويقول مدير الشرطة المجتمعية في محافظة الأنبار العقيد وليد المشهداني "عملت قيادة الشرطة في الأنبار ومنذ تحرير المدن على تفعيل دور الشرطة المجتمعية حيث تم افتتاح 14 مركزاً في العديد من الأقضية في خطوة لإزالة الحواجز والصعوبات بين المواطن ورجل الأمن".

وفي هذا المجال الحيوي، رعت منظمات دولية تأسيس منتديات وملتقيات كانت صلة الوصل بين المواطن والجهات الرسمية، وأسهمت بحل أكثر من 1500 قضية خلال عامين بعد نهاية داعش.

تلك المنتديات ركّزت في تعاطيها مع المواطن على "ضرورة مساندة رجل الأمن"، فتعزيز سلطته يعني تعزيزا لقوة الدولة وبالتالي قوة القانون وتحقيق العدل بما يعني تعزيز السلام الاجتماعي.

وكان برنامج الامم المتحدة الانمائي تعاون مع البرلمان العراقي في عقد "مؤتمر المصالحة المجتمعية والتماسك الاجتماعي" قبل أكثر من عامين، معتبرا ذلك عملاً جوهرياً "نحو حو عراق آمن ومزدهر".

​​كما وقّع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في بغداد ومكتب رئيس الوزراء العراقي، في العام الماضي، اتفاق شراكة لتعزيز المصالحة المدنية والمجتمعية في العراق.

يعمل عبره البرنامج الإنمائي على تعزيز لجان السلام المحلية ودعمها، ويساعد المجتمعات المحلية في جمع معلومات حول الفظائع والانتهاكات المرتكبة ضد المواطنين خلال النزاع.

وقالت الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق ليز غراندي "يساعد البرنامج الإنمائي في إعادة بناء المدن والمناطق المحرّرة. وتهدف هذه الشراكة الجديدة إلى التركيز على المصالحة لضمان استمرار السلام".

وقبل ذلك بأشهر سعت المنظمة الدولية إلى اقامة شراكة مع منظمات المجتمع المدني العراقي لمناقشة كيفية تعزيز المشاركة الفاعلة للمجتمع المدني في المصالحة السياسية والمجتمعية، ومكافحة التمييز العرقي والطائفي والمناطقي.

وفي شباط/فبراير من العام الجاري أكد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، إن حكومته بدأت العمل بالمصالحة المجتمعية بعد أن استعادت الأراضي من تنظيم داعش.

وأشار العبادي خلال استقباله وفداً من "المعهد الأميركي للسلام" إلى أهمية المصالحة التي يتم العمل عليها"، وإن كانت هناك "عناصر صغيرة (لم يسمّها) تحاول عرقلتها".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قبل أيام، اعترافات عالم عراقي معتقل في سجون السلطات الكردية، ضالع في صناعة أسلحة كيميائية لصالح "داعش"، وعمل ضمن فريق الأسلحة الكيميائية في التنظيم.

وفي مقابلته مع المعتقل سلمان العفري (52 عاماً)، يقول الصحافي مؤلف كتاب "رايات سوداء: صعود داعش" جوبي واريك، إن العفري بدا "شخصاً عاطفياً ومرتباً بطريقة مثالية". 

ناقلاً قول العفري "هل أشعر بالندم؟ لا أعرف إن كنت سأستخدم هذه الكلمة!"

لكن من هو العفري؟ وكيف وصل لداعش؟

يقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لـ (ارفع صوتك)،  إن سليمان داود العفري (أبو داود) هو مهندس سابق في هيئة التصنيع العسكري، التي كانت فاعلة قبل عام 2003.

وحكم على العفري بالإعدام نظراً لدوره في صناعة الأسلحة الكيميائية التي استخدمها التنظيم في عدة هجمات على مدنيين أو عسكريين خلال معاركه مع القوات العراقية والأميركية.

أما عائلة العفري فلا علاقة لها بنشاطه الإرهابي، وتعيش حالياً في مدينة الموصل، كما أنها غير مطلوبة أمنياً أو قضائياً، وفق تأكيد الهاشمي.

وأضاف الهاشمي أن "تفاهمات تجري حالياً من أجل نقله من أربيل لبغداد لتنفيذ حكم الإعدام".

علماً بأن أربيل سلّمت نهاية العام الماضي، 1400 معتقل داعشي تمهيداً لتسليم عدد آخر منهم.

والعفري من الأحياء القلائل الذين تم القبض عليهم من فريق صناعة الأسلحة الكيميائية، فيما أشار الهاشمي لآخرين عراقيين قُتلا في معارك التنظيم، هما: عبدالستّار اسكندر (أبو حكيم ) لداعش، وصالح محمد جاسم (أبو مالك).

وبعد مقتلهما، استلم ملف تطوير الأسلحة الكيميائية في داعش، مهندس وفيزيائي مصري، ساعده في مهمته المهندس العراقي محمود السبعاوي (أبو مالك)، الذي قتل جنوب الموصل من قبل سلاح الجو للتحالف الدولي، يقول الهاشمي.

هيئة التصنيع العسكري

في مقابلة الـ"واشنطن بوست" مع العفري في سجنه، قال إنه قبل بالانضمام لتنظيم داعش بسبب "حاجته للمال".

مضيفاً "أراد التنظيم فقط ترويع القوات العراقية التي حاولت استعادة أراضيها منه (.....) جاؤوا إليّ طلباً للمساعدة في المعدات والعتاد الذي يحتاجونه للأسلحة الكيميائية".

وقال العفري "لدي تجربة مع الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانوا يبحثون عن الفولاذ المقاوم للصدأ.. ليس لديك خيار سوى أن تصبح واحداً منهم".

كما أشرف على إنتاج التنظيم لـ"غاز الخردل" مدّة 15 شهراً.

ونشر صحيفة عراقية، الخميس، تقريراً  بعنوان "نحو 1250 موظفاً بالتصنيع العسكري في الموصل ينتظرون من يرأف بحالهم"

يسلّط الضوء على موظفين سابقين في هيئة التصنيع العسكري، التي عمل فيها العفري، وعددهم 1273، تم إلحاقهم بوزارة الصناعة والمعادن في وقت سابق، إلا أنهم توقفوا عن العمل بعد سيطرة "داعش" على مناطقهم ولم تتم إعادتهم بعد التحرير.

ويعزو أحد الموظفين من نينوى، السبب إلى "خشية الحكومة من أن أحدهم أو أكثر تورّط مع داعش".

وإذا عدنا لتاريخ هيئة التصنيع العسكري سنجد أنها تعرضت للتدمير والنهب وتخريب منشآتها بعد غزو العراق عام 2003، كما تمت تصفية كوادرها العلميَّة المتخصّصة في صناعة الأسلحة، على يد مليشيات مسلّحة.

وكانت تزوّد الجيش العراقي بكمّيات كبيرة من الذخائر والمعدّات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، وأيضاً القذائف والصواريخ طويلة ومتوسّطة المدى، إضافة إلى العربات والمدرَّعات المختلفة.

وأنشئت الهيئة في عهد النظام الأسبق برئاسة صدام حسين، نهاية السبعينيات، وتضاعف حجم منشآتها وانتاجها بسبب الحاجة للأسلحة في حرب العراق مع إيران. 

إلا أن الحروب المتتتالية (الخليج الأولى والثانية ثم غزو العراق) عرّضت منشآتها للتدمير والتخريب والنهب، بينما قُدّر عدد العاملين فيها قبل 2003 بـ 47 ألف عامل وموظَّف، موزَّعين على 33 شركة صناعيّة حربيّة.

ومن أبرز الأسلحة التي طوَّرتها هيئة التصنيع العسكري "الغاز المزدوج"، وهو من غازات الأعصاب.

وإذا كان الحاكم المدني الأول للعراق بول بريمر، أصدر القرار رقم 75 لسنة 2004، بحلّ هيئة التصنيع العسكري، فإن  مجلس الوزراء العراقي صوّت لصالح مشروع قانون هيئة التصنيع العسكري في أيار/مايو 2018.

ورغم التحرير وهزيمة التنظيم على يد القوات العراقية والتحالف الدولي، إلا أن آثار الأسلحة الكيمياية لا تزال موجودة في أماكن عدة، تركها التنظيم خلفه، ولا تزال تشكل خطراً على حياة المدنيين.