تأسست الجماعة الإسلامية في لبنان في ستينات القرن الماضي، بتأثير من أفكار جماعة الإخوان المسلمين.
تأسست الجماعة الإسلامية في لبنان في ستينات القرن الماضي، بتأثير من أفكار جماعة الإخوان المسلمين. | Source: الجماعة الإسلامية

أيقظ هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 "قوات الفجر"، الجناح العسكري للجماعة الإسلامية، من سباتها، وعادت إلى العمل العسكري انطلاقاً من جنوب لبنان.

هذه القوات التي نشأت في العام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، تجمّد نشاطها العسكري بعدما احتكر "حزب الله" إلى حدّ كبير العمل العسكري ضد إسرائيل في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990، وسيطرته الأمنية الواسعة على الحدود اللبنانية مع إسرائيل.

مع اندلاع الحرب في غزة، شاركت "قوات الفجر" في عمليات عسكرية ضد إسرائيل، وسقط لها قتلى في المواجهات، قامت بتشييع بعضهم في بيروت في ظهور مسلّح، أثار حفيظة نواب من العاصمة، اعترضوا على المظاهر المسلّحة.

لا يرى الكاتب السياسي المتخصص في الحركات الإسلامية قاسم قصير أن الظهور المسلح للجماعة الإسلامية أمر جديد، ولا يعتبر ما حصل "مظاهر غريبة أو استفزازية". وبرأيه فإن "الجماعة الإسلامية، منذ بدء معركة طوفان الاقصى، أعلنت مشاركتها في المعركة وقد سقط لها عناصر سواء عند اغتيال الحاج صالح العاروري او مؤخراً في المواجهات على الحدود".

على الصعيد الفكري، كما يشرح قصير لـ"ارفع صوتك"، تشكّل الجماعة الإسلامية "امتداداً لتيار الإخوان المسلمين لكن لكل تنظيم إسلامي رؤيته المحلية. وهناك نقاط مشتركة ومنها قضية فلسطين".

ولا تخفي الجماعة انتماءها إلى تيار الإخوان المسلمين، بل جاهر نائب رئيس المكتب السياسي للجماعة بسام حمود بأنها "وحركة حماس وجهان لعملة واحدة". وهذا مردّه، بحسب قصير، إلى "تاريخية العلاقة بين الجماعة الإسلامية وحماس وهناك تنسيق وتعاون بين الطرفين، وأفراد حماس في لبنان خرجوا من رحم الجماعة قبل انفصالهم عنها".

ومع أن الحضور السياسي للجماعة الاسلامية، كتنظيم عقائدي سنّي، شهد تراجعاً في المشهد اللبناني الداخلي في السنوات الأخيرة، إلا أن قصير يرى أن الجماعة "من أهم وأعرق التنظيمات الإسلامية في لبنان ولديها حضور شعبي في العديد من المناطق اللبنانية".

وعرف لبنان مثل كثير من الدول العربية حضور حركة الإخوان المسلمين في بنيته السياسية والاجتماعية منذ العام 1964، كما جاء في كتاب "التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية" للباحث حيدر ابراهيم علي.

ولكن هذه الحركة، كما يقول الباحث، كانت متواضعة على الرغم من اعتماد التنظيم ككل على مطابع ودور نشر لبنان في نشر كتب منظّري الإخوان مثل حسن البنا وسيد قطب وغيرهما.

ويشير علي إلى أن فكر الاخوان المسلمين حضر في حركتين سنيتين هما الجماعة الإسلامية وحزب التحرير (بقي تأثيره محدوداً وكذلك شعبيته). ويلاحظ أن هاتين الحركتين "لم تحملا السلاح في المعارك الداخلية اللبنانية لقناعة ثابتة بعدم جدوى هذا العمل المسلح لأن رؤيتهما النظرية للصراع تعتبر  هذا القتال خارج الدعوة الشرعية المسموح بها للقتال، وهي القتال لإقامة حكم إسلامي، أو إعلان الخلافة".

لكن ذلك لم يمنع من ظهور مجموعات صغيرة عديدة ضمت مقاتلين مثل "جند الله" و"شباب محمد" و"قوات الفجر" التابعة للجماعة الإسلامية، وهذه الأخيرة كان هدف تأسيسها قتال إسرائيل بعد اجتياح بيروت في العام 1982.

وترى مصادر مقربة من الجماعة، في تصريحات صحافية، ارتباطاً تاريخياً بينها وبين "حزب الله" اللبناني، خصوصاً أن "أحد معسكراتها كانت مركزا لتدريب شباب من حزب الله، لا سيما أن "المقاومة الإسلامية" التي انطلقت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في يونيو 1982، كانت بجناحين، الأول لـ "قوات الفجر" الجناح العسكري للجماعة الإسلامية، والثاني كان لشباب من جنوب لبنان مهدوا لإطلاق حزب الله رسميا سنة 1983".

يطرح هذا تساؤلات عن استقلالية قرار الجماعة الاسلامية في ما يخص العمل العسكري. لكن قصير يرى أن "حزب الله لا يسيطر على قرار الجماعة، وأن لديها مؤسسات قيادية تأخذ القرارات والمشاركة في العمل العسكري جرت مناقشتها داخل مؤسسات الجماعة وتم التوافق عليها داخلياً". وهو يعتقد أن "قوات الفجر لها هيكلية مستقلة وهي تتعاون مع حزب الله، لكنها ليست تابعة له".

وشهدت العلاقة بين "حزب الله" والجماعة الإسلامية مداً وجزراً، طوال السنوات السابقة. وتوتّرت بعد العام 2011 مع اندلاع الأحداث السورية ومشاركة "حزب الله" في القتال إلى جانب النظام السوري ضد المعارضة السورية.

 لكن هذه العلاقة "توثقت خلال المرحلة الاخيرة"، كما يؤكد قصير، و"يتم عقد لقاءات ثنائية ومشتركة لدراسة التطورات والاتفاق على رؤية مشتركة للتعاون في المرحلة المقبلة".

وبحسب قصير "تشكل المقاومة ودعم الشعب الفلسطيني احدى اهم نقاط التوافق بينهما وتم تجاوز مرحلة الخلافات".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لصف من جنود الجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان ضد قوات الدعم السريع
صورة تعبيرية لصف من جنود الجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان ضد قوات الدعم السريع

شنَّ رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، هجوماً عنيفاً ضد "كتيبة البراء" التابعة لجيشه، منتقداً "الروح الانفصالية" التي أظهرتها في معاركها الأخيرة ضد قوات الدعم السريع.

وخلال لقاء عُقد في الكلية الحربية، قال البرهان إن "تصرفات ناس البراء ما بنوافق عليه، ما بنوافق على كيانات موالية"، مشيراً إلى أن عددا الدول انصرفت عن دعم الجيش بسبب ممارسات هذه الكتيبة.

 

الإسلاميون والسلطة بعد الثورة

منذ اشتعال الحرب الدائرة في السودان، أظهرت فصائل عسكرية إسلامية دعمها لقوات الجيش في صراعها ضد مليشيات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، منها وحدات "الطيارين" و"البرق الخاطف"، لكنّ كتيبة "البراء بن مالك" كانت على رأسها بسبب قوة تسليحها وقسوة تدريب أفرادها.

بشكلٍ عام، فإن جميع هذه القوات تمتلك خبرة قتالية كبيرة بعدما أسهمت بشكلٍ كبير في حرب جنوب السودان التي خاضها نظام عمر البشير قديماً ضد المليشيات المتمردة.

ورغم أن كتيبة "البراء بن مالك" تعدُّ فصيلاً تابعاً للجيش السوداني إلا أنها طالما رُبطت بالحركة الإسلامية السودانية، الحاضن الأساسي لنظام البشير منذ استيلائه على السُلطة.

اسم الكتيبة مشتقٌّ من لقب أحد صحابة الرسول محمد الذي اشتهر ببسالته الكبيرة في المعارك التي خاضها المسلمون بعد وفاة الرسول، في العراق وفارس، حتى قُتل في إحداها، كما أن رايتها تحمل شعاراً إسلامياً هو "لبيك يا رسول الله".

#كتيبة_البراء ما علاقة كتيبة البراء بن مالك بالمقاومة الشعبية ؟! كتيبة البراء قوات خاصة تابعة لقوات الدفاع الشعبي...

Posted by ‎محمد السر مساعد - Mohamed Elsir Massaad‎ on Friday, March 29, 2024

لهذه الأسباب، حظيت مشاركة الكتيبة الإسلامية باهتمام إعلامي واسع بعدما نُظر لأنشطتها على أنها محاولة من الإسلاميين لاستعادة نشاطهم من جديد في الساحة السودانية أضعفته الثورة الشعبية عام 2018.

وعقب اشتعال القتال مع قوات الدعم السريع أطلق البرهان نداءً لكل السودانيين بحمل السلاح ومؤازرة الجيش في معاركه، تحت هذا الغطاء أعلنت كتيبة "البراء" دخولها المعركة ضد رجال حميدتي.

 

رجال البشير

بعد وصوله إلى السُلطة في عام 1989، أنشأ البشير قوات إسلامية موازية للجيش تخضع له بشكلٍ مباشر بهدف حماية سُلطته من أي انقلابٍ جديد، عُرفت باسم "قوات الدفاع الشعبي"، اعتمد عليها في حربه بالجنوب ضد المليشيات المسيحية المتمردة.

بشكلٍ عام، بلغ حجم قوات "الدفاع الشعبي" قرابة 100 ألف مقاتل. وجرى حل هذه القوة عقب الثورة السودانية لتتحوّل إلى "قوة احتياط" تابعة للوزارة في يناير 2020.

فور اشتعال الحرب الأهلية في السودان في أبريل الماضي، عاد اسم "البراء" إلى الواجهة مُجدداً، حيث كان مقاتلوها من أوائل المنخرطين في الحرب ضد رجال حميدتي.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر لواء مجاهدي كتيبة البراء بن مالك إدارة القوات الخاصة او (دقشك) كما يحلو لنا يستلم التسليح الان... سترون منا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت #براؤون_يارسول_الله #جيش_واحد #القوات_المسلحة #كتيبة_البراء_بن_مالك

Posted by ‎إدارة الإحتياط - القوات الخاصة‎ on Saturday, April 15, 2023

عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة تعدّدت الفيديوهات التي كشفت توسّع أنشطة "البراء" في جبهات القتال، فظهرت خلال معارك العاصمة الخرطوم ومدن القضارف شرقي السودان.

وفي منتصف العام الماضي قُتل محمد الفضل عبد الواحد عثمان، القيادي الإسلامي وهو يقاتل ضمن صفوف الكتيبة ضد قوات الدعم السريع.

وكان الفضل محسوباً على جماعة البشير؛ فهو ابن شقيق مصطفى عثمان أحد الذين تولوا وزارة الخارجية في عهد البشير، وسبَق للفضل أن التحق بالمليشيات الجهادية في العراق والشام قبل أن يعود إلى السودان.

خلال هذه الحرب ذاع صيت المصباح أبو زيد القائد الشاب لكتيبة "البراء" المعروف بانتمائه السابق للحركة الإسلامية السودانية، الذي يسعى لاكتساب شعبية بين صفوف السودانيين عبر القيام بزيارات ميدانية لمواقع القتال يحظى خلالها باستقبالٍ حافل وهو يستقل سيارات رباعية الدفع تحمل شعارات دينية مثل "براؤون يا رسول الله"، وهي أنشودة دينية يرددها مقاتلو الكتيبة بشكلٍ دائم حتى ارتبطت بهم بشكلٍ غير رسمي.

⭕️ كتيبة البراء بولاية الجزيرة ،،على بركة الله #القوات_المسلحة_السودانية #معركة_الكرامة | #جيش_واحد_شعب_واحد #سودان_واحد_موحد | #براؤون_يارسول_الله

Posted by Mohy Alden Alhadei on Tuesday, April 16, 2024

وتزدحم مواقع التواصل بعشرات الفيديوهات لأبي زيد يستخدم الخطاب الإسلامي. وفي أكتوبر الماضي التُقط له فيديو وهو يصافح المُصلين داخل أحد المساجد بعدما وضع على كتفيه رُتبة رائد رغم أنه لم يحظَ بمسيرة منتظمة في صفوف الجيش.

أظهرت هذه الوقائع تعمّق العلاقة بين "الجيش السوداني" و"البراء"، وحين أصيب  أبو زيد حرص البرهان على زيارته في المستشفى حيث يتلقى العلاج، معرباً عن دعمه له وامتنانه لدور الكتيبة الكبير في الدفاع عن الجيش السوداني.

كذلك، كثرت الشائعات في الساحة السودانية حول تلقّي الكتيبة دعماً مالياً من الخرطوم حتى سرت شائعة بأن وزارة المالية خصصت 270 مليون جنيه سوداني لكفالة أسر "شهداء الكتيبة"، وهي المعلومات التي نفاها أحمد محمود المستشار الإعلامي لوزير المالية السوداني.

 

التغريد خارج السرب

اتبعت كتيبة "البراء بن مالك" نهجاً متطرفاً في حربها ضد قوات الدعم السريع بعدما أعلنت أن جميع أماكن تواجدها هي أهداف عسكرية مشروعة لها، داعيةً المواطنين للابتعاد عن أماكن سيطرة قوات حميدتي.

خلال مارس الماضي، خاضت "البراء" ضد رجال الدعم السريع عدة معارك ناجحة، إحداها حين انتزعت السيطرة على مقر الهيئة العامة للتلفزيون في الخرطوم.

بعدها بشهرٍ تقريباً، اجتمع المئات من عناصر الكتيبة لتناول الإفطار الجماعي في إحدى القاعات وسط مدينة عطبرة شمال السودان، هاجمت الجمع طائرة مسيّرة أوقعت فيهم عشرات القتلى والجرحى. كان لافتاً أن أحد ضحايا هذا الحادث عبدالإله أحمد الرائد في الجيش السوداني.

بحسب تقارير محلية فإن هذا الحادث كاد أن يودي بحياة أبي زيد نفسه لولا أنه غادر القاعة قبل الانفجار بدقائق. بعدها أجرى جولة على جنوده المصابين وتوعّد بقتل ألف فردٍ  من الدعم السريع مقابل كل قتيل من رجاله.

هذه العملية أثارت غضب البرهان حتى أنه قرر زيارة عطبرة بعد يومٍ واحد من استهداف "قاعة الإفطار" حيث تجول في المدينة والتقى ببعض قيادات كتيبة "البراء".

رغم هذه الزيارة، فإن الانتقادات لم تكفّ عن ملاحقة الكتيبة واتباعها نهجاً عسكرياً لا يخضع مباشرة لقيادة وزارة الدفاع السوداني، وهي الاتهامات التي حاول أبو زيد نفيها في أكثر من خطاب، مؤكداً أن قواته لا تتحرك إلا بتكليفٍ من القوات المسلحة.

وهي المعلومات التي نفاها البرهان نفسه بحديثه الأخير وسط مخاوف بين السودانيين من أن دعم البرهان لمقاتلي "البراء" قد يخلق "حميدتي آخر" يخوض حرباً أهلية أخرى في المستقبل.