صورة تعبيرية لصف من جنود الجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان ضد قوات الدعم السريع
صورة تعبيرية لصف من جنود الجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان ضد قوات الدعم السريع

شنَّ رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، هجوماً عنيفاً ضد "كتيبة البراء" التابعة لجيشه، منتقداً "الروح الانفصالية" التي أظهرتها في معاركها الأخيرة ضد قوات الدعم السريع.

وخلال لقاء عُقد في الكلية الحربية، قال البرهان إن "تصرفات ناس البراء ما بنوافق عليه، ما بنوافق على كيانات موالية"، مشيراً إلى أن عددا الدول انصرفت عن دعم الجيش بسبب ممارسات هذه الكتيبة.

 

الإسلاميون والسلطة بعد الثورة

منذ اشتعال الحرب الدائرة في السودان، أظهرت فصائل عسكرية إسلامية دعمها لقوات الجيش في صراعها ضد مليشيات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، منها وحدات "الطيارين" و"البرق الخاطف"، لكنّ كتيبة "البراء بن مالك" كانت على رأسها بسبب قوة تسليحها وقسوة تدريب أفرادها.

بشكلٍ عام، فإن جميع هذه القوات تمتلك خبرة قتالية كبيرة بعدما أسهمت بشكلٍ كبير في حرب جنوب السودان التي خاضها نظام عمر البشير قديماً ضد المليشيات المتمردة.

ورغم أن كتيبة "البراء بن مالك" تعدُّ فصيلاً تابعاً للجيش السوداني إلا أنها طالما رُبطت بالحركة الإسلامية السودانية، الحاضن الأساسي لنظام البشير منذ استيلائه على السُلطة.

اسم الكتيبة مشتقٌّ من لقب أحد صحابة الرسول محمد الذي اشتهر ببسالته الكبيرة في المعارك التي خاضها المسلمون بعد وفاة الرسول، في العراق وفارس، حتى قُتل في إحداها، كما أن رايتها تحمل شعاراً إسلامياً هو "لبيك يا رسول الله".

لهذه الأسباب، حظيت مشاركة الكتيبة الإسلامية باهتمام إعلامي واسع بعدما نُظر لأنشطتها على أنها محاولة من الإسلاميين لاستعادة نشاطهم من جديد في الساحة السودانية أضعفته الثورة الشعبية عام 2018.

وعقب اشتعال القتال مع قوات الدعم السريع أطلق البرهان نداءً لكل السودانيين بحمل السلاح ومؤازرة الجيش في معاركه، تحت هذا الغطاء أعلنت كتيبة "البراء" دخولها المعركة ضد رجال حميدتي.

 

رجال البشير

بعد وصوله إلى السُلطة في عام 1989، أنشأ البشير قوات إسلامية موازية للجيش تخضع له بشكلٍ مباشر بهدف حماية سُلطته من أي انقلابٍ جديد، عُرفت باسم "قوات الدفاع الشعبي"، اعتمد عليها في حربه بالجنوب ضد المليشيات المسيحية المتمردة.

بشكلٍ عام، بلغ حجم قوات "الدفاع الشعبي" قرابة 100 ألف مقاتل. وجرى حل هذه القوة عقب الثورة السودانية لتتحوّل إلى "قوة احتياط" تابعة للوزارة في يناير 2020.

فور اشتعال الحرب الأهلية في السودان في أبريل الماضي، عاد اسم "البراء" إلى الواجهة مُجدداً، حيث كان مقاتلوها من أوائل المنخرطين في الحرب ضد رجال حميدتي.

عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة تعدّدت الفيديوهات التي كشفت توسّع أنشطة "البراء" في جبهات القتال، فظهرت خلال معارك العاصمة الخرطوم ومدن القضارف شرقي السودان.

وفي منتصف العام الماضي قُتل محمد الفضل عبد الواحد عثمان، القيادي الإسلامي وهو يقاتل ضمن صفوف الكتيبة ضد قوات الدعم السريع.

وكان الفضل محسوباً على جماعة البشير؛ فهو ابن شقيق مصطفى عثمان أحد الذين تولوا وزارة الخارجية في عهد البشير، وسبَق للفضل أن التحق بالمليشيات الجهادية في العراق والشام قبل أن يعود إلى السودان.

خلال هذه الحرب ذاع صيت المصباح أبو زيد القائد الشاب لكتيبة "البراء" المعروف بانتمائه السابق للحركة الإسلامية السودانية، الذي يسعى لاكتساب شعبية بين صفوف السودانيين عبر القيام بزيارات ميدانية لمواقع القتال يحظى خلالها باستقبالٍ حافل وهو يستقل سيارات رباعية الدفع تحمل شعارات دينية مثل "براؤون يا رسول الله"، وهي أنشودة دينية يرددها مقاتلو الكتيبة بشكلٍ دائم حتى ارتبطت بهم بشكلٍ غير رسمي.

وتزدحم مواقع التواصل بعشرات الفيديوهات لأبي زيد يستخدم الخطاب الإسلامي. وفي أكتوبر الماضي التُقط له فيديو وهو يصافح المُصلين داخل أحد المساجد بعدما وضع على كتفيه رُتبة رائد رغم أنه لم يحظَ بمسيرة منتظمة في صفوف الجيش.

أظهرت هذه الوقائع تعمّق العلاقة بين "الجيش السوداني" و"البراء"، وحين أصيب  أبو زيد حرص البرهان على زيارته في المستشفى حيث يتلقى العلاج، معرباً عن دعمه له وامتنانه لدور الكتيبة الكبير في الدفاع عن الجيش السوداني.

كذلك، كثرت الشائعات في الساحة السودانية حول تلقّي الكتيبة دعماً مالياً من الخرطوم حتى سرت شائعة بأن وزارة المالية خصصت 270 مليون جنيه سوداني لكفالة أسر "شهداء الكتيبة"، وهي المعلومات التي نفاها أحمد محمود المستشار الإعلامي لوزير المالية السوداني.

 

التغريد خارج السرب

اتبعت كتيبة "البراء بن مالك" نهجاً متطرفاً في حربها ضد قوات الدعم السريع بعدما أعلنت أن جميع أماكن تواجدها هي أهداف عسكرية مشروعة لها، داعيةً المواطنين للابتعاد عن أماكن سيطرة قوات حميدتي.

خلال مارس الماضي، خاضت "البراء" ضد رجال الدعم السريع عدة معارك ناجحة، إحداها حين انتزعت السيطرة على مقر الهيئة العامة للتلفزيون في الخرطوم.

بعدها بشهرٍ تقريباً، اجتمع المئات من عناصر الكتيبة لتناول الإفطار الجماعي في إحدى القاعات وسط مدينة عطبرة شمال السودان، هاجمت الجمع طائرة مسيّرة أوقعت فيهم عشرات القتلى والجرحى. كان لافتاً أن أحد ضحايا هذا الحادث عبدالإله أحمد الرائد في الجيش السوداني.

بحسب تقارير محلية فإن هذا الحادث كاد أن يودي بحياة أبي زيد نفسه لولا أنه غادر القاعة قبل الانفجار بدقائق. بعدها أجرى جولة على جنوده المصابين وتوعّد بقتل ألف فردٍ  من الدعم السريع مقابل كل قتيل من رجاله.

هذه العملية أثارت غضب البرهان حتى أنه قرر زيارة عطبرة بعد يومٍ واحد من استهداف "قاعة الإفطار" حيث تجول في المدينة والتقى ببعض قيادات كتيبة "البراء".

رغم هذه الزيارة، فإن الانتقادات لم تكفّ عن ملاحقة الكتيبة واتباعها نهجاً عسكرياً لا يخضع مباشرة لقيادة وزارة الدفاع السوداني، وهي الاتهامات التي حاول أبو زيد نفيها في أكثر من خطاب، مؤكداً أن قواته لا تتحرك إلا بتكليفٍ من القوات المسلحة.

وهي المعلومات التي نفاها البرهان نفسه بحديثه الأخير وسط مخاوف بين السودانيين من أن دعم البرهان لمقاتلي "البراء" قد يخلق "حميدتي آخر" يخوض حرباً أهلية أخرى في المستقبل.

مواضيع ذات صلة:

أردوغان يشارك في جنازة الزعيم الروحي لجماعة "إسماعيل آغا".

شهدت مدينة إسطنبول التركية،  الثلاثاء الماضي، تشييعاً شعبياً ورسمياً للزعيم الروحي لجماعة "إسماعيل آغا" الصوفية التركية، حسن أفندي كيليتش، الذي تُوفي عن عمر يناهز 94 عاماً.

وشارك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في التشييع بنفسه رفقة عدد من المسؤولين الحكوميين، ما يشير إلى المكانة العالية التي حظي بها "كيليتش" وجماعته الدينية.

 

حليف أردوغان الأبرز

تزعّم حسن أفندي جماعة "إسماعيل آغا" بعد نحو عامين من وفاة الشيخ السابق للجماعة، محمود أوسطه أفندي، في يونيو 2022. وكان آخر ظهور إعلامي له في 30 مارس الماضي، عشية انتخابات البلديات، حين زاره أردوغان في بيته، في خطوة تشير إلى حجم وتأثير هذه الجماعة التي تُقدّر أعداد أفرادها بالملايين، وتوصف بأنها "الحليف الديني الأبرز" للرئيس التركي.

يتبع أتباع "جماعة إسماعيل آغا" الطريقة النقشبندية التي تُعد من أشهر الطرق الصوفية في الشرق الأوسط.

تأسست الجماعة في ثمانينات القرن الماضي على يد الشيخ محمود عثمان أوغلو، شيخ الطريقة النقشبندية التركية، الذي ولد في ولاية طرابزون شمال تركيا عام 1929، وبقي إماماً لمسجد إسماعيل آغا في إسطنبول إلى العام 1996.

 خلال تلك الفترة جذب أوغلو من خلال دروسه ومحاضراته مئات الآلاف من الطلبة والمريدين الذين كانوا يأتون إليه من جميع الولايات التركية لسماعه، في ظل توجّه عام لدى المجتمع التركي نحو تقديس الطرق الصوفية كإرث ديني وحضاري منذ أيادم الدولة العثمانية التي قرّب سلاطينها مشايخ الصوفية، حتى إن بعض هؤلاء السلاطين اتخذوا من المشايخ وزراء ومستشارين، كما فعل السلطان، محمد "الفاتح"، وغيره.

 

مواجهة الانقلاب

زادت جماعة "إسماعيل آغا" من رصيدها الشعبي من خلال توسيع نشاطها وعدم  اقتصارها على نشاط المساجد والوعظ والخطب والدروس الدينية، إنما امتدّ تأثيرها في عدة مجالات بالمجتمع، فكان لها مدارس وجمعيات خيرية ونشاطات تجارية واجتماعية أخرى عزّزت من خلالها نفوذها المجتمعي حتى باتت رقماً حاضراً ومؤثراً في الانتخابات البرلمانية أو المحلية والرئاسية في البلاد. وهذا ما يفسر حرص أردوغان على زيارة زعيم هذه الجماعة قبيل أي انتخابات، في دعم صريح من هذه الجماعة لحزب العدالة والتنمية والرئيس التركي.

وخلال تاريخها شكّلت جماعة "إسماعيل آغا" أحد أبرز المدافعين عن "التراث الديني" للمجتمع التركي في مواجهة العلمانية التي بدأت بحكم مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية.

ولذلك لم يكن غريباً أن تدعم الجماعة مختلف الأحزاب الإسلامية في البلاد وعلى رأسها حزب الرفاه بزعامة، نجم الدين أربكان،، الذي يعد الأستاذ السياسي والفكري للرئيس التركي الحالي، قبل أن يندلع الخلاف بينهما.

وفي عهد أردوغان حظيت الجماعة باهتمام حكومي خاص ودعم سخيّ، وبات أفرادها بمثابة حزب ديني مؤيد لأردوغان، وهو ما ظهر بشكل جلي ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، حيث خرج معظم أتباع الجماعة إلى الشوارع والساحات في مواجهة الانقلاب.

ويعيش أفراد الجماعة في تركيا حياة مختلفة تماماً عن نمط معيشة الطبقات الاجتماعية الأخرى، إذ لا يزالون يحافظون على مبادئ دينية معينة، ويرتدون زياً إسلامياً تراثياً، مع حرص كثير منهم على تعلم اللغة العربية والتحدث بها كنوع من الحفاظ على الموروث الديني من جهة.