الدول تختلف فيما يتعلق بالمساواة في أجور العاملين بين الجنسين - صورة تعبيرية.
واقع الدول يختلف فيما يتعلق بالمساواة في أجور العاملين بين الجنسين - صورة تعبيرية.

تتباين الدول العربية فيما بينها بشأن أجور العاملين من الإناث والذكور، حيث توجد فجوة واختلاف واضح من جهة، ومساواة وعدم تمييز من جهة أخرى، سواء في القطاعين العام أو الخاص.

وبالتزامن مع اليوم الدولي للمساواة في الأجور، الذي يصادف يوم 18 سبتمبر من كل عام، تحدث خبراء لموقع "الحرة" عن الواقع المختلف بين بعض الدول، ومنها تونس والعراق والإمارات.

ويأتي هذا اليوم في إطار الالتزام الأممي "بحقوق الإنسان وضد جميع أشكال التمييز، بما في ذلك التمييز ضد النساء والفتيات".

وفي جميع المناطق، تتقاضى النساء أجورا أقل من الرجال، وتقدر فجوة الأجور بين الجنسين بنحو 20 بالمئة على مستوى العالم، وفقا لتقرير أممي صادر في سبتمبر الماضي.

ووفقا لبرنامج التطوير التابع للأمم المتحدة، "يشكل الجهد العالمي لتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات ومكافحة التمييز حجر الزاوية في خطة عام 2030، وبشكل أكثر تحديدا، الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة".

وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي تم إحرازه في النهوض بحقوق المرأة ومشاركتها على قدم المساواة في سوق العمل والأنشطة الاقتصادية، فإن التفاوت في الدخل بين الرجل والمرأة لا يزال يمثل قضية بارزة.

تونس

وترى المحامية والناشطة الحقوقية التونسية، ليلى الحداد، أن "لا فارق في الأجور بين الجنسين في القطاع العام التونسي"، فيما تشير إلى أن "الفروق في التعويضات حاضرة في القطاع الخاص".

وقالت الحداد في حديثها لموقع "الحرة" إن "هناك اختلافات بين الدول العربية نظرا لعدم وحدة التشريعات (...) وفي تونس ليست هناك إشكالية في تساوي أجور المرأة والرجل بالقطاع العام".

وأوضحت أن "الاختلاف قد يكون موجودا في بعض مؤسسات القطاع الخاص"، على اعتبار أن "المرأة يمكن أن تمر في فترة حمل ثم الولادة والأمومة، ولكن هناك قوانين تكافح كافة أشكال التمييز ضد المرأة".

وتشير فجوة الأجور بين الجنسين، والتي يتم التعبير عنها غالبا كنسبة مئوية، إلى الفرق بين متوسط الدخل للرجال والنساء الذين يؤدون أعمالا مماثلة ويشغلون مناصب ذات قيمة متساوية. ولسوء الحظ، لم تنجح أي دولة في سد الفجوة في الأجور بين الجنسين.

وينتج عدم المساواة في الأجر بين النساء عن تفاعل معقد بين الاختيارات الشخصية والأعراف المجتمعية. وتساهم القرارات المهنية التي تتخذها المرأة، مثل اختيار المهن ذات الأجور المنخفضة أو أخذ فترات راحة للمسؤوليات الأسرية، في تفاوت الدخل.

وغالبا ما تتأثر هذه الاختيارات بالأدوار التقليدية للجنسين والاتجاهات المجتمعية التي تشجع المرأة على إعطاء الأولوية لتقديم الرعاية والحياة الأسرية على التقدم الوظيفي. تؤكد الأعراف المجتمعية على أهمية الحفاظ على التوازن بين العمل والحياة الخاصة بالمرأة، مما قد يحولها عن المهن الصعبة التي تتطلب عادة ساعات طويلة أو سفر طويل - وهي عوامل ترتبط غالبا بالمناصب والرواتب العليا.

ونتيجة لذلك، لا تزال التحيزات في التوظيف والترقيات والمفاوضات بشأن الرواتب مستمرة، مما يؤدي إلى إدامة فجوة الأجور بين الجنسين، وفقا للبرنامج.

العراق

وعلى عكس تونس، تؤكد الناشطة والباحثة الاجتماعية، هاجر حامد، أن الفجوة في الأجور "حاضرة بالقطاع العام في العراق وليس بالقطاع الخاص".

وتقول حامد في حديثها لموقع "الحرة" إن "بالرغم من صدور عدة قوانين، ووجود العديد من منظمات المجتمع المدني المدافعة عن المرأة، إلا أن هذا لم يكن كافيا في منع عدم المساواة في الأجور".

وأشارت إلى أن "المرأة عادة ما تتعرض للظلم والابتزاز والاستغلال، ولكنها تكون مضطرة للعمل رغم كل التحديات والصعوبات"، لافتة إلى أن "المرأة يتم تهميشها واعتبارها كائنا ضعيفا، ولذلك تكون أجورها متدنية".

وتابعت أن "المرأة في القطاعات الحكومية تكون مهمشة أكثر من القطاع الخاص، الذي غالبا ما يكون فيه المدراء أجانب، ويكون وضعها أفضل".

وأضافت أن "المرأة لدى الأجانب يجب أن تكون متساوية في الأجر مع الرجل، وعادة عندما تكون هناك فرص متاحة للتوظيف، تكون المرأة مرغوبة أكثر من الرجل، على اعتبار أنها تعمل بجد وإخلاص، وتمنح لها مكافآت".

وأوضحت أنه "في القطاع الحكومي لدى التقديم على إجازة أمومة مثلا، يتم إعطاء المرأة نصف الراتب، ولكن في القطاع الخاص تكون هناك زيادة على الراتب".

الإمارات

وفي الإمارات، يرى الخبير الاقتصادي، حسين القمزي، أن "لا فوارق بين النساء والرجال فيما يتعلق بالأجور بمختلف القطاعات".

ويقول في حديثه لموقع "الحرة" إن "هذا الوضع ليس موجودا لدينا، ولا توجد اختلافات في الأجور بين الجنسين".

وأضاف أنه "حسب اعتقادي ومعرفتي والأماكن التي عملت بها، أن المساواة في الأجور بين الإناث والذكور موجودة في القطاعين العام والخاص".

وأوضح أن "الاختلافات في الرواتب تكون بحسب المسمى الوظيفي والدرجة والخبرة، ولا تفرقة بين الجنسين"، مؤكدا أن "دور المرأة مهم جدا في القوى العاملة ومؤثر رئيسي في تكوين الثروات وفي بناء الاقتصاد".

معوقات

وما تزال المساواة بين الجنسين، إضافة إلى تمكين النساء والفتيات في تراجع بسبب الهيكلية غير المتكافئة بين النساء والرجال والفقر والحرمان في الوصول إلى الموارد والفرص، وفقا للتقرير الأممي.

ويعتبر التقدم في تضييق هذه الفجوة بطيئا. في حين تم تأييد المساواة في الأجور بين الرجال والنساء على نطاق واسع، إلا أن تطبيقها في الممارسة العملية كان صعبا.

وعن المعوقات التي يمكن أن تعترض طريق المساواة في الأجور بين الجنسين، ترى الحداد أنها "تكمن في التشريعات".

وتقول إنه "في حال وجود فجوة في الأجور، يجب أن تتدخل الدولة، وخاصة في القطاع الخاص، ويجب فرض عقوبات على الذين يقومون بالتمييز".

وأشارت إلى "ضرورة تقوية دور لمنظمات المجتمع المدني في دعم المساواة في الأجور بين المرأة والرجل، خاصة إذا كانت تقوم بنفس العمل".

وتعتبر الأمم المتحدة أن "تحقيق المساواة في الأجر هو معلَم هام في مجال حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين. ويتطلب الأمر جهود المجتمع العالمي بأسره ويبقى المزيد من العمل الذي يتعين القيام به".

وتدعو المنظمة الدولية "الدول الأعضاء والمجتمع المدني والمنظمات النسائية والمجتمعية والجماعات النسوية، وكذلك منظمات الأعمال والعمال وأصحاب العمل، إلى تعزيز المساواة في الأجر مقابل العمل ذات قيمة متساوية والتمكين الاقتصادي للنساء والفتيات".

التحالف الدولي للمساواة في الأجور

ويقود التحالف الدولي للمساواة في الأجور منظمة العمل الدولية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.

ويهدف التحالف إلى تحقيق المساواة في الأجور، ويدعم "الحكومات وأصحاب العمل والعمال ومنظماتهم لتحقيق تقدم ملموس ومنسق نحو هذا الهدف".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

مسيرة مناهضة للعنف ضد المرأة
جرائم القتل الوحشية للنساء تتصدر المشهد في الدول المغاربية

تتصدر جرائم القتل الوحشية للنساء، بالضرب أو الذبح أو الحرق، ومشكلات العنف الأسري، اهتمامات الإعلام بشكل متزايد في الدول المغاربية، لكن آليات الحماية لا تزال غير كافية.

بحسب مجموعة "فيمينيسيد (قتل النساء) الجزائر" التي ترصد هذه الحالات منذ عام 2019، "تُقتل على الأقل امرأة واحدة كل أسبوع" في البلاد.

أما منصة "أوقفوا قتل نساء المغرب" فسجلت على الأقل 50 جريمة قتل للنساء في 2023، مقابل أكثر من 30 في 2022، وخمس حالات منذ بداية عام 2024.

في تونس، الوضع لا يقل خطورة، إذ ارتفع عدد جرائم قتل النساء أربع مرات بين 2018 و2023، ليصل إلى 25 جريمة قتل مقابل ست حالات في 2018، وفق منظمات غير حكومية مثل "أصوات نساء" و"منارة".

وخلال رمضان في ربيع 2023، قُتلت شابة جزائرية تبلغ 23 عاماً على يد زوجها في قسنطينة (شرق الجزائر)، في جريمة قتل وحشية رواها لوكالة فرانس برس شقيق الضحية.

وقال عماد، وهو اسم مستعار، "قبل نصف ساعة من الإفطار، رأى زوج أختي زوجته تلتقط صورة لنفسها بهاتفها بينما كانت تقلي البوراك (من المقبّلات الجزائرية)، فغضب غضباً شديداً الى درجة انه صبّ الزيت على وجهها ثم ذبحها".

كانت الضحية متزوجة منذ خمس سنوات، ولها ثلاثة أطفال.

وبحسب شقيق الضحية، حُكم على القاتل بالسجن 10 سنوات فقط لأن محاميه قدم ملفاً طبياً يزعم أن موكله كان يعاني من انهيار عصبي، وهي عقوبة طعنت الأسرة فيها لدى محكمة الاستئناف.

ونجت فريدة (اسم مستعار) البالغة 45 عاماً، من محاولة خنقها على يد زوجها في الجزائر.

وروت هذه الصحافية المطلّقة والأم لأربعة أطفال "كانت حياتي الزوجية بائسة جداً، مع الضرب والتهديدات بالقتل. مرة خنقني حتى سقطت، واستخدم حتى حبلاً".

وأوضحت الباحثة الجزائرية في علم الاجتماع يمينة رحو لوكالة فرانس برس أن "ظاهرة قتل النساء ليست جديدة، إلا أنها أصبحت أكثر بروزاً مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي".

تحاول منظمات غير حكومية وجمعيات نسوية في الدول المغاربية توعية الرأي العام بهذه المآسي، معتبرة أن الجرائم التي تصل إلى الإعلام ليست سوى غيض من فيض.

واعتبرت كريمة بريني، رئيسة جمعية المرأة والمواطنة، لوكالة فرانس برس بخصوص عدد جرائم قتل النساء المسجلة في تونس عام 2023 "إنه هائل بالنسبة لعدد السكان وهي ظاهرة خطيرة".

ووقعت آخر محاولة قتل لامرأة، نهاية الأسبوع الماضي، في قفصة بجنوب تونس، حيث سكب زوج البنزين وأضرم في جسد زوجته النار بسبب خلافات عائلية متكررة، ونُقلت إلى المستشفى، بينما زوجها لا يزال متوارياً، بحسب مصادر قضائية.

رغم تبني قانون طموح جداً في عام 2017 في تونس، ترى بريني أن "تطبيقه لا يسير بالوتيرة المطلوبة"، مشيرة إلى نقص التمويل العام لمراكز الإيواء وعدم كفاية تدريب "المحترفين (خصوصاً الشرطة والقضاة) على تقويم المخاطر ومنع العنف".

وترى أيضاً أنّ "عدداً كبيراً من العوائق الثقافية" في تونس، مثل الصور النمطية التي تروجها الكتب المدرسية ("المرأة في المطبخ، الرجل يشاهد التلفاز")، والذهنيات التي يجب تغييرها لكي لا تكون هذه الأعمال "مقبولة ثقافياً".

وآخر جريمة كانت ضحيتها امرأة في الجزائر حدثت، الاثنين، في ولاية خنشلة (شرق) حيث ذكرت وسائل إعلام محلية أن رجلا يبلغ من العمر 49 عاما طعن زوجته، 37 عاما، مرّات عدة قبل أن يذبحها، وقد أوقفته الشرطة.

وللجزائر أيضاً إطار تشريعي صارم للغاية في هذه القضايا.

فقد صدرت على الأقل 13 عقوبة بالإعدام منذ عام 2019 (تم تخفيفها جميعاً إلى السجن مدى الحياة). وهناك قانون صدر عام 2015 يعاقب بشكل خاص على التحرش الجنسي وكل أشكال الاعتداء أو العنف اللفظي أو النفسي.

وأوصت يمينة رحو بـ"توعية الجنسين منذ سن مبكرة بالتربية على المساواة والمسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل في الأسرة"، خصوصاً عبر وسائل الإعلام العامة.

بالنسبة لها، "لا تكفي الترسانة القانونية وعمل قوات الأمن" بل يجب "تعبئة جميع موارد الدولة، مع نظام إنذار، يشمل الرجال أيضاً".

وفي المغرب أيضاً، يوجد منذ عام 2018 قانون يحارب العنف الموجه ضد النساء، لكنه يتعرض لانتقادات من الجمعيات النسوية بسبب عدم فعاليته.

وٍبينت المحامية غزلان ماموني أن "القضاة يميلون إلى الاعتقاد بأن هذه الأفعال تندرج ضمن المجال الخاص، لذلك فإن العقوبات ليست رادعة وهذا جوهر المشكلة".

من جانبها، وصفت كاميليا الشهاب، مؤسسة جمعية "أوقفوا قتل النساء المغرب"، الأدوات القانونية المغربية في هذه القضايا بأنها "مهزلة"، داعية إلى تشريع "أكثر واقعية" وتدريب المحترفين للتكفل بشكل أفضل بالضحايا.

في عام 2023، حظيت جريمة قتل في المغرب بتغطية إعلامية كبيرة، وتمثلت في تقطيع جثة امرأة وإخفائها في ثلاجة.

وتقول كاميليا الشهاب "هذه الحالة معبّرة جدا لأنها تُظهر الحاجة إلى حصول أمر مروع للغاية لكي يهتم الصحافيون بالموضوع، رغم أن جميع جرائم قتل النساء مروعة".