صنعاء- بقلم غمدان الدقيمي:

لم تجد المناشدات المحلية والدولية نفعاً في إقناع أطراف الصراع في اليمن بالامتناع عن استهداف المواقع التاريخية والأثرية باعتبارها “تراثاً إنسانياً عالمياً وشاهداً فريداً على القيم المشتركة للبشرية”، على حد تعبير منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو).

مليار دولار

وألحق النزاع الدامي الدائر في اليمن منذ أكثر من عام ونصف دماراً واسعاً بعشرات المعالم الأثرية، بما في ذلك مدينتي صنعاء وزبيد القديمتين المدرجتين على لائحة التراث العالمي، فضلاً عن صعدة والمكلا وتعز.

ودانت المديرة العامة لليونسكو، السيدة إيرينا بوكوفا، في أكثر من مناسبة استهداف التراث الإنساني في اليمن، فيما اعتبرت أستاذة العمارة بجامعة صنعاء نادية الكوكباني ما لحق بالمعالم التاريخية والأثرية اليمنية من دمار “كارثة بكل المقاييس”.

اقرأ أيضاً:

ما مصير ابن سينا وابن رشد وغيرهم في الدولة المزعومة لداعش؟

قوافل المساعدات عبرت تركيا.. لكن طريقها إلى حلب ليس سالكاً

وحسب رئيس الهيئة العامة للآثار الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين مهند السياني، فإن 75 معلماً تاريخياً وأثرياً "كانوا هدفاً للضربات الجوية لقوات التحالف الذي تقوده السعودية"، منذ نهاية آذار/مارس 2015، ضد الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

ويوضح السياني لموقع (إرفع صوتك) أن إجمالي target="_blank">الخسائر الأولية يقدر بحوالي مليار دولار.

لا تعوض

ودمرت الحرب العام الماضي مبان أثرية يرجع تاريخها إلى أكثر من 500 عام في مدينة صنعاء القديمة، التي أدرجت عام 1986 على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

وتقول نادية الكوكباني، وهي أكاديمية متخصصة في التصميم المعماري، إن الدمار الذي لحق بمدينة صنعاء القديمة والتي يعود بناؤها إلى القرن الخامس قبل الميلاد، “أفقدها جزءاً هاماً من هويتها التاريخية المعمارية الثقافية”.

وأضافت لموقع (إرفع صوتك) “القيمة الحقيقية للتاريخ لا تعوض”.

ثكنات

وفي المقابل يلقي ياسين غالب، وهو استشاري في مجال الحفاظ على المدن التاريخية، باللائمة على نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي “قام بتحويل المواقع الأثرية إلى ثكنات عسكرية“، على حد قوله لموقع (إرفع صوتك).

ويضرب مثالاً على ذلك “مقر جهاز الأمن القومي”، الذي يقول إنه “يستحوذ على خُمس مساحة مدينة صنعاء القديمة، في مخالفة صريحة للمواثيق الدولية التي تحظر إقامة أي معسكرات بالقرب من المواقع التاريخية”.

ويدلل على ذلك بـ“مسجد النبي شعيب (يرجع تاريخه إلى 388هـ، ويقع أعلى قمة جبل النبي شعيب، بمديرية بني مطر غربي صنعاء)، حيث أن قمته ذات الدلالات التاريخية والأثرية والجغرافية عبارة عن موقع عسكري، كما هو الحال في قمة جبل العروس بتعز”.

الخسارة الأكبر

في أيار/مايو العام الماضي، استهدفت سلسلة ضربات جوية سد مأرب التاريخي، حيث كان يتمركز مسلحون من جماعة الحوثيين وقوات صالح شرقي العاصمة صنعاء.

ويعد سد مأرب أحد أبرز مواقع التراث الثقافي في اليمن وشبه الجزيرة العربية.

لكن الخسارة الأكبر للتراث الإنساني تمثلت بتدمير طيران التحالف للمتحف الوطني في ذمار، حوالي 100 كم جنوبي صنعاء، وفقاً لرئيس هيئة الأثار مهند السياني.

“المتحف دُمر بشكل كامل. كان يحتوي حوالى 12 ألف قطعة أثرية، أهمها منبر الجامع الكبير بذمار، وهو منبر خشبي يعد ثاني أقدم منبر إسلامي بعد منبر جامع القيراون في تونس، عمره أكثر من ألف سنة”، يقول السياني.

يضيف ”من 12 ألف قطعة أثرية أستعدنا 7500 فقط”.

فقدت هويتها

وعلى مدى أكثر من 16 شهراً، كانت مدينة صعدة القديمة معقل جماعة الحوثيين شمالي البلاد هدفاً رئيساً للقصف الجوي الذي حول المدينة، التي يعود بناؤها لمطلع القرن التاسع الميلادي.

تقول الدكتورة الكوكباني إن المدينة التي كانت في انتظار إدراجها على لائحة التراث العالمي “فقدت هويتها”.

وأضافت بنبرة يخالجها الشعور بالحزن “كل منزل في صعدة القديمة يمثل قيمة تاريخية، لأنها مبنية من الطين والزابور، ومن الصعب إعادة إعمارها على الطريقة القديمة”.

وتشير التقارير الى أن الدمار طال أكثر من 2000 معلم تاريخي في صعدة.

ومن بين أبرز المعالم التاريخية التي كانت هدفاً للقصف المتبادل بين الحوثيين والقوات الحكومية، قلعة القاهرة التاريخية في مدينة تعز جنوبي غرب البلاد، التي ترجع إلى القرن الثاني عشر الميلادي.

أطلال

وكانت الحرب الطاحنة ضد الحوثيين وحلفائهم، التي دارت رحاها بين شهري آذار/مارس وتموز/يوليو 2015، قد حولت معالم كثيرة في مدينة عدن الجنوبية التاريخية إلى أطلال.

يقول الدكتور صادق قائد، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عدن، لموقع (إرفع صوتك) “تسبب اتخاذ الحوثيين للمتحف الحربي الذي بني قبل أكثر من 200 سنة، مقراً لعملياتهم العسكرية، في تدميره ونهب محتوياته التي يعود بعضها لمملكة أوسان التي ظهرت في حوالي القرن الثاني قبل الميلاد”.

بلا هوادة

شنت الجماعات الإسلامية المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، والتي تصاعد نفوذها على طول الساحل الجنوبي الشرقي لليمن خلال العام الماضي، حرباً بلا هوادة على المعالم الأثرية.

يقول مهند السياني إن التنظيمات الإرهابية فجرت أكثر من 20 مزاراً دينياً، معظمها أضرحة ومقابر لأولياء بارزين، غالبيتها في حضرموت (شرقي اليمن)، بينها قبة ومزار الشيخ يعقوب باوزير التي تعود إلى 800 سنة.

*الصورة الأولى: بقايا أحد ثلاثة منازل تاريخية في حي القاسمي بمدينة صنعاء القديمة، دمرت (يوم 12 حزيران/يونيو 2015) بصاروخ لم ينفجر، قال الحوثيون إن مقاتلة للتحالف أطلقته والأخير نفى/إرفع صوتك

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

بقلم علي عبد الأمير:

تذهب سريعا إلى عنوان حول جريمة شهدها الأردن "حرق العائلة"، وما قاله خبراء عن جريمة حرق أب لأطفاله وزوجته بكونها تكرّس ضعف منظومة الوقاية من العنف الأسري.

تصل إلى تغريدة

عن الموضوع  ذاته في السعودية، ومفاده: "بلاغان كل دقيقة عن العنف الأسري"، حتى تتوقف عند قراءة من قبل الناشط الحقوقي سرود محمود لـ"مسودة قانون العنف الأسري في العراق"، وفيها أن القانون لم يعتبر الإكراه في الزواج وزواج الصغار والتزويج بدلاً عن الدية والطلاق بالإكراه وقطع صلة الأرحام، وإكراه الزوج للزوجة على البغاء وامتهان الدعارة وختان الإناث وإجبار أفراد الأسرة على ترك الوظيفة أو العمل رغماً عنهم، وإجبار الأطفال على العمل والتسول وترك الدراسة والانتحار والإجهاض، وضرب أفراد الأسرة والأطفال بأية حجة والإهانة والسب وشتم الزوجة والنظرة الدونية تجاهها وإيذائها وممارسة الضغط النفسي عليها وانتهاك حقوقها والمعاشرة الزوجية بالإكراه، لم يعتبر كل هذه الانتهاكات من جرائم العنف الأسري. ويشير محمود إلى أن هذه الجرائم شديدة الخطورة وتهدم نسيج الأسرة العراقية.

العنف الأسري يقتل أكثر من الحروب!

وقد يبدو مثيرا للتعجب ما يقوله خبيران حول العنف المنزلي الموجه أساسا إلى النساء والأطفال بكونه يقتل من البشر أكثر مما تقتل الحروب، بل ويزداد العجب حد الاستغراب، حين يكلف ذلك العنف الاقتصاد العالمي ما يزيد على ثمانية تريليونات دولار سنويا، بحسب الدراسة التي نقلتها وكالة "رويترز" للأنباء ونشرتها وسائل إعلام عربية عدة. والدراسة التي قال باحثاها إنها محاولة أولى لتقدير التكاليف العالمية للعنف، حثّت الأمم المتحدة على أن تولي اهتماما أكبر بالانتهاكات المنزلية التي تلقى اهتماما أقل من الصراعات المسلحة.

وكتبت أنكيه هوفلر من جامعة أكسفورد وجيمس فيرون من جامعة ستانفورد في الدراسة أنه "في مقابل كل قتيل في ميدان الحرب الأهلية يلقى تسعة أشخاص تقريبا... حتفهم في نزاعات بين أشخاص". وقدرا تكلفة أشكال العنف على مستوى العالم من الخلافات الأسرية إلى الحروب بمبلغ 9.5 تريليون دولار سنويا تتمثل أساسا في ناتج اقتصادي مفقود وبما يعادل 11.2 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي على مستوى العالم. وفي السنوات القليلة الماضية عانت ما بين 20 و25 دولة من حروب أهلية دمرت كثيرا من الاقتصادات المحلية وبلغت تكاليفها حوالي 170 مليار دولار سنويا. وكلفت جرائم قتل 650 مليار دولار وكانت أساسا لرجال ولا صلة لها بالنزاعات المنزلية.

ضحايا العنف الأسري: 290 مليون طفل

لكن هذه الأرقام تضاءلت بالمقارنة مع ثمانية تريليونات دولار هي التكلفة السنوية للعنف المنزلي وأغلبه ضد النساء والاطفال. وقالت الدراسة إن حوالي 290 مليون طفل يعانون من استخدام العنف في التأديب في البيوت طبقا لبيانات صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف). وتقدر الدراسة أن الانتهاكات غير الفتاكة ضد الأطفال تهدر 1.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الدول ذات الدخل المرتفع وما يصل إلى 19 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا جنوبي الصحراء حيث يشيع التأديب العنيف.

داعش الاجتماعي؟

وبما يشبه الخلاصة الفكرية لهذا الموضوع الإنساني الواسع، نقرأ رأيا للكاتبة السورية لمى الأتاسي يعتبر هذه الأشكال من العنف  الأسري، بوصفها "داعش الاجتماعي"، لا بل يعتبرها أخطر "لأنها تشكل حاضنة للعنف الذي يبيح العنف الأسري والربح السهل". ومثل هذا الرأي الجوهري يذهب إلى التفصيل بالقول "داعش تنفذ حكم القتل بعشوائية وقساوة منقطعة النظير، لكن هناك في سورية داعشين، داعش التي تعلن عن مشروعها وتظهر مدى تمسكها بالعنف كوسيلة للوصول لمشروع الدولة الإسلامية السنية، وداعش الاجتماعية المستترة ومتخفية خلف التقاليد والعادات والتقية، معشعشة في عقول جزء لا يستهان به من المجتمع، وللإثنين ذات الأحلام وذات المشروع ولربما داعش الاجتماعية أخطر.. لأنها تشكل حاضنة للعنف الذي يبيح العنف الأسري والربح السهل واستبدال القيم التي تحكمها منطق بالتقاليد والعادات".

وللفن كلمته

"إجعلْ غيرَ المرئيّ مرئياً، اِكشفْ المستورَ"، هذا هو عنوان المحور الذي يقدم من خلاله سفير اليونيسف للنوايا الحسنة، النجم السينمائي العالمي target="_blank">ليام نيسون، صوته لدعم مبادرة صندوق دعم الطفولة العالمي "يونيسف" الجديدة لمنع العنف ضد الأطفال، وهو شكل من أشكال العنف التي تقتل أكثر من الحروب.

 *الصورة: عائلات تفر من الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659