بقلم د. مصطفى النجار:

إذا أردت الكتابة عن 30 يونيو وتداعياتها، لن يقبل منك الإخوان إلا أن تصرخ أنك انقلابي نادم شاركت في الانقلاب على الرئيس المنتخب وأن يدك ملوثة بالدماء التي سالت بعد ذلك – حتى لو كنت من أصحاب المواقف الواضحة في إدانة الانحراف عن الديموقراطية ورفض قتل الأبرياء وسجن الناس بلا تهم. أما مؤيدو السلطة فينتظرون منك أن تقول إنها أعظم حدث في تاريخ مصر وإنها جعلت مصر تتقدم للأمام وإن مصر تعيش بفضلها أزهى عصور الحريات والديموقراطية والرفاء الاقتصادي الذى لا يراه سواهم!

ثلاث سنوات مرت على هذا اليوم الذى كان مفصلياً في صناعة تاريخ مصر الحالي، حين خرجت الجماهير تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة رفضتها جماعة الإخوان لتفتح الباب لتدخل المؤسسة العسكرية وعودتها للمشهد السياسي ووضع رأسها في سدة الحكم، بتأييد شعبي لشريحة واسعة من المصريين لا يمكن إنكار وجودها أو تجاهله. لكن سرعان ما دار الزمان وارتفعت العصا الغليظة لتهوي على رؤوس الجميع بلا استثناء!

صارت نغمة الاعتذار والندم والبكائيات على ما أتبع 30 يونيو مملة وبلا جدوى. وصارت محاولات النقد الذاتي مدعاة للمزايدات الرخيصة التي يدمنها من يبرئون أنفسهم من كل المسؤولية ويحملونها لخصومهم، متناسين أنهم كانوا يحكمون وبيدهم تمكين الثورة وتطهير المؤسسات وترسيخ قواعد اللعبة الديموقراطية. لكنهم انشغلوا بالغنائم وبتمكين جماعتهم وليس تمكين الثورة فانتهينا للبؤس الحالي.

لم تعد خطابات اللطم والبكاء على الأطلال مقبولة في وطن يسير من سيء إلى أسوأ. علينا أن نعترف جميعا أننا مسؤولون عن انتكاسة الديموقراطية في مصر سواء من كانوا في الحكم ومن كانوا في المعارضة. المشهد السياسي الحالي في مصر هو نتاج فشل الإسلاميين والعلمانيين. وكل محاولة للتطهر والتبرؤ وادعاء العصمة من الخطأ هي ترسيخ لأوتاد الاستبداد وإطالة عمره. إذا لم يقتنع المريض بمرضه فلن يُشفى من داءه أبداً.

العلمانيون والإسلاميون اليوم يتمنون العودة للهامش الديموقراطي الذى خطه نظام مبارك! بعد أن تم تأميم السياسة في مصر وإغلاق المجال العام في وجوه الجميع، باستثناء المؤيدين والمطبلين للسلطة.

 لم يعد مطلوبا منا الانغماس في شهوة التشخيص والتنظير لما آلت إليه الأحوال في مصر، بل صار الانتقال لمربع العلاج فرض عين على أنصار الديموقراطية والمدافعين عنها. نحن أمام حالة توحش غير مسبوقة تتجلى انعكاساتها في توالى المظالم والانتهاكات الصارخة ومحاولة إخراس الجميع وبناء جمهورية الخوف التى زلزلت جدرانها ثورة يناير العظيمة.

لملمت الثورة المضادة جراحها ونظمت صفوفها وانقضت على ثورة المصريين بكل شراسة، رافعة سيف الانتقام المجنون الذى لم يسبقه قهر مماثل. ورغم هذا التوحش، ما زالت البوصلة حائرة لدى دعاة الديموقراطية الذين يضيعون جل وقتهم في توزيع صكوك الوطنية وتبادل الاتهامات والمزايدات دون فعل حقيقي يساهم في انتشال الديموقراطية من كبوتها.

المعركة الآن في مصر واضحة بين أنصار الديموقراطية وأعدائها. هناك سلطة تُصر على استنساخ الماضي وإخضاع الشعب لرؤيتها المحدودة، وبيدها أبواق إعلامية تقوم بتزييف وعي الجماهير والكذب عليها لتبرير الأخطاء واختلاق إنجازات وهمية بينما كل شيء يمضى لمزيد من الانحدار.

هناك فئة متمسكة بمبادئها وانحيازها للديموقراطية، لكنها مشتتة وعاجزة عن تنظيم صفوفها وترتيب أولوياتها مع غياب قيادات ناضجة لها بالتوازي مع التضييق على الحريات والبطش السلطوي الرهيب بكل صوت لا يوافق هوى السلطة.

كل من يتابع المشهد المصري يعرف أن مصر تمضي لكارثة. لكن لا أحد يستطيع إيقاف القطار المجنون الذى خرج عن قضبانه. كل مظاهر سقوط الدولة تحاصرنا الآن وتحيط بنا وتنبئنا عن مستقبل كارثي. لذلك، فإن تحرك دعاة الديموقراطية اليوم ليس فقط لإقامة نظام ديموقراطي، بل لإنقاذ البلاد من السقوط في فخ الفوضى.

إغلاق المسارات السلمية للتعبير عن الرأي واستمرار البطش، الذى يتوحش واهما أنه بالقمع يستطيع الاستمرار، يفتح الباب لانفجارات عدة. مشهد طلاب الثانوية العامة – كمثال – على فقد السيطرة ومواجهة المستقبل بالعصا، هو مشهد شديد الدلالة على أن العقلية التي تدير الأمور خارج نطاق الزمان وأنها منتهية الصلاحية مهما كابرت وادعت غير ذلك.

الديموقراطية هي الضمانة الأساسية لاستقرار الأوطان. أما الاستبداد فهو مفتاح الهلاك والتفكك والسقوط. انتهت لحظة 30 يونيو 2013. وصار الحديث عنها والتنظير ترفاً لا تحتمله الأوضاع في مصر. من شاركوا في 30 يونيو ونادوا بانتخابات مبكرة لم يخونوا الديموقراطية، وإنما خان الديموقراطية من اعتبر الحراك الشعبي وسيلة للانتقام من ثورة يناير وتمكين الثورة المضادة. خان الديموقراطية من ارتضى بسحق خصومه وإراقة دماءهم بلا ذنب. خان الديموقراطية من يكذب الآن على نفسه وعلى الناس ويبشرهم بمستقبل مشرق بينما السواد يغطي كافة وجوه الوطن.

ستنكسر موجة التوحش لا شك في ذلك وستأتي لحظة فارقة يدرك فيها الناس من خدعهم وباع لهم الأوهام ومن صدقهم ولم يدلس عليهم. التمسك بالأمل والثبات على الطريق والتعلم من الأخطاء ونشر الوعي وكشف الأكاذيب ودحض الأوهام ومناصرة المظلومين وبناء المشروع الفكري والبنيوي للدولة الحديثة حتى لو نظرياً، كل ذلك هو واجب الوقت الحالي على دعاة الديموقراطية.

ستدور الأيام وستحتاج مصر لمن ينقذها ويملأ الفراغ الذى سينتجه استمرار الفشل وتوحش القمع. فهل ستجد من أبنائها من يفعلون ذلك؟ الأمل معقود والمستقبل للشباب وبالشباب.

عن الكاتب: الدكتور مصطفى النجار، طبيب أسنان ومدون مصري ونائب برلماني سابق. يكتب النجار للعديد من المواقع  والجرائد اليومية، كموقع (المصري اليوم). نشط في التدوين والكتابة عن قضايا حقوق الإنسان. وفاز بجائزة أحد أفضل خمسة مدونين عرب في مجال حقوق الإنسان عام 2009. وكرّمه مركز معلومات حقوق الإنسان ببيروت.

لمتابعة النجار على تويتر، إضغط هنا. وعلى فيسبوك، إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

مواضيع ذات صلة:

بقلم إلسي مِلكونيان:

يعتبر تصويت الناخبين البريطانيين في 23 حزيران/يونيو، والذي قضت نتيجته لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (ما عرف بـ"بريكسيت") من أبرز الأحداث العالمية خلال ذاك الشهر.

 وقد ولد هذا ردود أفعال عالمية متضاربة بين مؤيد ومعارض. لكن المثير في الموضوع هو ظهور حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت وسم (هاشتاغ) #Lebxit تناقلتها مجموعات من النشطاء اللبنانيين على موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر مطالبين بإبعاد لبنان من محيط الدول العربية "جغرافيا".

https://twitter.com/JoumanaGebara/status/747545184057991169 https://twitter.com/josephtawk/status/746617421776117760

وعلى الرغم ممّا حملته التغريدات والتعليقات في طياتها من سخرية وفكاهة، إلا أنها عكست رؤية بعض اللبنانيين لمستقبلهم والتأثير السلبي لدول الجوار على حياتهم، إضافة إلى عدم رضاهم عن الأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد.

موضوعات متعلقة:

ماذا قال مواطنون إسرائيليون وفلسطينيون عن فكرة التعايش بسلام؟

في بغداد، هدده مجهولون بسبب رجل دين ايراني

فما هو أصل مشكلة الانتماء التي يعاني منها اللبنانيون؟ وما الذي تفضي إليه أصلاً حملات كهذه على مواقع التواصل الاجتماعي؟

قضية انتماء اللبنانيين

عام 1943 اعتبرت العربية اللغة الرسمية  في لبنان، نتيجة لاجتماع مجلس النواب الذي أقر أيضاً في بيانه الأول انتماء هذا البلد إلى المحيط العربي. وتلا ذلك انضمامه إلى جامعة الدول العربية في 1944.

لكن قرارات الجامعة المتعلقة بلبنان لم توجد حلولاً جذرية لمشاكله. كما أن امتداد مشاكل دول الجوار إليه والصراعات السياسية الدخلية، حوَل موضوع الانتماء إلى العروبة إلى قضية انتماءات للطائفية السياسية. وترسخ ذلك في الدستور. ويقول علي عبد فتوني في كتابه (تاريخ لبنان الطائفي) إن "من أخطاء الحكومة أنها لم تقم بإلغاء المواد الخاصة بالطائفية سواء الوارد منها في الدستور اللبناني أو المعمول بها عرفاً، بل أن العهد الاستقلالي حافظ عليها ضمن التعديلات الدستورية التي تتطرق إلى المواد الطائفية".

على الرغم من الاتجاهات الطائفية، يفرض الواقع نفسه، كما يشرحه المؤرخ اللبناني أنطوان قسيس لموقع (إرفع صوتك) بقوله إن "لبنان هو جزء لا يتجزأ من الدول العربية وقضية الانتماء إلى العرب ليست جديدة. لكن جميع الدول العربية الآن تعيش أزمة هوية بين التاريخ وبين الانتماءات المذهبية كأولوية قبل الهوية الوطنية".

أما بخصوص حملة "ليبكسيت" التي نشطت الأسبوع الماضي، يعلق قسيس أن "وسائل التواصل الاجتماعي هي سلاح ذو حدين. على الرغم من كونها مساحة لحرية التعبير، إلا أنها أصبحت وسيلة تعبر الناس فيها عن أفكارها المتطرفة. التطرف يتغذى بمساهمة من مختلف الدول ليخدم مصالح بعض السياسيين". ويضيف أن هذه الحملات تدل على نقص وعي الناس بما يجري حولهم.

حملات مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان... لا تقدم ولا تؤخر

ويشرح إيلي أبو عون مدير برامج الشرق الأوسط في معهد السلام الأميركي أن حملة "ليبكسيت" ما هي إلا انعكاس لمشكلة اجتماعية.

في حديث لموقع (إرفع صوتك)، يقول أبو عون "تكمن المشكلة الآن في قيم المجتمع اللبناني (التي تغيرت). مثلاً إن حاولنا سؤال اللبنانيين عن أفضل رئيس عرفوه، فهم لن يسمون رئيساً يحاول إيجاد تسويات سلمية، بل سيسمون على الأرجح من كان له علاقة بالحرب أو بالعنف".

وبينما تغذي حملة ليبكسيت الرغبة في الابتعاد عن العرب، تسعى حملة مضادة لإعادة الوئام مع دول الجوار العربي، كسورية ولاجئيها الذين قصدوا الجارة لبنان منذ بداية محنتهم في 2011، إذ صاحب ذلك استياء اللبنانيين بسبب عدم قدرة بلادهم على استقبال المزيد من اللاجئين السوريين الذين ازداد عددهم على مدى السنوات الخمس الماضية.

وتنادي الحملة الداعمة للسوريين بوجه العنصرية:

"المشكلة مش عند اللاجئين، المشكلة عنا

‫#‏لاجئين ‫#‏عنصرية ‫#‏سوريا ‫#‏لبنان

هيدا الفيديو انعمل من 3 سنين، من وقتها لهلق ما تغيّر شي، وبعدنا كل ما صار مشكلة منحطها باللاجئين‫#‏عيب".

ونشر آخرون "عذرا على ما يفعله ويقوله العنصريون منا".

https://www.facebook.com/omar.alalwi.52/posts/165263613659822

ويعلق أبو عون على ذلك بقوله "لا يمكن لمبادرات كهذه أن تكون فاعلة لأنها لن تتجاوز حدود مواقع التواصل الاجتماعي". أما الحملات الحالية فينحصر تأثيرها بتعزيز الوعي.

ويشرح عون أن أساس نجاح أي حملة هو التمويل وقدرات المشتركين فيها لكي يستطيعوا إحداث تغيير حقيقي في مجتمعاتهم بما يتخطى نشر الصور أو التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.

*الصورة: "من أخطاء الحكومة أنها لم تقم بإلغاء المواد الخاصة بالطائفية"/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659