بغداد – بقلم دعاء يوسف:

منذ أيام قليلة، تلقى الشاب أحمد، 25 عاماً، تهديدات بالقتل من قبل مجهولين على صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بسبب انتقاده لتسمية شارع في مدينة البصرة باسم رجل دين ايراني (الإمام الخميني).

 اتهامات بالطائفية

يقول أحمد، الذي فضل التحفظ على اسمه الأخير، في حديثه لموقع (إرفع صوتك) إنّه لم يتعدَ فيما كتبه على رجل الدين ولا على طائفة معينة أو مذهب. ويضيف الشاب الذي تخرج من الجامعة التكنولوجية هذا العام، "لقد تفوهوا بكلمات طائفية أثناء تهديدهم بقتلي، ووجهوا إليّ اتهامات بالطائفية لأنني من مذهب غير مذهبهم، رغم أنّ انتقادي كان على تسمية شارع عراقي برمز ديني إيراني".

موضوعات متعلقة:

ماذا قال مواطنون إسرائيليون وفلسطينيون عن فكرة التعايش بسلام؟

المعادلة الجزائرية الليبية… الإرهاب والمياه الجوفية

أحمد الذي فقد والده في العام 2006 إبان الاقتتال الطائفي في بغداد، اضطر بعد هذه التهديدات إلى تعطيل صفحته في فيسبوك والابتعاد عن الجميع.

"الفوضى تعم العراق، ولا توجد عدالة، وبالإمكان قتلي بسهولة وبتهمة الإرهاب بسبب الصراعات بين الأحزاب الدينية الحاكمة التي قسمت المجتمع بحسب الانتماءات المذهبية".

لا يمكن التغاضي عنها

أما حيدر عبد، 32 عاماً، فقد شقيقه الذي كان دوامه كمنتسب للجيش العراقي في معسكر في مدينة تكريت، حيث تم إعدامه مع اقرانه الجنود على يد مسلحين عراقيين وبمساندة جماعات تنظيم داعش.

يقول في حديث لموقع (إرفع صوتك) إنّه ومنذ ذلك الحين، وهو يشعر وكأن أبناء تلك المدن أعداء له.

ويضيف الشاب الذي يسكن في العاصمة بغداد "لقد تم إعدام شقيقي لأنه ينتمي للمذهب الشيعي".

حيدر الذي يعيل أسرة شقيقه المتكونة من خمسة أطفال يرى أنّ الأحداث الدموية التي صارت باسم الطائفية لا يمكن لأي طرف منا التغاضي عنها بسهولة أو نسيانها والعودة للتعايش بشكل طبيعي كما في السابق "ما لم نتخلص من أحزاب السلطة الحاكمة التي تثير النزاعات الطائفية لتمزيق وحدة الشعب وتقسيم البلاد".

 أكره تسمية نازحة

منذ العام 2014 وتقى يوسف تعاني من الذين يتصرفون معها بشكل ينطوي على التمييز الطائفي، خاصة عند سماعها لعبارات تحتوي على إهانات مذهبية، لأنها نازحة من مدينة الأنبار وتعيش مع عائلتها في بغداد.

وتقول تقى، 20 عاماً، "أكره تسمية – نازحة - لأنها تعني الكثير من الممارسات المؤلمة التي يقدم عليها البعض، مثل التهم المجحفة لنا بسبب سيطرة داعش على مدننا، والتصريحات السياسية الموجهة لتصفيتنا من المجتمع العراقي".

كان من المفترض بتقى أن تجتاز مرحلة الامتحانات النهائية للدراسية الإعدادية منذ العام 2015، لكنها لم تستطع لعدم وجود اسمها ضمن قائمة أسماء الطلبة. "للعام الثاني، أستعد لامتحان السادس الإعدادي ولا أجد اسمي ضمن أسماء الطلبة، وكأنني النازحة لا تستحق ممارسة حياتها بشكل طبيعي في بلدها العراق"، حسب الشابة.

وتضيف في حديث لموقع (إرفع صوتك) "الصراعات الدائرة بين الكتل السياسية الحاكمة استطاعت أنّ تؤثر علينا بشكل سلبي وتنمي مشاعر الطائفية فيما بيننا بسبب الأفعال المقصودة بغية تحقيق مكاسب سياسية".

أخشى دخول المنطقة

أما شيماء خلف، 47 عاماً، فتقول في حديث لموقع (إرفع صوتك) إنّها  فقدت زوجها بعد أن تم اختطافه في العام 2008 في منطقة حي الجامعة ببغداد، "ومن وقتها وأنا أخشى دخول المنطقة".

وتضيف شيماء التي عادت مع ابنها الوحيد للسكن في بيت أبيها بعد الحادث بمنطقة الحرية في حديثها لموقع (إرفع صوتك) أنّ "الصراعات القائمة بين الكتل السياسية هي السبب وراء فقدانها لزوجها".

وتشير إلى أنّ معاناتها لم تنته، بل تزايدت بسبب خوفها على ابنها. "خسرت زوجي وأشعر بظلم كبير".

الانتماء للأحزاب الحاكمة

وفي كانون الأول/ديسمبر 2015، تعرض زيد الشيخلي لإصابة إثر اصطدام سيارته بأخرى في شوارع بغداد.

يقول إنّ من يقودها كان ينتمي لحزب سياسي، وتم الاعتداء عليه بالضرب، ولم يتدخل الذين كانوا يتواجدون من قرب مكان الحادث أو يحاولوا مساندته أو إنقاذه من الاعتداء.

ويضيف زيد، 33 عاماً، في حديث لموقع (إرفع صوتك) أنّه وبعد هذا الحادث ذهب إلى مخفر الشرطة لتقديم شكوى "لكنهم نصحوني بالتنازل عن حقي في الشكوى خوفاً على حياتي".

ويشير إلى أنهم قد أخبروه أنّ هناك الكثير من الاعتداءات على مدار السنوات الأخيرة نفذها أشخاص ينتمون لأحزاب دينية وسياسية وحذروه من عواقب الشكوى. "هناك من يدافع عنهم ويتحدث بالنيابة عنهم ليفلتوا من الجزاء أو العقاب القانوني".

الوضع الاجتماعي

"على الرغم من أن الصراعات الداخلية كانت بطابع سياسي واضح، إلا أن تأثيراتها على المجتمع أصبحت أعمق مما كانت عليه خلال الأعوام السابقة"، حسب الخبير الاجتماعي ضياء محسن الذي يعتقد أنّ "التأثير الأعمق يبدو من الناحية المذهبية واضحاً على الوضع الاجتماعي".

ويرى محسن أنّه من خلال الاساليب المروعة في التعامل مع الرأي الآخر الذي ينتقد الأصوات الداعمة لرموز دينية أو سياسية تابعة لطائفة معينة، حتى وإن كان الانتقاد يركز على كونها غير عراقية ويتخذ منحى وطني، "خلق شعوراً معادياً فيما بين أفراد المجتمع العراقي".

ويضيف في حديث لموقع (إرفع صوتك) "منذ العام 2003 والبلاد تعيش صراعات على المكاسب والسلطة بين الأحزاب الحاكمة راح ضحيتها الآلاف من المجتمع العراقي حتى الآن، الأمر الذي دفع أفراد المجتمع من دون انتباه إلى إتباع سلوكيات لا تراعي مشاعر الآخرين بسبب تبني صورة نمطية عدائية عن الآخر الذي لا ينتمي إلى هذا المذهب أو ذاك".

الخطر على تركيبة المجتمع، بحسب محسن، يكمن في أنّه قد يقول أحدهم ينتمي لطائفة معينة إنه لا يُميز بين المذاهب، بل ويحارب الطائفية، "لكننا نشاهد هذا الشخص نفسه يدافع عن رموز وشخصيات سياسية تنتمي لطائفته أثناء انتقادها من قبل أحدهم من طائفة ثانية. وهذا يُظهر توجهه الضمني للطائفية والذي يخالف موقفه العلني في محاربتها"، على حد قوله.

ورغم أنها أفعال قد تبدو غير مهمة بنظر المجتمع، يتابع محسن، "لكنها بالمقابل تحدث شرخاً كبيراً في النسيج المجتمعي من منطلق أنها تقصي المقابل وتهمشه، بل تقضي عليه بسبب المعتقد أو الطائفية وهي أحد المخاطر التي لا يعيها الكثير من الناس".

*الصورة: ملصق “لا للطائفية” على إحدى السيارات في بغداد/إرفع صوتك

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

صنعاء- بقلم غمدان الدقيمي:

لا تقوى نبات محمد على إخفاء حزنها وهي تروي قصة سكنها وأسرتها في "محوى الرماح" للمهمشين. "نسكن هنا منذ ست سنوات. لا نمتلك منازلاً، وليس بمقدورنا استئجار شقق. نعاني من تقلبات الجو من برد وحر وأمطار. ما بش معانا (ليس لدينا) بطانيات جيدة وليس لدينا حمامات ولا مواد غذائية".

"محوى الرماح" هو تجمع سكاني منعزل يقع بمنطقة الحصبة شمالي العاصمة اليمنية صنعاء، تقطنه أكثر من 200 أسرة فقيرة، فضلاً عن العديد من الأسر التي نزحت من محافظات أخرى بسبب الحرب. هو واحد من مئات وربما آلاف المجمعات السكنية المماثلة والتي هي عبارة عن خيم منتشرة في اليمن، تقطنها آلاف الأسر المهمشة من ذوي البشرة السوداء، "الأخدام" كما يُطلق عليهم في اليمن، وهي تسمية تنم عن العنصرية.

موضوعات متعلقة:

تعرف على النزاعات الحدودية العربية وكيف تم حلها

كيف يتعامل الأردن مع كرة النار الملتهبة حوله؟

تكتظ هذه التجمعات السكانية بخيام بلاستيكية ضيقة، بداخلها القليل من الفرش الممزقة. تعيش في الواحدة منها أسرة يتجاوز عدد أفرادها غالباً ثمانية أشخاص.

أمراض من قلة الطعام

وتواصل نبات محمد، 38 عاماً، سرد حكايتها لموقع (إرفع صوتك)، متحدثة عن أولادها الثمانية وزوجها المريض بالقلب الذي لا يستطيع توفير نفقات العلاج.

"أعاني من التهابات... وأمراض من قلة الطعام (سوء التغذية)، الأطفال هنا يعانون من أمراض كثيرة"، هكذا لخصت نبات معاناتها وساكني المحوى، بينما كان أحد أطفالها يبتسم للكاميرا وهو يلعب بمياه راكدة من بقايا موسم الأمطار وهي تنظر إليه غير مكترثة بمخاطرها.

أطفالنا لا يقبلون في المدارس

ابتسامات الأطفال في هذا المحوى المكتظ، وهم ينظرون إلى عدسة الكاميرا، بملابسهم الرثة، تمتزج بمشاعر الحزن ومعاناة الكبار وهم يرون مشاكلهم اليومية، وقد غدت أكثر بؤساً جراء الأوضاع المتدهورة في بلدهم منذ العام 2011.

"مشاكلنا من الجهات (الحكومية وغيرها). وزارة التربية والتعليم لا تقبل أطفالنا في المدارس، لأن هناك تمييز وتفرقة عنصرية بين الناس. نحن مواطنون من الدرجة الثالثة. أيضاً لا نحصل على مساعدات إنسانية"، يقول صالح عبد الله، 50 عاماً، لموقع (إرفع صوتك).

وفي حديث لـ(إرفع صوتك) يشكو حميد ناجي، 27 عاماً، متبرماً "إلى متى نظل مجمعين في المحوى، ثمانية أعوام، ولا لقينا شيء"، في إشارة إلى عدم تحقق الوعود الحكومية منذ أكثر من 10 سنوات بتمليكهم مساكن خاصة وتوفير فرص عمل وتعليم لأبنائهم.

مهن بسيطة

تقع هذه الفئة في أدنى السلم الاجتماعي للمهمشين في اليمن. ويعملون في مهن بسيطة لا تدر عليهم مداخيل كبيرة، أبرزها خرازة الأحذية (إسكافيين)، تنظيف السيارات، والمحظوظ منهم هو عامل النظافة، إذ يتقاضى 20 ألف ريال شهرياً (80 دولاراً). فيما الأطفال والنساء يمتهنون التسول. وقلة فقط يحصلون على ضمان اجتماعي من الحكومة كل ثلاثة أشهر (أقل من 70 دولاراً)، حسب قولهم.

جحيم وبقايا المطاعم

منذ عام تمضي نوره عبد المعطي وأبناؤها الستة أياماً صعبة داخل إحدى الخيام التي نزحوا إليها من مدينة تعز (جنوبي غرب البلاد) على وقع الحرب الدائرة هناك.

"نزحنا من الحرب، تشردنا مع أولادنا... نحن بجحيم، شوف العشة (الكوخ أو الخيمة) كيف مدمرة فوقي"، تقول نوره لمراسل (إرفع صوتك)، مشيرة إلى خيمتها التي لا توحي بالاستقرار ويتطلب دخولها انحناء الرأس. وتبدو الملابس مبعثرة بداخلها.

وتكافح نوره الآن -كما هو حال بقية سكان المحوى- لتأمين مياه الشرب ووجبة طعام لأطفالهم، غالباً يحصلون عليها من بقايا المطاعم. "نشحت (نتسول)، أحياناً يجي فاعل خير ويعطينا أكل... أو نشتري".

تمييز بالممارسة

"القانون اليمني لا ينص على وجود تمييز ضدهم"، بحسب الدكتور محمد الغابري، أستاذ القانون المساعد في جامعة صنعاء. "هم متساوون في الحقوق والواجبات. المشكلة تكمن في التمييز والعرف الاجتماعي، والعزلة التي يعانوها ويتحملون جزاء من مسؤوليتها”.

ويوضح الغابري لموقع (إرفع صوتك) "هم تربوا على أنهم مهمشون وناقصون، واقتنعوا بذلك. وهنا المشكلة".

 نبذة تاريخية

يؤكد خبراء تاريخ واجتماع أن ذوي البشرة السوداء هم بقايا الدولة النجاحية التي حكمت منطقة “زبيد” غربي اليمن (402هـ – 553هـ)، قبل أن تهزم على أيدي “بني المهدي” سنة 553 هـ. بينما يرى آخرون أنهم بقايا الأحباش؛ تعرضوا للاضطهاد بعد هزيمتهم على يد سيف بن ذي يزن، بالتعاون مع الفرس سنة 575 ميلادية".

ولا تتوفر إحصائيات دقيقة حول عددهم من إجمالي سكان اليمن (أكثر من 25 مليون نسمة). لكن رئيس جمعية الأحرار السود، محمد القيرعي، الذي ينتمي لنفس الطبقة، يقدرها بأكثر من ثلاثة ملايين مواطن.

*الصورة: "لا نمتلك منازلاً، وليس بمقدورنا استئجار شقق"/إرفع صوتك

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659