حزب الله يرفض استخدام كلمة احتلال لأن أعضاءه لبنانيون
حزب الله يرفض استخدام كلمة احتلال لأن أعضاءه لبنانيون

هذه الطرفة تفسر الوضع في لبنان: "واحد حمل التاني عكتافو وفاتوا سرقوا الكرم، الحامل حلف انه لم يمد يده على شيء والمحمول حلف انه لم يدعس بالكرم". 

تستفز الحزب وجمهوره كلمة احتلال. يعلنون تبعيتهم المطلقة حد الولاء لإيران، ثم يعترضون على التسمية. لماذا؟ لأنهم يحملون الجنسية اللبنانية!! لكنهم حينئذ يتناسون أمران: 1- ان الجنسية توجب الولاء المطلق ممن يحملها. 2- أن جميع الاحتلالات لجأت الى خدمات مواطنين من الدولة المحتلة، لأسباب متنوعة. ولهذا الموقف تسمية وحيدة: خيانة وطنية. أما هم فيفتخرون بذلك، تارة لأن مذهبهم على مذهب إيران، وطوراً للهدف الذي يجمعهم: تحرير القدس. 

لقد غطت إيران عداءها بخبث، باستغلالها قضية فلسطين. سلّحت مجموعة لبنانية اعدتها منذ قيام الثورة الاسلامية وأسمتها حزب الله، الذي سرعان ما احتكر "المقاومة"، بعد اغتيال رموز فكرية شيعية وقيادات من المقاومة الوطنية. احتكروا تحرير الجنوب وفلسطين كمهنة لهم. وهذا كان اول مسمار في نعش نزاهتهم. المقاومة لا تُحتكر.  

حتى عندما هبّوا للدفاع عن النظام السوري الذي حمى الحدود الاسرائيلية لمدة 40 عاماً، رفعوا شعار فلسطين، وقرّر السيد نصرالله أن طريق القدس تمر من القصير وحلب وحمص وغيرها. سبق كل ذلك إعادة توجيه "السلاح المقاوم" من إسرائيل الى صدور اللبنانيين منذ 2008، وصولاً الى قمع ثورة 17 اوكتوبر وتحت شعارات مذهبية: شيعة شيعة. وآخر تمرين لهتّافي الفتنة الطائفية كان في عين الرمانة. 

الملفت انهم بعد أن استنكروا طويلاً ربطهم بإيران، اعترف السيد نصرالله، في معرض المزايدة على الشعب اللبناني ومناكدته، ان ماله وأكله وشربه وصواريخه، التي تتكاثر تحت أنف الشرعية الوطنية والدولية وقراراتها، من إيران التي يخدمها. وأنه سيكون بخير طالما إيران بخير. لقد استخدم لبنان كقاعدة انطلاق ليحارب عنها ويوسع نفوذها؛ ولم يُخْفِ يوماً أنه يخطط لتغيير هوية لبنان وجعله دولة اسلامية خاضعة لنفوذ إيران.     

هذا الحزب، بهذه المواصفات ينفي هيمنته على القرار السياسي. هو فقط يعطّل الحكومة وقراراتها، ولطالما عطّلها. أما التداعيات الكارثية الناتجة، فليست مشكلته. 

وللدقة، ان أول من استخدم كلمة "احتلال" لوصف واقع الحال، هم المسؤولون الإيرانيون أنفسهم، في تصريحاتهم المشهودة بأنهم "يحتلون" أربع عواصم عربية!! لم نسمع من الحزب وممن يرفض كلمة احتلال إيراني" أي اعتراض حينها!! بل ورحبوا بتصريح قاسم سليماني قبل مقتله بأن له 74 نائباً في البرلمان اللبناني؟  

فهل تحتل إيران لبنان؟ البعض ينفي ويحلف انها لم تدعس الكرم. 

نقل طاهر أميري قبل اسبوع، عن صحيفة إيرانية، اعتبار دوائر السلطة هناك، ان قرار إنشاء جبهة المقاومة كان أفضل استثمار حققته إيران. وينقل انهم يدربون أعداداً من مقاتلي «حزب الله» اللبناني على التحدث بالفارسية بُغية الانتشار الداخلي المحتمل، عند الحاجة، لحماية النظام من الثورات داخل إيران. ويرى الباحث رضا محمدي أن خامنئي يعدّ «حزب الله» كالحرس الإمبراطوري المستعد للقتل والموت من أجله حتى لو تخلى عنه الحرس الثوري و«الباسيج". 

قد تكون هذه مبالغات، لكن طالما جاء على لسان المسؤولين الإيرانيين، انهم دون «جبهة المقاومة» لن تكون هناك إيران!!  

السؤال يوجّه لمن يرفض أن إيران تحتل لبنان، بحجة عدم وجود جيش إيراني: لو إن إيران قرنت القول بالفعل وأرسلت جيشها لتحتل لبنان هل سيقاومها حزب الله؟  

ثم ما الدافع كي تتكبد إرسال جيشها ليحتل لبنان بوجود من يقوم عنها بذلك؟ لقد أرسلت خبراء ومستشارين داخل حدودنا الفالتة لتدريب مقاتلين تابعين لها يأتمرون بأوامرها!! ما يعفيها من تحمل أي كلفة لتبعات الاحتلال، وأي مسؤولية عن إفلاس الدولة وانهيارها.  

بماذا تختلف مفاعيل أعمال حزب الله عن الاحتلال؟ وهل كون القائمين به شيعة لبنانيون، يمنعنا من تسمية الفعل باسمه؟ لماذ؟ لأن التخلص من الاحتلال سيعني التخلص منهم أيضاً كأفراد؟ أي طردهم؟ فهل طُرِدَ الفرنسيون الذين تعاونوا مع الاحتلال الالماني بعد دحره ؟  

يقترح علينا البعض أن لبنان بلد مخطوف! فليشرح لنا أحد معنى دولة مخطوفة؟ وهل الخطف أقل جرمية من الاحتلال؟ وماذا يترتب قانونياً وتشريعيا على فعل الخطف غير المسبوق بين الدول؟ أي عقاب سنطبق على الخاطف، دولة او حزب، ذلك المتبع بحق الأفراد؟ وهل جرم الخطف أخف وطأة من جرم الاحتلال؟ ألا يمكن للخاطف ان يقتل رهينته؟ أليس ما يحصل للشعب اللبناني نوع من القتل الجماعي؟ 

وكيف يقرأ المعترضون على كلمة احتلال تصريح الشيخ نعيم قاسم الفخور بلبنان الذي نعيشه: ان المقاومة في لبنان "ثابتة"(عكس متحوّلة)، مهددا الشعب اللبناني: "من أراد التحق بنا ‏ومن لم يرد فليبحث عن حل آخر". هل يعني ارحلوا عن البلد! وللصدفة عنونت جريدة الشرق الاوسط في نفس اليوم ان "ميليشيات إيران تقول للسوريين: الولاء... أو الرحيل"!!  

وأخيراً فليخبرنا رافضوا الاحتلال من وضعه أفضل، الفلسطيني الذي تحتله إسرائيل أم اللبناني الحر في بلد "المقاومة"؟ هل يتنعم السوري "بحماية" حكوماته؟ أليس النظام من جلب الاحتلالات وجيوشها الى سوريا للاحتفاظ بالسلطة؟ هل نضيف لقاموسنا: احتلال بالواسطة؟  

إن الحريصين على استخدام المفاهيم والتعابير الدقيقة، الذين يستشهدون بأنظمة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة التي تحدد معنى احتلال، وكلها صيغت في مطلع القرن الماضي وفي سياق الحروب الكلاسيكية بجيوشها ومعاركها واجتياحاتها واحتلالاتها، ربما عليهم، وعلى الأمم المتحدة، إعادة التفكير بالمصطلحات الجامدة التي لم تعد ملائمة: ففي مرحلة الثورة الرقمية وحقبة الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية في عالم افتراضي، فقدت تلك التعريفات والتشريعات قدرتها على الاستجابة للتحديات المستجدة في عالم متغير بسرعات غير مسبوقة، بسبب الثورة المعرفية والقفزات التي تحملها التقنيات الحديثة مع ثورة المعلومات التي لا تنتهي مع النانو ولا مع ما ينتظرنا من اختراعات وادي السيليكون فالي... 

لقد تغيرت النشاطات الحربية والعسكرية وتغيرت وظيفة الجيوش وصارت تعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي الرقمية. الحرب تمارس عن بعد، لن تضطر الجيوش بعد الآن الى احتلال واجتياح البلدان بجيوشها الجرارة ولو انها تمتلكها. يكفي تعطيل قدرات العدو باستخدام لوغاريتمات وبرمجيات ودرونز لتفجير منشآت او لتفجير البشر المقصودين. وما زلنا نسمي الحرب، حرباً!!  

نصحنا فوكو في كتابه "الكلمات والأشياء" ان لا نثق بالكلمات لأنها تخدعنا، فهي لا تصف الأشياء دائما، فاللغة في زمن آخر، لا تعود مبنية على الكلمة الأولى التي تم تأسيسها من خلالها. لنأخذ كلمة دولة نفسها، أي علاقة للدولة الوطنية الحديثة بالدولة العباسية؟ او البويهية؟ او دولة القرامطة؟  

لماذا لا تقبلون إذن بتغير شكل الاحتلال؟ 

فلرافضي كلمة احتلال، خذونا بحلمكم، مشكلتكم في التمسك بمفاهيم لم تعد تتلاءم مع الواقع المستجد. 

الجمود الفكري هو أحد أسباب الانحطاط، وأحد نتائجه. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.